متابعة/المدى
وضعت صحيفة «الغارديان» البريطانية حملة الاعتقالات الأخيرة في العراق أمام سؤال يتكرر منذ عام 2003: هل تمثل الإجراءات بداية فعلية لتفكيك منظومة الفساد والمحسوبية، أم أنها جولة جديدة من الوعود التي تبدأ بقوة قبل أن تتراجع تحت ضغط الأحزاب وشبكات النفوذ؟
وقال تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» إن العراقيين استقبلوا بشماتة واسعة اعتقال 50 شخصاً، بينهم 12 نائباً ومسؤولاً بارزاً، خلال حملة نُفذت في 28 حزيران، وترافقت مع الإعلان عن مصادرة مبالغ مالية وذهب وعقارات.
ويرى التقرير أن رفض فساد الطبقة السياسية بات من القضايا القليلة التي تجمع العراقيين على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم وبيئاتهم الاجتماعية، بعد أكثر من عقدين من هيمنة الأحزاب ورجال الأعمال وقادة جماعات مسلحة على أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة واقتصادها.
وعود جديدة وأسئلة قديمة
ربطت «الغارديان» الحملة برئيس الوزراء علي الزيدي، الذي وضع مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة في مقدمة أولويات حكومته، إلى جانب وعود بدعم الصناعة والزراعة والشباب، وإصلاح الكهرباء ومعالجة أزمة السكن.
لكن التقرير تساءل عما إذا كان الزيدي قادراً على تجنب مصير الحكومات السابقة، التي بدأت ولاياتها بالإعلان عن ملفات فساد كبيرة، قبل أن تنتهي من دون إحداث تغيير جوهري في الخدمات أو بنية النظام السياسي.
وتزداد أهمية هذا السؤال، بحسب الصحيفة، مع تراجع الموارد المالية العراقية نتيجة الانخفاض الحاد في صادرات النفط منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ما جعل الفساد والسلاح خارج الدولة ملفين مترابطين يهددان قدرة الحكومة على الصمود.
وقال مصدر حكومي، في حديث أوردته الصحيفة وتابعته (المدى)، إن الاعتقالات ليست إجراءً تقليدياً يتكرر مع وصول كل رئيس وزراء، واصفاً ما حدث بأنه «زلزال حقيقي» داخل الأوساط السياسية ورسالة إلى جميع الأطراف بأنها ليست بعيدة عن المحاسبة.
وبحسب المصدر، تحاول الحكومة تفكيك الإمبراطوريات المالية التي بنتها الأحزاب عبر العقود والمشاريع والعمولات، في خطوة يرى أنها تستهدف الضغط على منظومة النفوذ بأكملها، حتى إذا بدأت بعدد محدود من الشخصيات.
المحاصصة ودول داخل الدولة
استعرض التقرير طبيعة النظام السياسي القائم على «المحاصصة»، الذي ظهر في أوساط المعارضة العراقية خلال التسعينيات باعتباره صيغة لتوزيع السلطة ومنع عودة الحكم الفردي، قبل أن يُطبق بصورة واسعة بعد عام 2003.
وبموجب هذه الصيغة، تتوزع الرئاسات والمناصب الحكومية بين القوى الشيعية والسنية والكردية، إلا أن النظام توسع لاحقاً ليشمل تقاسم الوزارات والمؤسسات والدرجات الخاصة، وتحويل بعضها، وفق التقرير، إلى مناطق نفوذ حزبية.
ونقلت الصحيفة عن مصرفي دولي استعانت به حكومة عراقية سابقة قوله إن الأحزاب أنشأت ما يشبه «دولاً داخل الدولة»، تُستقطع لمصلحتها نسب تتراوح بين 5 و10% من قيمة بعض العقود الحكومية.
ويتداخل النفوذ الحزبي مع جهاز بيروقراطي معقد ورث أنظمة متراكمة منذ العهد العثماني والانتداب البريطاني والأنظمة العسكرية، وصولاً إلى الإجراءات التي تبنتها سلطة الاحتلال الأميركي بعد عام 2003.
وبحسب التقرير، أسهم هذا التعقيد في خلق بيئة تسمح بتعطيل المعاملات والعقود، من إصدار الوثائق الشخصية إلى إبرام المشاريع الكبرى، بما يفتح المجال أمام الرشوة والوساطات.
قضية الجميلي في الواجهة
توقفت «الغارديان» عند قضية عدنان الجميلي، الذي وصفته بأنه مهندس شاب صعد سريعاً في قطاع المصافي حتى شغل منصباً متقدماً في وزارة النفط، بعدما قدمته جهات إعلامية بوصفه نموذجاً للكفاءة والنزاهة.
