الرهان الخاسر على دونالد ترامب


وصل دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية لولايته الأولى في عام 2017 بدعم من الإمارات العربية المتحدة من خلال سفيرها في واشنطن، يوسف العتيبة. وقد استمرّ رهان أبو ظبي على الرجل، متجلياً بأشكال شتى، ليس أقلّها وضع الإمارات «التطبيع» الرسمي لعلاقتها بإسرائيل تحت إشراف ترامب في إطار ما سمي «اتفاقيات أبراهام». بل إن هذه الاتفاقيات ذاتها اندرجت في مسعى يرمي إلى دعم ترامب في حملته الرئاسية الثانية في عام 2020، لكنّها لم تفلح في ضمان فوزه. وقد أبدى الرئيس الأمريكي تودّداً للدول الخليجية فاق موقف جميع أسلافه، بمن فيهم جورج دبليو بوش الذي اشتهر بوثاقة علاقاته بالنظام الخليجي العربي.
والحال أن ترامب خصّص زيارته الرئاسية الرسمية الأولى خارج الولايات المتحدة لدول مجلس التعاون الخليجي في كل مرّة، في عام 2017 كما في عام 2025. وحيث أعطى ضوءاً أخضر لحملة أبو ظبي على قطر في عام 2017، نسج في بداية ولايته الثانية علاقات وثيقة مع كافة الدول الثريّة الأعضاء في المجلس. أما طبيعة العلاقة، فلم يترك ترامب مجالاً للشك في أنها نفعية إلى درجة الوقاحة، منذ استقباله وليّ العهد السعودي في البيت الأبيض خلال ولايته الأولى وهو يشهر كرتونة أشارت إلى وعود المملكة بشراء أسلحة أمريكية بمليارات الدولارات.
وقد راهنت المملكة السعودية ودولة الإمارات على تغيير ترامب لسياسة المهادنة (التسكين) التي مارسها سلفه أوباما إزاء إيران والتي أثارت امتعاضهما لفسحها المجال أمام طهران كي تواصل مدّ نفوذها في المشرق العربي بلا ضوابط، وتعزّز ترسانتها العسكرية. وقد بدا أن ترامب يلبّي الرهان بإقراره انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي عُقد في عام 2015 تحت إشراف إدارة أوباما، معيداً فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، بل مصّعداً إياها تضييقاً للخناق على البلد. فكان ردّ طهران في تصعيد الاستعداد العسكري وتخصيب اليورانيوم بنسب تفوق بكثير ما يلزم لأغراض مدنية سلمية.

 كان جلياً لكل من فتح عينيه أمام سلوك الرئيس الأمريكي، الذي تجلّى منذ بداية ولايته الثانية أنه بلغ درجة قصوى من جنون العظمة

شكّل ذلك تجلياً أول لانعدام الفطنة الاستراتيجية لدى الرئيس الأمريكي وعادته في إسقاط رغباته على الواقع واللجوء إلى «التفكير السحري»، إيماناً منه أن النجاح حليفه في كافة المجالات والمناسبات. وعلى الرغم من أن خليفته الديمقراطي جو بايدن كان قد وعد بإحياء اتفاق عام 2015، فإنه لم يفِ بوعده، على الأخص بسبب عطفه الفائق على الدولة الصهيونية التي عارضت هي الأخرى، وبشدّة، سياسة أوباما إزاء طهران. ولدى عودته إلى البيت الأبيض، رأى ترامب أن يثبت نجوعه بعد أن باءت بالفشل سياسته العدائية تجاه إيران حتى حينه.
فاختار أن يزجّ بلاده مباشرة في الحرب الدائرة بين طهران والدولة الصهيونية، ويشارك في ضرب المنشآت النووية الإيرانية خلال العدوان الإسرائيلي في حزيران/ يونيو 2025. ثم وقد رأى في تلك المشاركة ظفراً «لا مثيل له» على عادته في المبالغة القصوى في التبجّح بأفعاله، حملته نشوة ذلك الظفر، مضافةً إليها نشوة نجاحه في الاستيلاء على فنزويلا ونفطها، إلى شنّ عدوان ثنائي على إيران بصحبة الدولة الصهيونية بدءاً من نهاية شباط/ فبراير الماضي.
وقد تبيّن بسرعة أن ترامب ولج المعمعة بلا أي فطنة استراتيجية، معتمداً مرة أخرى على إسقاط رغباته على الواقع، ظنّاً منه أن سيناريو فنزويلا سوف يتكرّر في إيران، وهي مراهنة «سحرية» على غرار مراهنة إسرائيل على انهيار النظام، والحال أنه تبيّن أن ليس لدى أي من الحليفين صلة فاعلة بأي من أركان الحكم في طهران. وإذ شنّ ترامب عدوانه بحفز من اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، مراهناً على تحقيق ظفر ثانٍ يعزّز حظوظ حلفائه الجمهوريين الانتخابية، فإن اقتراب موعد الانتخابات والمواجهة مع إيران تراوح مكانها، تحوّل إلى عامل شلل للعملاق الأمريكي.
وإن أسطع دليل على الإخفاق الكبير الذي كان نصيب ترامب هو ما نقله الإعلام مؤخراً عن اعتذاره عن تلبية طلب وليّ العهد السعودي معونته في التصدّي لهجمة الحوثيين اليمنيين، مدعومين من حلفاء طهران العراقيين، على صادرات الرياض النفطية. وهي هجمة ترمي إلى إصابة هدفين بوقت واحد، ألا وهما انتهاز الحوثيين للفرصة التاريخية في بسط سيطرتهم على كامل الساحل اليمني على البحر الأحمر، ومفاقمة ارتفاع الأسعار على النطاق العالمي بدفع من أسعار الطاقة، بما يُثقل الوطأة على الإدارة الأمريكية في مواجهتها لإيران قبل الانتخابات النصفية بأسابيع قليلة.
لا شك في إن دونالد ترامب أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، وليس من الصدفة أن هذه الصفة تتماشى مع كونه أكثر الرؤساء الأمريكيين، ليس دعماً للدولة الصهيونية وحسب، بل ولأقصى اليمين فيها. ولم يحتج إدراك ذلك إلى بصيرة متفوقة، بل كان جلياً لكل من فتح عينيه أمام سلوك الرئيس الأمريكي، الذي تجلّى منذ بداية ولايته الثانية أنه بلغ درجة قصوى من جنون العظمة.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *