بغداد ـ «القدس العربي»: بينما يواصل المسؤولون في العراق التحقيق في حادثة استهداف خط الأنابيب في السعودية، انطلاقاً من الأراضي العراقية، وتحديداً من أطراف محافظة ميسان الجنوبية، المحاذية لإيران، بعد العثور على 15 منصّة لإطلاق «المسيّرات» في المنطقة، وافق رئيس الوزراء العراقي، القائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، على طلب إيران الاشتراك في التحقيقات الجارية بشأن الحادثة، فيما جدد تأكيده برفض تحوّل العراق إلى ساحة لصراعات الآخرين.
وكانت السعودية قد أعلنت، الجمعة، تعرض خط أنابيب «شرق ـ غرب» في منطقتي الرياض والمدينة المنورة لهجمات بطائرات مسيّرة قالت إنها قادمة من العراق، ما أسفر عن إصابات بشرية وأضرار مادية.
وقالت الرياض إنها قررت، بناءً على طلب رئيس الوزراء العراقي، عدم الرد «في هذه المرحلة» لإتاحة الفرصة أمام بغداد لاتخاذ إجراءات تمنع انطلاق اعتداءات من أراضيها في اتجاه المملكة ودول الجوار، مع تأكيد احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها وسيادتها.
وسبق أن شهد يوليو/ تموز الماضي اتهامات سعودية بانطلاق طائرات مسيّرة من الأراضي العراقية في محاولة لاستهداف منشآت نفطية بالمملكة، فيما أعلنت بغداد آنذاك فتح تحقيق، مؤكدة رفضها استخدام أراضيها منطلقًا لأي اعتداء على دول الجوار.
وفي تصريحات صحافية، لصباح النعمان، المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، ذكر أن «الأجهزة الأمنية تمكنت من ضبط 15 منصة لإطلاق المسيّرات في منطقة الطيب في محافظة ميسان، فيما تتواصل التحقيقات للكشف عن الجهات المسؤولة عن الاعتداءات الأخيرة».
وأشار إلى «وجود لجان عليا في محافظة ميسان للتحقيق في الاعتداءات، بالتزامن مع تنفيذ سلسلة إجراءات أمنية وتعزيز الانتشار الأمني في المحافظة».
ووفق ما أدلى به النعمان لوسائل إعلام حكومية، فقد جرى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة لملاحقة المتورطين بالخروقات الأمنية الأخيرة والتأكيد على منع استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار.
وأضاف أن «القائد العام للقوات المسلحة أصدر عدداً من التوجيهات الحازمة على خلفية الأحداث الأخيرة، من بينها تشكيل لجنة تحقيقية عليا، وإعفاء قائد شرطة محافظة ميسان ومديري الأجهزة الأمنية في المحافظة وإحالتهم إلى التحقيق مع نقلهم للإمرة».
وأوضح أن «التوجيهات تضمنت أيضاً التشديد الميداني في ضبط الحدود والمنافذ الحدودية، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لمنع أي نشاط ينطلق من داخل العراق يهدد أمن المحافظات أو دول الجوار» لافتاً إلى أن «الحكومة العراقية لن تسمح إطلاقاً باستخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على أي من دول الجوار أو الإضرار بالأمن الإقليمي».
وأكد أن «الأجهزة الأمنية والاستخبارية مستمرة في تنفيذ عمليات الملاحقة للقبض على جميع المتورطين وإحالتهم إلى القضاء لنيل جزائهم العادل».
في السياق أيضاً، أكد رئيس خلية الإعلام الأمني الاتحادية، الفريق سعد معن، ضبط منصة لإطلاق الصواريخ داخل الأراضي العراقية استُخدمت في حادث استهدف خط الأنابيب في السعودية، وفيما أشار إلى موافقة العراق على إشراك الإيرانيين في التحقيقات بالحادث، شدد على أن تغيير بعض القادة الأمنيين رسالة بأن العراق لن يتهاون أو يسمح بأي عملية اعتداء.
معن ذكر للمحطة الحكومية أن «القائد العام للقوات المسلحة وافق على طلب من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليكون هنالك مشاركة في التحقيق والاطلاع على النتائج عن كثب بشأن تداعيات حادث استهداف المملكة العربية السعودية».
ضبط 15 منصّة لإطلاق المسيرات… وخطّة أمنية جديدة في ميسان
وأضاف أن «فريق عمل استخبارياّ وأمنياً بذل جهوداً كبيرة وتمكن من الوصول إلى مكان المنصة وضبطها داخل الأراضي العراقية» مشيراً إلى أن «الإجراءات التحقيقية مستمرة من قِبل خبراء الأدلة الجنائية والتوثيق الفني والفحص والتحليل ليس فقط لضبط المنصة، بل كذلك بالعمل المستمر الجاد الميداني والاستخباري للوصول إليهم».
