جاكي خوري
المجمع الذي أقامه مستوطنون شباب في منطقة مجد الكروم يمكن النظر إليه كقضية محددة تتعلق بتخصيص الأراضي للرعي. يمكن الجدال حول الملكية والرخص والجوانب القانونية. ولكن السياسة لا تمارس فقط على أساس ملفات الأراضي، بل تمارس بالرموز والصور أيضاً. فعندما يتجمع الشباب اليهود قرب قرية عربية، بشكل يذكر الناس بـ “شبيبة التلال” والمزارع والبؤر الاستيطانية المألوفة لديهم في الضفة الغربية، فإن الانطباع ليس “مراعي”. تتمثل الرسالة في ترسيخ الحقائق على الأرض، واستفزاز له أساس أيديولوجي واضح. تم على مر السنين تخصيص أراض للرعي لمزارعين يهود وعرب حتى في المناطق الواقعة بين المجالس الإقليمية والقرى العربية. وإذا كان هذا الأمر حصل على المباركة أو التجاهل العلني في السابق، فإن الصور والسلوك في مجد الكروم الآن تؤجج الوضع.
يأتي هذا التحرك في ظل محاولات استبعاد القوائم العربية عن الترشح للكنيست، ونزع الشرعية المستمر عن ممثلي العرب. يمكن تفسير كل حدث على حدة، قانونياً أو إدارياً أو سياسياً، ولكن تراكم الأحداث يرسم صورة مختلفة في المجتمع العربي: صراع على الأرض، التمثيل السياسي والشرعية. يكمن الخطر في أن الضغط من قبل اليمين المتطرف يهدف إلى إعادة إنتاج صورة عملية “حارس الأسوار”: العرب في الشوارع، المواجهات مع رجال الشرطة، الاحتكاك بين اليهود والعرب ومشاهد “فقدان السيطرة”. مثل هذه الصور قد تتحول إلى وقود سياسي قوي في غضون ساعات. وسلوك الشرطة مثير للقلق. وكل من تابع انتشار القوات في السنوات الأخيرة أثناء المظاهرات في المجتمع العربي وفعاليات يوم الأرض أو إحياء ذكرى أحداث أكتوبر، لاحظ استعداد الشرطة للمواجهات. ويشعر المجتمع العربي بأن هامش احتواء الاحتجاجات قد تقلص بشكل كبير.
لكن ربما يحدث هنا عكس ما يتوقعه المعنيون بالمواجهات. يدرك رؤساء السلطات وأعضاء الكنيست وجزء كبير من الرأي العام العربي جيدا الشرك المحتمل. وهناك أيضاً بالطبع عامل الردع؛ فالمشاهد التي تأتي من غزة والضفة الغربية وصدمة 7 أكتوبر والحرب لها أثر كبير. ولكن الأمر لا يقتصر على الردع فقط، بل هو أيضاً استنتاج سياسي واقعي. فالمواجهات في الشوارع لن تخدم المجتمع العربي، لذلك قد يكون الحل مختلفاً كلياً: ليس المواجهات، بل التصويت.
يرى كثيرون في المجتمع الإسرائيلي أن 7 أكتوبر كان نقطة تحول دفعت المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين. ولكن من هم على دراية بالشارع العربي والشارع اليهودي والديناميكية السياسية في السنوات الأخيرة، يعرفون أن القصة بدأت قبل ذلك بكثير
يرى كثيرون في المجتمع الإسرائيلي أن 7 أكتوبر كان نقطة تحول دفعت المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين. ولكن من هم على دراية بالشارع العربي والشارع اليهودي والديناميكية السياسية في السنوات الأخيرة، يعرفون أن القصة بدأت قبل ذلك بكثير. أحداث “حارس الأسوار” في أيار 2021، لا سيما المواجهات داخل إسرائيل، شكلت لحظة فارقة في وعي قطاعات واسعة في الجمهور اليهودي.
ترسخت أعمال الشغب في المدن المختلطة – اللد، عكا، يافا، الرملة، “بات يم” وحيفا – وكذلك في النقب والجليل، في الوعي الجماعي، كتهديد داخلي. صور العنف المتبادل والشعور بأن الحياة المشتركة قد تنهار في غضون ساعات، أثرت في الخطاب العام، وساهمت في تعزيز النزعة القومية والمطالبة بـ “السيطرة” واتخاذ موقف حازم وسياسة أكثر قسوة تجاه المجتمع العربي – وقد انعكس هذا أيضاً في صناديق الاقتراع مع تعزز اليمين المتطرف في إسرائيل. هل يوجد الآن بين أعضاء الائتلاف من يعرف أن تجدد الصراع مع الجمهور العربي قد يخدم مصالحهم الانتخابية، ومن ثم لا يخشون التصعيد، بل ربما يتبنون سياسة تزيد من احتمالية حدوثه؟ لا دليل على وجود خطة منظمة لإشعال مثل هذا الصراع، لكن عند ربط الخيوط يصعب تجاهل هذا التوجه. ولا تقتصر هذه التوجهات على تصريحات سموتريتش وأوريت ستروك وبن غفير، بل تشمل أيضاً الزيارات التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة لوزير الأمن القومي إلى القرى العربية، التي ينظر اليها كثيرون في المجتمع العربي على أنها استعراض للقوة واستفزاز أكثر من كونها محاولة جدية لمكافحة الجريمة. والشيء نفسه ينطبق على زيارات عضو الكنيست تسفي سوكوت إلى مدارس في طوبا الزنغرية وأم الفحم. يضاف إلى ذلك سياسة معلنة لتعزيز الاستيطان اليهودي في النقب والجليل، وتصاعد الخطاب السياسي حول قضية الأرض والفضاء.
في الأسابيع الأخيرة، واجهت عائلات في القرى العربية في أرجاء البلاد أوامر هدم ومطالبات إخلاء وغرامات باهظة بسبب البناء أو استخدام أراض تعتبر غير قانونية أو تعد على أراضي الدولة. من ناحية السلطات، الأمر يتعلق بإنفاذ القانون والحوكمة، أما من ناحية السكان الذين يعيشون في بيوت بنيت منذ عقود ويكتشفون فجأة أن بيوتهم على وشك الإخلاء أو أن عليهم دفع غرامات للدولة تبلغ مئات آلاف الشواكل، فالشعور حينها مختلف كلياً، لا سيما مع تأخير الدولة لسنوات للموافقة على المخططات الرئيسية والتباطؤ في توسيع مناطق البناء في التجمعات العربية بوتيرة تناسب النمو السكاني.
الشعور السائد في المجتمع العربي هو أن الصراع لا يقتصر على الأراضي الزراعية في مجد الكروم، وعلى سقف بيت في النقب أو على أمر هدم فقط، بل بوضع المواطنين العرب في البلاد وقدرتهم على ممارسة تأثير سياسي. في ظل هذا الواقع، يصبح صندوق الاقتراع هو الساحة الأكثر فعالية للصراع. قد يجد الذين يحاولون تأجيج الوضع وخلق صور لـ “حارس الأسوار 2″، أنهم في الواقع يديرون أفضل حملة انتخابات في المجتمع العربي في السنوات الأخيرة.
هآرتس 15/9/2026