انطلاقاً من سيميائية العنوان يضعنا الشاعر أمير الحلاج في مجموعته الشعرية «كفّ تلوح لكلمات في الدخان»، إزاء فضاء ومساحات من التأرجح بين النسق الرومانسي، والعمق التأويلي والمجازي، ويؤطر بعض نصوصه بنسق من التحليق الذهني، ليصنع نصوصاً بعيدة عن السائد، محلّقة في المغايرة، وبعيدة أيضاً عن المباشرة والتقريرية والمعنى الأحادي، وبذلك فهو يحقّق لغة خاصة به، تكتنز هذه الخصوصيّة لتقدّم نمطا من أنماط نقل اللّغة من مستواها المتداول الى المستوى الانزياحي والبعد التاويلي، أو لغة ما وراء اللغة من دون افتعال، أو غموض أو تجريد فعنوان المجموعة الطويل يرتكز على العنوان الجملة، التي يرسم بها مشهدا عابراً يصور فيه حركة توحي بالفعل القصدي للإمساك بالأشياء في فضاء من دخان، فهناك المحاولة والمبادرة والفعل، وهناك عالم من التشظّي والزوال، وهو إيحاء التأرجح بين الحقيقة والوهم، وبين السكون والحركة، والوثوب والسكون، وغيرها من الثنائيات المتناقضة، وعرف الشاعر أمير بتأسيس هويته الأسلوبية، وخطابه الشعري القائم على هذه المعالم التوهيمية، ممّا أرسى له خطاباً يمّثل نوعاً من التفرّد والابتعاد عن ملامح الخطاب التقليدي لقصيدة النثر، والمحافظة على جوهر الفاعلية التعبيريّة بالتوكيد على الفكرة والصورة والعمق، وتجنّب اللغة الصارخة، والسائرة باتّجاه لغة تمسك بتلابيب الفكرة وتحلّق بعيداً في عوالم الإشارة والإحالة.
وطبقاً لما ذكرت فإن أمير الحلاج، يؤسس لنسق شعري قائم على فكرة الحقيقة المتحركة، وبذلك نلحظ المضمون المرتبط بتفاؤلية الحركة والتأمّل، والرغبة في الوصول إلى الأمل، والتطلّع يتكرر في معظم نصوصه الدالة، إذ يشير إلى كفّ تظل تحاول، على الرغم من هيمنة الزوال والدخان حتى تصل رؤاه إلى الاحتجاج والتحريض، وعدم الركون إلى السكون، ففي نص «كلمات في الدخان» نتلمس التحريض عبر الخطاب القائم على فعل الأمر وتداعياته، ويقول:
اتركي اهواءك على أهوائها/ تشرق سيرتها/ وتفعل ما تشاء..
اتركيها بانفاسها الساخنة/ تذيب ما يكبّلها من الأطواق
فنموها لا يتكرر/ دعي شمس قلبك ترضعها
ورموش عينيك تمنحها الحنوًّ/ وكفّيك تنعشان الخفوت
ودعيني أقرأ ما يتبخر من اضطرابها/ لأرسم الحيز المرتجى..(المجموعة: 5)
فالنص عبارة عن موجة متحّركة لأفكار ورؤى تهويمية متعدّدة، وتلك دعوة للتحرّر من الخفوت والسكوت، ودعوة إلى التحريض والتحرّر من كل الأطواق، فالأشياء تعكس فكرة الجمال الذي لا يتكرّر، وحتى الاضطراب يتحوّل إلى حيز مرتجى، فأمير الشاعر يصنع لغة متفردة له، وهو مشدود إلى مفردة الدخان التي تتكرر في نصوصه إذ يتحوّل الدخان إلى فضاء للبحث والحركة وليس للوهم العابر.
وتتجلّى قدرة الشاعر في المزاوجة بين اللّغة الشعرية الشفيفة والفكرة الذهنية العميقة في نص (مفترق طرق)، والعنوان يحيل إلى الحركة والاختيار والحسم وعدم الانصياع للسكون السلبي، يقول:
هذا مفترق للطرق/ تتحدّد النتيجة فيه/ وينتهي..
