نيوجرسي- “القدس العربي”: بحضور السفير عمر الكثيري، الممثل الدائم لسلطنة عُمان لدى الأمم المتحدة، وسفير عُمان السابق والممثل الخاص السابق للأمين العام في العراق، محمد الحسان، وعمدة مدينة باترسون، أندري صايغ، احتفى المركز الفلسطيني الأمريكي في مدينة كليفتون/ باترسون بولاية نيوجيرسي، مساء الأحد، بتوقيع كتاب الزميل عبد الحميد صيام “السير عبر حقول من الألغام: تجربة العمل الميداني في بعثات الأمم المتحدة”، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الدوحة، أمام قاعة مكتظة بأبناء الجالية العربية والفلسطينية من ولايات نيوجرسي ونيويورك وبنسلفانيا.
في مناسبة جمعت دبلوماسيين وأكاديميين وصحافيين وأصدقاء وزملاء للأستاذ صيام، إلى جانب أفراد من الجالية العربية والفلسطينية.
وافتُتح البرنامج بكلمة ترحيبية ألقاها رئيس المركز، السيد ذياب مصطفى، والذي رحب بالسفيرين العُمانيين وعمدة باترسون والحضور. وقد أثنى مصطفي على مواقف صيام وخدماته للجالية العربية والفلسطينية ومساهماته العديدة في أنشطة المركز. كما رحب عمدة باترسون بالضيفين وتحدث عن دعم بلديته للأنشطة الفلسطينية وذكر أنه أطلق أسم “طريق فلسطين” على جزء من شارع باترسون الرئيسي، كما أطلق على إحدى ساحات المدينة اسم “ساحة غزة”. وقال للسفيرين: “أهلا بكم في باترسون عاصمة فلسطين في أمريكا”.
ثم قام رئيس المركز ذياب مصطفى بمنح السفير الكثيري درعا تكريميا يثني على مواقفه الثابتة في دعم حقوق الشعب الفلسطيني.
تحدث بعد ذلك السفير عمر سعيد الكثيري، المندوب الدائم لسلطنة عُمان لدى الأمم المتحدة في نيويورك، والذي ثمّن هذه الهدية الرمزية والتي تدل على أصالة الشعب الفلسطيني وكرمه وسمو أخلاقه. وأكد على عمق تأييد الشعب العماني لإخوته وأخواته في فلسطين. كما أثنى على كتاب الزميل عبد الحميد الذي يعتبر صديقا لعُمان بعد أن زارها في شباط/ فبراير 2025 وكتب عنها عدة مقالات. وأعرب عن سعادته لوجوده في مركز الجالية الفلسطينية والذي يدل على تمسك الشعب الفلسطيني بهويته ووطنه وحقوقه.
ثم تحدث السفير الدكتور محمد الحسان، المندوب الدائم السابق لسلطنة عُمان لدى الأمم المتحدة والممثل الخاص السابق للأمين العام للأمم المتحدة في العراق وآخر رئيس لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” حيث أغلق البعثة في نهاية عام 2025 بعد أن تمكن العراق من التعافي ودخوله مرحلة التنمية والاستقرار.
وفي تصريح خاص لـ”القدس العربي”، قال السفير عمر سعيد الكثيري إن كتاب صيام يعكس، من بين أمور أخرى، مكانته وأهميته داخل المجتمع الفلسطيني في نيوجيرسي، مشيراً إلى ما يتمتع به من خبرة ومعرفة ومنهجية دقيقة في الكتابة. وربط السفير ذلك بالخلفية الأكاديمية الممتدة لصيام، وإجادته للغات، وخبرته في العمل داخل الأمم المتحدة، وقدرته على نقل التجربة الميدانية بطريقة تجعل القارئ يشعر وكأنه يرافقه في المدن التي زارها وعمل فيها.
ثم تحدث ثلاثة من أصدقاء الزميل عبد الحميد والذين أثنوا على الكتاب من حيث المعلومات وأسلوب الكتابة.
الصحافي والكاتب عدنان خليل خصص مداخلته عن الكتاب حول جمال الربط بين الذكريات والقضية السياسية قيد البحث ما يسهل استيعاب الموضوع بعد تقديم الخلفية التاريخية. وأكد أن صيام بعد استقالته من الأمم المتحدة أبدع في ميادين كثيرة منها الإعلام والكتابة والصحافة والبحث العلمي، حيث أنتج خمسة كتب.
السيدة سوزان سميث، الزميلة السابقة لصيام في بعثة مينورسو بالصحراء الغربية تحدثت عن تجربة العمل المشترك في تلك البعثة رغم ما أحاط بها من عقبات وتحديات.
أما علي العطعوط صديق صيام منذ نحو خمسة عقود وزميله في الأمم المتحدة، فقد توقف عند أسلوب صيام الأدبي، واصفاً إياه بأنه “أسلوب كتابة ساحر وأخاذ”، مشيراً إلى قدرته على وصف الأمكنة والتجارب، سواء في تناوله لمدن المملكة المغربية أو العراق أو إريتريا أو في استعادته تجربته في ليبيا خلال عهد معمر القذافي. كما أثنى على ربطه بين السياسي والشخصي بحيث يستمتع القارئ بكل تفاصيل الموضوع ويخرج منه بالمتعة والفائدة.

وهنا انتقل الميكروفون إلى صاحب التجربة نفسه، الذي فتح أمام الحاضرين صفحات من تجربة ميدانية امتدت 11 عاماً، بين عامي 1992 و2003، وشملت ست بعثات لأمم المتحدة في ليبيا وإريتريا والصحراء الغربية والعراق أيام الحصار والعراق بعد الاحتلال وباكستان- أفغانستان.
ولم يتعامل صيام مع هذه التجارب بوصفها مجرد محطات وظيفية، بل استعادها من خلال تفاصيل وأشخاص ومشاهد بقيت حاضرة في ذاكرته، بعضها ارتبط بالعمل الدبلوماسي والسياسي، وبعضها الآخر بمشاهد إنسانية تركت أثراً عميقاً.
ومن بين تلك التفاصيل، تجربته في العيون بالصحراء الغربية، حيث توقف عند دلالات اسم المدينة، موضحاً أن كلمة “العيون” تحمل ثلاثة معانٍ: العيون، والماء، والجواسيس. تفصيل صغير في ظاهره، لكنه يكشف الطريقة التي يتعامل بها صيام مع المكان، ليس باعتباره مجرد نقطة على خريطة، وإنما مساحة تختزن تاريخاً وتجارب وطبقات من المعنى.
ومن أكثر الفصول قسوة في تجربته ما عاشه في العراق عام 2003، حين تعرض مقر الأمم المتحدة في بغداد لتفجير أودى بحياة رئيس بعثة الأمم المتحدة، سيرجيو فييرا دي ميلو وزميلته رهام القرا التي جاءت لتأخذ مكانه لمدة أسبوعين لكنها قتلت مع دي ميلو، إلى جانب 20 زميلا وزميلة آخرين.
واستعاد صيام كيف نجا من التفجير، في تجربة شكلت واحدة من أكثر اللحظات خطورة في مسيرته الميدانية. وتنعكس أهمية تلك اللحظة حتى في غلاف الكتاب نفسه، الذي صممه الفنان ماجد أمين سيف، ويجمع بين صورة مقر الأمم المتحدة، وجواز سفر الأمم المتحدة، وحطام المبنى في بغداد، وصورة فييرا دي ميلو.
وفي أفغانستان، واجه صيام مشهداً مختلفاً في قسوته، إذ تحدث عن مشاهدته جثث ثلاثة متطوعين عرب أعدموا وتركت جثثهم في الشارع، وتركوا من دون دفن، وهي تجربة أخرى قال إنها بقيت من بين المشاهد التي أثرت فيه بشدة.
وهكذا، تتقاطع في الكتاب مسارات العمل الأممي مع الذاكرة الشخصية. فمن ليبيا عام 1992، إلى إريتريا عام 1993، فالصحراء الغربية عام 1995، والعراق خلال فترة العقوبات عام 1997، ثم العراق عام 2003، وصولاً إلى أفغانستان عام 2001، يرسم صيام صورة لتجربة ميدانية لم تكن فيها السياسة منفصلة عن الإنسان.
وبعد انتهاء الجزء الرسمي من المناسبة، واصل الزميل صيام لقاء الحاضرين وتوقيع نسخ الكتاب وتخصيصها بأسمائهم.
وبذلك لم تكن أمسية توقيع “السير عبر حقول من الألغام” مجرد مناسبة للاحتفاء بكتاب جديد، بل فرصة لاستعادة تجربة مهنية وإنسانية طويلة؛ تجربة حمل فيها صيام ذاكرة مدن وأزمات وأشخاص، وحاول أن ينقلها إلى القارئ من موقع من عاش تفاصيلها، لا من موقع من يراقبها من بعيد.