وأشارت إلى ظهوره في مناسبات رسمية إلى جانب رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وحصوله على تكريم بصفة «الموظف المتميز»، قبل أن يصبح لاحقاً في قلب واحدة من أكبر قضايا الفساد المعلنة.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن المحققين، عُثر في منزل الجميلي على أسلحة وأموال نقدية بالعملتين الأميركية والعراقية وذهب وعقارات. وأورد التقرير أن قيمة المضبوطات المرتبطة بالقضية بلغت، بحلول منتصف تموز، نحو 127 مليار دينار، إلى جانب عقارات وسيارات وكميات من الذهب.
كما تحدث التقرير عن العثور على أموال مخبأة في أماكن متعددة، من بينها عبوات بلاستيكية وجدران ومجاري لتصريف المياه، فيما وردت مزاعم عن محاولة إحراق مبالغ مالية. وتبقى هذه التفاصيل منسوبة إلى التحقيقات والروايات التي أوردتها الصحيفة، بانتظار ما يثبته القضاء بصورة نهائية.
عرض بمئات الملايين
نقلت «الغارديان» عن رئيس الوزراء قوله، خلال لقاء مع صحفيين عراقيين، إن الجميلي حاول تقديم رشوة مقدارها 200 مليون دولار مقابل الاحتفاظ بمنصبه، بينما أشارت تقارير أخرى إلى رقم أعلى بلغ 600 مليون دولار.
ولم يحسم التقرير ما إذا كان الجميلي العقل المدبر للشبكة المزعومة أم جزءاً من منظومة أوسع، لكنه نقل عن مصدر حكومي مطلع قوله إن بعض المناصب تُستخدم لتوليد إيرادات غير مشروعة لصالح حزب واحد أو مجموعة أحزاب، عبر العمولات والعقود وشحنات الوقود.
وبحسب التحقيق القضائي الذي استند إليه التقرير، تتعلق القضية بمخطط واسع لجمع الأموال من عقود ممنوحة إلى شركات ومقاولين، فضلاً عن وقود قيل إنه حُوّل عن وجهته. ولم يصدر حكم قضائي نهائي بشأن جميع الوقائع والأطراف الواردة في التقرير.
واشنطن والقضاء العراقي
ربطت الصحيفة توقيت الحملة بتصاعد الضغط على المالية العامة العراقية، بالتزامن مع تنامي الدور الأميركي في تشكيل المشهد السياسي والأمني.
وبحسب مصادر حكومية وبرلمانية وأخرى مقربة من القضاء تحدثت عنها «الغارديان»، بنت واشنطن علاقة متزايدة مع القضاء العراقي، في ظل مطالبة أميركية بإجراء إصلاحات ومواقف قضائية أكثر صرامة بشأن حصر السلاح بيد الدولة.
وذكر التقرير أن المبعوث الأميركي توم براك أدى دوراً فاعلاً في هذا المسار، وأن المحققين بحثوا خلال أشهر عن قضية فساد كبيرة يمكن كشفها علناً، على أن تكون قادرة على إحداث صدمة سياسية وإعلامية من دون دفع النظام السياسي كله نحو الانهيار.
ورأت المصادر أن قضية الجميلي حققت هذه المعادلة، كونها امتدت إلى سياسيين بارزين، لكنها لم تصل، وفق ما أُعلن، إلى كبار قادة الأحزاب.
وحذر مسؤول تحدث في التقرير من صعوبة التنبؤ برد فعل الجماعات المسلحة أو إيران إذا اتسعت دائرة الضغط، ولا سيما أن القضية تتصل بملف تهريب النفط العراقي، الذي يحظى بحساسية خاصة لدى الولايات المتحدة.
إصلاح أم عملية تجميل؟
خلص التقرير إلى أن دعم واشنطن والقضاء للزيدي قد يمنحه فرصة لمواجهة شبكات الفساد، ولا سيما أنه يمتلك، بحسب مسؤولين، معرفة بطرق تهريب الأموال والاستفادة من العقود والمشاريع والعمولات.
لكن هذه الفرصة تظل محاطة بأسئلة بشأن مدى استعداد الحكومة للوصول إلى كبار قادة الأحزاب، وقدرتها على تفكيك الدوائر الاقتصادية والسياسية التي بنتها القوى النافذة داخل مؤسسات الدولة.
وبين وصف حكومي للحملة بأنها «زلزال» ومخاوف من تحولها إلى عملية تجميلية أو تصفية حسابات، يبقى اختبارها الحقيقي مرتبطاً بمسار القضاء، واستعادة الأموال، وإعلان الأدلة، وتوسيع المحاسبة بعيداً عن الانتقائية.
أما السؤال الأكبر الذي طرحته «الغارديان»، فيتعلق بإمكان إصلاح دولة تقع على خط مواجهة إقليمية، وتعيش حرباً متعددة الجبهات في محيطها وأجوائها، من دون الاقتراب من البنية السياسية التي وفرت الحماية لشبكات الفساد طوال العقدين الماضيين.