كلّ ما تمّ التداول فيه/ هنا لحظة الحسم
لايّة بوابة نستلف المفاتيح/ هنا لحظة السير
يركزها مقلق من ثلج/ لينظر في الخروج/ كيف الهّمة تغرز أقدامها؟ (المجموعة: 7)
يبدو النص بالإشارة إلى موقف يوجب الاختيار والحسم، وعدم التبلّد في لحظة سكون معلّبة، فالمفترق هو التحّدي لحسم الموقف والتمسّك بالاختيار، لعلّ الموقف، أو لحظة الوعي التي تمثّل نوعاً من وجود (المفاتيح) التي ترمز إلى الانطلاق والكينونة، وفك شيفرة التردّد، وهنا لحظة الانطلاق والسير، ونبذ الانتماء إلى زمن محنّط ومكبّل باللاإرادة ولذا نلحظ في النص نبرة التحريض والاحتجاج والدعوة إلى الاختيار والابتعاد عن التأمّل السلبي الساكت بغية الطرق على الأبواب من أجل الخروج إلى عوالم الحرية والوجود الفاعل وتحقيق الذات .
ولا تفارق هذه النزعة التعبيرية الجميلة والدالّة حتى في نصوص الشاعر الرومانسية، وهي ترسم صورة المرأة بكلّ جمالها، وجمال الأشياء التي تحيط بها، وتصبح النظرة رمزاً لجمال المرأة التي تمنحها نوعاً من الرصانة وملامح الذكاء، تستقطب بها العوالم والأسئلة، والنص يحمل عنوان (نظارة) وقلما يقدم الشاعر عنواناً يقوم على اللّفظ المفرد وبهذا الوضوح المباشر:
نظارتك الطبية / المنتقاة بجهد طول الوقت/ جميلة بإطارها
كحبل بيدي طفل يلاطف لعبته/ وكإطار للوحة/ مزيّن بالنقوش
الإبهار سمتّه الراسخة/ واستقطاب الأسئلة/ والتنقل/ بين أكفّ الصديقات
رقص زوده الانتشاء.. (المجموعة: 12-13).
وعلى الرغم من نمطية الموضوع والفكرة والإشارة المرتبطة بوجود النظارة الطبية يحاول الشاعر أن يجد لما توحيه من جمال معنوي وليس جمالاً مظهرياً، ويبقى هذا النص ليس بمستوى نصوصه الأخرى، ولكنه جعل النظارة الطبية تصبح عالماً من الجذب والاستقطاب والغموض الذي يخفي عنه جمال العيون التي يشغلها السؤال والتطلع الذكي، إذ تتحول النظارة الطبية إلى مزية تعمق من رصانة الذات الأنثوية وليس مجرّد زينة لبريق عابر.
وفي نص (نقش) تتجلى معالم تمزج الفكرة بالحركة والجمال بالتجسيد، ويمزج الشاعر بين تراسل متنافذ لحواس يستفزها التواصل حتى يتحوّل النص إلى مساحة متحرّكة تجمع الإشارات والإيحاءات التي تجسد عمق العشق وتحولاته المعنوية والحسيّة، ويقترب النص من نمط النّصوص القصيرة المرتكزة على التكثيف والاختزال:
يسخن الهاتف/ كلّما اتصلت/ فتنقش في الكف
آثار الحروق (المجموعة: 14).
يُستهلّ النص بجملة فعلية (يسخن الهاتف) ليرسم بعدها حركة دالة مؤطرة بالتأويل، إذ يتحوّل التواصل من نسق صوتي إلى نسق مادي، ومن ثم الصوت يتحول إلى احتراق ينشر آثاره ومعانيه، والنصوص في هذه المجموعة تحولت إلى فضاءات لرصد الحركة والتحريض والتجسيد وليس مجرّد وصف لفظي مجرّد، وهذه إحدى خصائص التميّز والخصوصية في نصوص أمير الحلاج.
كاتب عراقي