وحسب معن، فإن «هناك تواصلاً مستمراً مع المملكة العربية السعودية على مختلف الأصعدة، بما فيها هذا الحادث، لتبادل المعلومات الاستخبارية والأمنية وإطلاعهم على نتائج التحقيق» مشدداً على أن «العراق ينتهج مبدأ السيادة الوقائية التي لا تعني فقط منع استهداف أراضينا، بل أيضاً عدم السماح بأن تكون أراضينا منطلقاً لاستهداف أي بلد آخر، أو أن يكون العراق جزءاً من عملية تصفية أو حرب بالإنابة».
في الطرف المقابل، نفت الفصائل المسلحة المنضوية في ائتلاف «المقاومة الإسلامية في العراق» ضلوعها في استهداف منشآت الطاقة السعودية، معتبرة، في بيان صحافي، أن الاتهامات الموجهة إليها تستند إلى مزاعم لم تدعمها أدلة موثوقة أو تحقيقات ملموسة.
كما أعلنت استعدادها «للمشاركة في أي لجنة تحقيق حكومية للوصول إلى الحقيقة» محذّرة في الوقت نفسه مما وصفته بـ«المخططات التي تهدف إلى جر العراق إلى صراعات إقليمية».
دبلوماسياً، بحث وزير الخارجية، فؤاد حسين، مع نظيره الإيراني، عباس عراقجي، الهجوم الذي استهدف السعودية، والإجراءات المتخذة بهذا الشأن.
وذكر المكتب الإعلامي لوزارة الخارجية بأن حسين «تلقى اتصالاً هاتفياً من عراقجي، وجرى خلال الاتصال بحث العلاقات الثنائية بين البلدين، فضلاً عن مناقشة الإجراءات المتعلقة بإغلاق عدد من المنافذ الحدودية، وأسباب اتخاذها، وسبل معالجتها».
وأضاف: «كما بحث الجانبان الهجوم الذي استهدف المملكة العربية السعودية، والإجراءات المتخذة بهذا الشأن، فضلاً عن اللجنة المشتركة المشكلة للتحقيق في ملابسات الهجوم».
وأشار إلى أن «الاتصال تناول كذلك الاجتماع المقرر عقده في سلطنة عُمان بمشاركة دول الجوار الثماني، وهي دول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران، لمناقشة القضايا المتعلقة بمضيق هرمز، حيث أكد فؤاد حسين تأييد العراق لهذا الاجتماع، مشيراً إلى مشاركة وفد عراقي في أعماله».
كما بحث الجانبان، حسب البيان، «مستجدات الوضع في اليمن، وأكدا أهمية معالجة جميع القضايا والمسائل العالقة عبر الحوار والمفاوضات، بما يسهم في خفض التوتر وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة».
في الموازاة، أكد رئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، أن العراق لن يكون ساحة لصراعات الآخرين أو منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، مشدداً على تعزيز سلطة الدولة واستقلال قرارها ودعم المؤسسات الأمنية.
جاء ذلك في كلمة ألقاها، خلال رعايته حفل تخرج طلبة كلية الشرطة، دورة الضباط العالية السادسة والخمسين (دورة أسود الرافدين) والدورة الـ31 لطلبة المعهد العالي للتطوير الأمني والإداري.
وأضاف أن «محاولات العبث بأمننا ستنكسر أمام وحدة شعبنا ووقوفه مع حكومته وقواته المسلحة» مؤكداً أن قوة الأجهزة الأمنية تشكل رادعاً لمحاولات النيل من أمن العراق».
وبين أن دورة «أسود الرافدين ستلتحق بالخدمة في ظرف دقيق وحساس» مشيراً إلى أن «العراق يقف عند بوابة مهمة يحتاج فيها إلى دور الخريجين لاستكمال أركان السيادة، ومحاربة الفساد، واستعادة قوة وجوده التاريخي، وترسيخ السلم الأهلي والمجتمعي».
وأكد الزيدي أن «التسلح بالوعي والمعرفة والتكنولوجيا المتطورة يعزز مواجهة التهديدات ومحاولات العبث بأمن الوطن، فيما جدد التعهد بالعمل على استقلال قرار العراق، وتعزيز سلطة الدولة، وإصلاح الاقتصاد ومكافحة الفساد».
وأشار إلى أن «حماية حقوق المواطن وتوفير الضمانات التي أقرها الدستور تمثل ساحة لتحقيق هذه الغاية» مؤكداً «الالتزام بدعم المؤسسات الأمنية وتطويرها، والاستناد إلى مهنيتها في بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة».