السينما الفلسطينية في فينيسيا… حضور يتحدى الحرب


«ما ضاع حق وراءه مُطالب»، حكمة ترجمتها السينما الفلسطينية بقوة، حيث دأبت على الاستمرار في إنتاج الجديد من التجارب التي كشفت عن حق الشعب الفلسطيني الأصيل في ممارسة حياته بشكل طبيعي، كأي شعب آخر يتوافر له مناخ الحرية وينعم بالاستقلال.
السينما الفلسطينية أفصحت عن هذه النزعة التحررية، في كل خطاباتها السياسية الموجهة إلى الشعوب كافة داخل محيطها الإقليمي وخارجه، فجاءت النتائج إيجابية، فقد ازداد حجم الاهتمام الدولي بالقضية على خلفية ما تطرحه الأفلام من أفكار ومضامين تختلف في دلالاتها عن خطابات السياسة المعهودة.
لقد نجحت الأفلام بكل تصنيفاتها التسجيلية والوثائقية والروائية القصيرة والطويلة، في تغيير وجهات النظر الأوروبية تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته بما حملته من تأثير، وكشفته من حقائق ليتأكد الرأي العام العالمي من عدالة الموقف الفلسطيني تجاه حقوقه الضائعة، الساعي إلى الحصول عليها بالأشكال القانونية والكفاح الوطني المشروع.
لقد أفادت موجات الأفلام التي تمت صناعتها طوال فترة الحصار والتجويع، منذ بداية حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول وحتى الآن في تصحيح كثير من المفاهيم، فجعلت الصورة الحقيقية تقترب من ذهن المشاهد الأوروبي ليقوم بتحليلها تحليلاً ذاتياً بمعزل عن الآلة الإعلامية الصهيونية المُعادية فيصل بنفسه إلى الحقائق المُثبتة، من دون أن يساوره شك في تفاصيلها. وبالفعل استطاعت السينما بما لها من تأثير أن تضع النقاط فوق الحروف، فأسفرت إبداعاتها عن تحول واضح في المسار السلبي الغربي إزاء القضية إلى النقيض التام، لا سيما بالنسبة لسياسة المهرجانات الدولية التي تُمثل نافذة التأثير الأقوى على طاولة النقاش الدائر عبر الندوات ووسائل الإعلام الدولية، ضمن الفعاليات الرئيسية المُرتبطة بالعروض الفنية ذات القيمة الثقافية والإنسانية.
ومن بين مظاهر التأثير السينمائي القوي في تغيير المفاهيم السياسية، اضطلاع مهرجان فينسيا السينمائي الدولي، بالنظر إيجابياً إلى القضية الفلسطينية، على عكس السائد في أغلب دول العالم، بفعل الدعاية الأمريكية القائمة على دعم إسرائيل وتزييف الوعي العام بالحقائق الموجودة على أرض الواقع، من انتهاكات وعدوان سافر واستحواذ على المُمتلكات والأراضي، للتوسع في برنامج الاستيطان القائم منذ سنوات.
مهرجان فينيسيا هذا العام خالف الظنون، بتكريمه السينما الفلسطينية، ووضع أفلامها في صدارة المشهد ليتسنى للعالم كله رؤيتها وتدبر معانيها، والتأكد من ابتعادها عن مقاصد العنف والإرهاب، وتركيزها فقط على كل ما هو إنساني، سواء اتصلت الرؤية السينمائية بالواقع الفلسطيني، أو بأي واقع آخر خارج مسألة الصراع الوجودي بين فلسطين وإسرائيل، باعتبار ذلك هو المعهود في أغلب الأفلام الفلسطينية منذ تاريخ النكبة عام 1948.
أما اليوم وبعد مرور سنوات وسنوات على تاريخ الصراع، تتجلى صور أخرى للإبداع السينمائي الفلسطيني تقود المُشاهد إلى زاوية أخرى للرؤية تتمحور تفاصيلها حول مُستجدات الحياة في الداخل الفلسطيني، خاصة مدينة غزة موطن الصراع والاقتتال والحرب.
فمن خلال رؤى إبداعية دقيقة يُمكن قراءة الواقع الفلسطيني بعيون أخرى، تجذبها لغة الحوار الناطق بالمآسي بين أبناء المُدن والقرى المُحاصرة، بلا طعام أو شراب أو مأوى، أو درجة من درجات الأمان الملموس بغير تهديد، أو وعيد، أو قصف يُفاجئ سُكان الخيام في هزيع الليل ووهج النهار.
تلك هي الرؤى الجديدة للإبداع السينمائي الفلسطيني، التي لفتت النظر بعمقها وصدقها وجديتها، إلى المُتغير الجذري في طبيعة الأفلام ونوعياتها، فاستحقت الرؤى المُختلفة اهتمام المهرجان الدولي الكبير وعنايته، وربما أسبقيته في وضع السينما الفلسطينية بإبداعها الإنساني المغاير في بؤرة الضوء، ليتسنى لمن لا يعرف الكثير عنها متابعتها والإحاطة بما طرأ عليها من تغيرات.
ويستوجب الحديث عن مسار السينما الفلسطينية الجديد، الإشارة إلى تجاربها التسجيلية والوثائقية الحديثة المُتمثلة في فيلم «الطائرة الورقية»، سيناريو وإخراج سعود مهنا، وهو فيلم معني بلعبة الأطفال الصغار الذين يصنعون بأيديهم طائرات ورقية تُحلق في سمائهم الحرة على ارتفاع يعلو قليلاً عن مستوى الخيام. فالأطفال يُحاكون ما يرونه في واقعهم اليومي من تحليق طائرات العدو الحربية فوق رؤوسهم، بيد أنهم يُبدون شجاعة مُتناهية أثناء لعبهم ولهوهم البريء بطائراتهم الصغيرة، فلا يخافون القصف أو الموت، غير أنهم يُمارسون حقهم في اللعب والمرح، والسخرية أيضاً من تربص العدو الإسرائيلي بهم، فلا يلقون بالاً لما يُمكن أن يُفاجئهم به.
في فيلم الطائرة الورقية تظهر الموسيقى كعنصر بالغ التميز، بما تُعطيه من أحاسيس مُتباينة على المستوى الدرامي، تتراوح ما بين الخوف والتحدي والرجاء، والتلقائية الشديدة في التعبير عن الفرح في اللحظات المُختلسة من الأوقات العصيبة.
وكما شارك هذا الفيلم المصنوع بإمكانيات غاية في البساطة في بعض المهرجانات الدولية، شاركت أفلام أخرى لمُخرجين مُهمين في فعاليات مهرجان فينسيا بدورته الثالثة والثمانين، التي انتهت فعالياتها مؤخراً، كالمخرج مؤيد عليان الذي عُرض فيلمه «حوار مع البحر» في سياق الترحيب بالأفلام الفلسطينية المُتميزة. كذلك شارك فيلم «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة، وهو إنتاج فرنسي – فلسطيني مُشترك، تدور أحداثة حول حياة ومسيرة مصور سينمائي، يسعى لتوثيق الأحداث الجسام ويقوم في الوقت نفسه بعمل احتياطات واجبة لحماية أسرته من ردود الأفعال الانتقامية المتوقعة من القوات الإسرائيلية تجاه الصحافيين والمُبدعين.
وعلى الرغم من أن مشروع أكاديمية غزة السينمائية طُرح كفكرة فنية في عام 2024 من جانب المخرج الفلسطيني عز الدين شلح، إلا أن الفكرة تجددت مرة أخرى مع بداية الدورة الجديدة لمهرجان فينيسيا ولاقت ترحيباً كبيراً من جانب القائمين على تنظيم المهرجان، الذين وعدوا بدعم المشروع وتنفيذه.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *