هوميروس حسب ولسون: كلاسيكيات الحديث


قد لا تجانب حقيقة الأمر الواقع، لدى شرائح عريضة من القراء والنقاد والباحثين، هواة الآداب الكلاسيكية الإغريقية على نحو خاصّ؛ أنّ البريطانية/ الأمريكية إميلي ولسون هي اليوم الاسم الأشهر والأكثر إشكالية على حدّ سواء في ميادين ترجمة الكلاسيكيات تلك عموماً، ثمّ «الإلياذة» و»الأوديسة» خصوصاً، إلى اللغة الإنكليزية. ولعلّ التفصيل الأول في ذيوع صيتها بدأ من كونها أوّل امرأة تتصدى لترجمة عملَي هوميروس، الخالدين الراسخين عميقاً في لوائح القراءة الكونية المستدامة، إذا جاز القول هكذا؛ ليس لأنها أسبغت مسحة أنثوية، أو حتى نسوية، على حروب الآلهة والرجال فقط، بل كذلك لأنها تقصدت نقل نبض الشارع اليومي الحديث إلى لغة ملحمية حاشدة البلاغة وثقيلة التعبير، نخبوية وجوباً واستطراداً.
ولم يكن ينقص شهرة ولسون سوى أن يقرر كريستوفر نولان اختيار ترجمتها هي، من دون عشرات غيرها بدأت منذ مطالع القرن السابع عشر مع نسخة الشاعر والمسرحي الإنكليزي جورج شابمان، في شريطه الأحدث «الأوديسة»؛ فنالت المترجمة حظها من شهرة الفيلم والسجال العالمي حوله، وزاد الطين بلّة (من دون أيّ معنى للتبخيس في استخدام هذا المصطلح الفصيح هنا) أنّ المترجمة نشرت مقالاً مثيراً حمّال أّوْجُه شتى وتأويلات فضفاضة، انتقدت فيه على نحو لاذع خيارات نولان في اقتباس العمل الفريد، وإساءة/ رداءة قراءة شاعر كلاسيكي كبير مثل هوميروس. نقاط اعتراضها تركزت على هشاشة الرسائل الأخلاقية، بصدد عنف الحروب أساساً؛ وإضعاف الشخصيات النسائية في الملحمة، وبنيلوبي خاصة؛ وتفضيل المؤثرات البصرية على فنون السرد الأعمق، فاعتبرت أن بعض المشاهد كان أقرب إلى الألعاب النارية؛ وإغفال الحيثيات الفعلية، والواقعية، لظواهر العبودية والاستعباد؛ وسوى ذلك.
ولم تكد هذه الضجة تخفت كثيراً، أو حتى قليلاً فقط، حتى طلعت ولسون على العالم، من موقع شهرتها المتزايدة المضطردة الإشكالية في آن معاً، بإعلان يقول إنها تنوي إعادة ترجمة «الأوديسة»، أي النسخة ذاتها المسجّلة باسمها والمستأثرة لتوّها بانتشار كوني واسع، قبل فيلم نولان ولكن بعده وبسببه بأضعاف مضاعفة من معدلات التوزيع والمبيعات في واقع الأمر. بعض أسبابها المعلنة لا يبدو مقنعاً بما يكفي (كالزعم بأنها تريد مراجعة استخدامات مفردة «عبد» مثلاً، وكأنها في الترجمة الأولى لم تدرك مزالقها)؛ أو استكشاف سُبُل جديدة للتشكيلات الإيقاعية، شعراً ونثراً، في الإنكليزية؛ وبعضها مشروع تماماً، ويمكن تبريره (أنّ «الأوديسة» نصّ غني غير عادي، يحتمل أكثر من تبحّر واستكشاف)؛ فضلاً بالطبع، عن نظرية خاصة بها، لا تنزّه فعل الترجمة عن مستويات مختلفة في الخيانة، على أساس من التعبير الإيطالي الشهير الذي يعتبر المترجمين خَوَنة بالضرورة.
وأمّا مناسبة العودة إلى ولسون في هذا العمود، فإنها صدور كتابها الجديد الذي يحمل عنوان «عبور البحر الداكن كالنبيذ: رحلات عبر أدب قديم»، ويستمدّ مجاز العنونة من تكرار هوميروس صورة البحر بوصفه أشبه بنبيذ كثيف داكن، سواء في «الإلياذة» أم في «الأوديسة»؛ فضلاً، بالطبع، عن شيوع التشبيه ذاته في أعمال أدبية عديدة تحاكي الكلاسيكيات، ولا تُستثنى منهل رواية جيمس جويس «عوليس»، 1922. وكان سليمان البستاني، مترجم «الإلياذة» سنة 1904، قد استقرّ على «البحر الخضمّ» تارة، أو «البحر المتلاطم القاتم» تارة أخرى؛ وأما دريني خشبة فقد شاء اختيار «البحر المظلم» أو «المياه القاتمة». من جانبها، لا تكترث ولسون بتوفير أيّ سبب لتفضيلها هذا المجاز، إذ يلوح أنه أقرب إلى تحصيل حاصل بالنظر إلى موضوعات كتاب يمخر عباب الكلاسيكيات، ويناقش العديد من مصاعب/ لذائذ ترجمتها.
كيف يمكن تخيّل أولئك القدماء، سواء في غرابتهم أو في كونهم مألوفين على نحو غريب؟ وهل كانت مهمة كهذه مستحيلة، على مدى أزمنة طويلة؟ كيف يمكن لنا أن نقرأ كلماتهم الباقية، الناجية، من دون أن نُسقط حزمة من الأفكار الزائفة على تلك النصوص، مثل وجوب تنقيحها، أو قسر نموذج منطقي يعزز الوضوح؟ بل كيف يمكن لنا أن نبصرهم كمخلوقات، لكائنات بشرية كانت ذات يوم حيّة؟ كلّ هذه الأسئلة، وسواها كثير، تطرحه ولسون في كتابها الجديد هذا؛ غير عابئة بما يحمل السؤال، كما الإجابة، من صلات ملموسة بفعل الترجمة ذاته في نهاية المطاف. أو أن تكون الترجمة، في قراءة أخرى للمقاربة إياها، أقرب إلى المبحث في سوسويولوجيا الكلاسيكي، وليس بمحاسن أو مصاعب نقله إلى لغة أخرى.
هذه فضيلة يُلذّ لها، كما كان جدّنا الجرجاني سيقول، خاصة إذا استعرض القارئ فصول كتاب ولسون الـ 14، عدا المقدمة المستفيضة؛ فتوقف عند طرائف مثل انشطارات اللسان، ورحم روما الذي استوعب الثقافة الإغريقية، ومشكلات الكلام ساعة ولادة الخطابة في الديمقراطية العتيقة، ومفاتن هيلين لجهة التشهير اللفظي والجنسي، وحروب الموسيقى، وتأثيرات تفلسف الرواقيين؛ فكيف أيضاً بعقد المقارنات بين مسرح أرستوفانيس الكوميدي الساخر، وأشهر برامج الـ «توك شو» الأمريكية المعاصرة…
ولا عجب، استطراداً، أن تسير خلاصة هوميروس، حسب ولسون، هكذا: في اندماج اللغتَين القديمة والحديثة، تذكّرنا الآداب بأننا عبر الكلمات نُستذكَر ونُفهم، بعد زمن طويل يعقب نصوصنا وترحالاتنا وميتاتنا!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *