ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالأخبار التي تتحدث عن تحرير كامل التراب اليمني من الجماعة الانفصالية التابعة للنظام الإيراني، وتشبيهها بردع العدوان السوري الذي انطلق من مدينة إدلب حتى تحرير دمشق العاصمة وهروب الأسد إلى منخفضات روسيا الباردة، وفتح عدة جبهات في آن واحد والطريق إلى صنعاء هو العنوان الأبرز.
لا يمكن تحديد الشرارة الأولى؛ ذلك أن الوضع قابل للاشتعال في أي وقت، لاسيما في ظل تعقيدات الحرب الأمريكية – الإيرانية وتطلع الأخيرة لاستخدام جميع الأوراق لمواجهة الحصار الخانق المفروض عليها، والتهديد بممارسة الضغط على المواطن الأمريكي ومعاناته المستمرة بارتفاع الأسعار وخصوصاً؛ البنزين.
فرصة انتصار الحكومة اليمنية الشرعية، أكبر من الجماعة الانفصالية، ذلك من خلال عدة اعتبارات ومسلمات، حتى لو استحكمت الجماعة قبضتها على الشريط الغربي من اليمن والجزر المتناثرة، وعلى رأسها بالطبع مضيق باب المندب الذي من خلاله التحكم وتهديد الملاحة، تماما كما يجري في مضيق هرمز. لكن إلى متى يمكن صمود هذه الجماعة التي خرجت من مواقعها وتمددت وأصبحت مكشوفة في الوقت الذي تستمر الجبهات بالقتال بنفس العزيمة والمعنويات العالية، مع العلم أن جماعة أنصار الله في اليمن باتت محاصرة براً وبحراً، وحتى من الجو رأينا كيف تم منع الطائرة التي تحمل وفدا ً من الذين شاركوا في عزاء الخامنئي ومنعها بالهبوط في مطار صنعاء، والأهم من كل ذلك تفعيل سلاح الجو اليمني.
لا أعلم لماذا قررت الجماعة الانفصالية في اليمن، الاستجابة والتخندق وراء الأهداف الإيرانية، في الوقت الذي يعاني النظام في طهران مسألة وجوده، مع عودة الكيان الصهيوني إلى الحديث عن إسقاط النظام الإيراني في القريب العاجل؛ لكن من البديهي وفق معادلة عسكرية واضحة تقول إخراج الوحش من الكهف وقتله، هي الأكثر مقاربة وموضوعية، أعتقد أن قرار احتلال مدينة المخا والجزر الصغيرة في البحر الأحمر قرار انتحاري والانتقال بالجماعة من سجن ضيق إلى سجن أوسع، وبالتالي ربما نجحت الاستراتيجية الأمريكية في الاستدراج وعليه يمكن بناء تحالف أكبر من شأنه القضاء على التهديدات في باب المندب، وهذه المرة مصر لن تكون غائبة.
كان على جماعة أنصار الله وقيادتها قراءة التغييرات الجوهرية في المنطقة، وبالتالي عليها أن تسلك سلوك المكون الأصيل بالذهاب إلى الحوار الجاد مع الحكومة اليمنية
أطلقت الحكومة اليمنية الشرعية على محافظة المخا بـ «صندوق القتل»، يعني ذلك التأكيد على عملية الاستدراج الناجحة، حيث أن الأهداف الأمريكية واضحة ولا تحتاج إلى دليل، واشنطن أعطت إشارات وتلميحات أن التمدد الحاصل من قبل جماعة الحوثي في باب المندب شأن داخلي أو صراع وجود، وبالتالي يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الاتصالات مع الجماعة مستمرة وتأكيدهم يوم السبت الماضي، إن الحوثيين تواصلوا مع واشنطن وطلبوا منها عدم التدخل في النزاع المتصاعد في اليمن، وأكد «لا يريدون منا مهاجمتهم». يأتي التصريح بينما قام قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر بزيارة إلى السعودية، للتنسيق بشأن التطورات في اليمن والتقدم الأخير للحوثيين، وسط قلق متزايد في واشنطن من تطورات الحرب، ومساع لتكثيف الدعم الأمريكي للرياض دون الانخراط العسكري المباشر.
يشبه هذا الصمت الأمريكي المؤقت، تصريحات سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، أبريل غلاسبي ولقاءها الشهير مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين قبل احتلال الكويت 1991 من الجيش العراقي، وقتها أثير حول هذا اللقاء الكثير من النقاشات والتحليلات التي ادعت أن تصريحاتها فُهمت خطأً على أنها «ضوء أخضر» أو عدم مبالاة أمريكية حيال الخلافات الحدودية بين العراق والكويت، وهو ما رفضته التفسيرات التاريخية لاحقاً مؤكدة أنها نقلت توجيهات تقليدية بعدم التدخل في النزاعات العربية – العربية وليس تشجيعاً على الغزو.
تعمل واشنطن حالياً بعين مفتوحة والأخرى مغلقة، ذلك أن سيطرة الحوثي في باب المندب لا يناسب سياستها في المدى القريب، وبالتالي حساب فرض «النفط الصخري» الأمريكي بديلاً عن النفط القادم من الشرق الأوسط يحتاج هو الآخر لأمن الممرات، وماهي إلا مسألة وقت وتكشف واشنطن عن وجهها الحقيقي من الحرب الدائرة في اليمن، لاسيما بعد الوعد الأمريكي بإنهاء الحرب فور انتهاء الانتخابات النصفية، وتناغم هذه التصريحات مع تصريحات ما يسمى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحديثه عن إسقاط النظام الإيراني في القريب العاجل.
كان على جماعة أنصار الله وقيادتها قراءة التغييرات الجوهرية في المنطقة، وبالتالي عليها أن تسلك سلوك المكون الأصيل لا بعدم التدخل فقط، بل بالذهاب إلى الحوار الجاد مع الحكومة اليمنية الشرعية والجلوس على طاولة المفاوضات وإنهاء النزاع، لأن المثل يقول من كان في حفرة عليه التوقف عن الحفر.
٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي