تراث فاتن حمامة الفني يفقد قيمته التاريخية في صفقة تجارية


قبل نحو 5 سنوات تقريباً، كان الحديث الدائر في الوسط الفني مُنصباً حول صفقة البيع التي حولت سينما فاتن حمامة الكائنة بحي منيل الروضة بالقاهرة إلى صفقة تجارية أنهت رحلة إبداع طويلة، لواحدة من أبرز نجوم السينما المصرية والعربية.
لم تكن سينما فاتن حمامة مجرد بناية فخمة وضخمة لدار عرض الأفلام، وإنما كانت جزءا من سيرة ذاتية لنجمة شكلت وجدان الملايين من المُعجبين والمُتذوقين للفن السينمائي الرفيع الذي ناقش على مدار نصف قرن ويزيد هموم المصريين وقضاياهم الاجتماعية والسياسية والعاطفية ورسخ مفهوماً عاماً للقيم والثوابت بدون خُطب ودعاوى إصلاحية مباشرة.
لقد جسدت فاتن حمامة مئات الأنماط الإنسانية على الشاشتين، الكبيرة والصغيرة وتفوقت أيما تفوق في جعل الفن إبداعاً راقياً يُعتد به كوسيلة وأداة مهمة لديها القُدرة على إحداث تغييرات جذرية عميقة على مستوى الأفكار والمُمارسات، فاستحقت الفنانة النموذج الذي بدأت به مشوارها الإبداعي وهي لا تزال في عُمر الزهور لقب الطفلة المُعجزة، إذ شاركت الموسيقار محمد عبد الوهاب المُتربع آنذاك على عرش الأغنية والسينما وله ملايين المُعجبين والمُعجبات بطولة فيلم «يوم سعيد»، وقفت أمامه الطفلة الموهوبة ذات الثمانية ربيعاً تؤدي أداءً تمثيلياً رائعاً ومُدهشاً فخطت لنفسها طريقاً واضحاً وفريداً منذ الصغر، خطته بنفسها وموهبتها بغير وساطة أو محسوبية فصارت في غضون سنوات فاتن حمامة سيدة الشاشة العربية، وهو اللقب الذي منحه إياها عميد الأدب العربي طه حُسين عقب انتهاء العرض الأول لفيلم «دعاء الكروان» ونجاحه بشكل لافت.
في سينما فاتن حمامة التي هُدمت وأقيم مكانها صرح تجاري هائل عُرضت مئات الحكايات والصور المُأخوذة عن قصص أدبية وإبداعات فنية تُرجمت لتكون فصولاً من سير المصريين وتاريخهم العريق في الكفاح والاستقلال والحرية والنهضة والبناء والتعمير، لقد عرضت سينما فاتن حمامة فيلم «لا وقت للحُب» وفيلم «الحرام» وفيلم «الباب المفتوح»، و«أفواه وأرانب» و«الخيط الرفيع» وعشرات الأفلام الأخرى المتميزة والدالة على موهبة النجمة الراحلة الكبيرة، وفي نهاية المطاف هُدمت دار العرض وبقي اسم صاحبتها بذات البريق واللمعان، ولم يجن الهدامون والسماسرة سوى بضعة ملايين أنفقت بمرور الأيام وضاع أثرها.

تفضيل معيب للمال على القيمة التراثية

الآن وبعد انقضاء مدة طويلة على محاولة اغتيال تاريخ فاتن حمامة وإبداعها الفني عن طريق بيع دار العرض المذكورة وهدمها، جاء الدور على شقتها الكائنة بعمارة ليبون التاريخية العريقة بحي الزمالك لتكون هي المرحلة الثانية من مراحل الاغتيال والبيع والتبديد، في تفضيل معيب للمال على القيمة التراثية.
فالشقة التي شهدت أيام وليالي المجد والنجاح والشهرة للفنانة الكبيرة والنجمة العربية الاستثنائية، نجح السماسرة في إتمام صفقة بيعها لتجار العقارات بمبلغ 75 مليون جنية مصري، وهو ثمن بخس إذا ما قورن بقيمتها التاريخية والتراثية وموقعها الاستراتيجي على نيل القاهرة الساحر البديع.
وأياً كان الثمن والحق في إتمام صفقة البيع والشراء، سواء لصالح المالك الأصلي وهو بحسب علمنا شركة التأمين المصرية، فإن ما حدث يعد بمقاييس القيمة الإبداعية والتاريخ تفريطاً في كنز ثمين لا يُمكن تعويضه بالأموال مهما قلت أو كثرت.
فالمكاسب المادية لا يُمكن أن تُعوض ولو جزء بسيط من محتويات الشقة وذكرياتها، فكل ركن من أركانها يحوي أسراراً وقصصاً وتفاصيل عن حياة فاتن حمامة الشخصية والعامة، والرموز التي دخلت المكان وترددت علية من كبار المُنتجين والمُخرجين والصحافيين والإعلاميين والإذاعيين، وزملاء المهنة من الفنانين والفنانات والأصدقاء والصديقات من مصر والدول الشقيقة وغير الشقيقة، إنها رحلة الأيام والسنين ورائحة المكان والزمان، من الصعب أن تحل محلها أشياء أخرى!
الشقة في حد ذاتها، ألبوم صور يُسجل اللحظات بحلوها ومرها، بانتصاراتها وانكساراتها بأمجادها وإخفاقاتها، فلا يُمكن التعامل معها باعتبارها وحدة سكنية عادية كانت في يوم من الأيام عامرة بسكانها ثم باتت خالية، هذا المنطق يصلح للشقق المفروشة التي تُمثل مصدر دخل لأصحابها المُستثمرين في الأماكن السياحية والساحلية.
لكن شقة فاتن حمامة ليست كذلك، وما كان ينبغي أن يسري عليها قانون العقارات والاستثمارات كما جرى فسلب منها قيمتها الأصلية وبدد كل ثرواتها من تُحف وأنتيكات ولوحات فنية وأثاث نادر وفاخر بكل تأكيد.
لقد تم الاعتداء بصفقة البيع على الحق الأدبي لسيدة الشاشة العربية وأجهضت فرصة الوحدة السكنية الاستثنائية  نفسها في أن تتحول إلى متحف كمتحف أم كلثوم ومتحف أحمد شوقي وغيرهما من العظماء الذين صنعوا أمجادهم بعطائهم الفني على مدى سنوات في رحلة شقاء وبناء بالقطع لم تكن سهلة ولا يسيرة.
في الدول المُتقدمة تُقدر الأشياء الثمينة وتُعظم إبداعات النجوم ومُقتنياتهم الخاصة من متاع وأثاث وبيوت ومتعلقات شخصية، باعتبارها أيقونات غير قابلة للبيع لأنها ملك للإنسانية ومن ثم يتم حفظها في متاحف تحمل أسمائهم وسيرهم لتبقى نماذج باقية تشهد لهم بالنبوغ والتفرد، فهناك متحف لبيكاسو ومتحف لشارل شابلن ومتحف فان جوخ ومتحف سلفادور دالي ومتحف النحات الفرنسي الشهير أوجست رودان ومتحف الفنان التشكيلي الإيطالي جورج موراندي.
كل هؤلاء من الفنانين العالميين خُصصت لهم متاحف ضمت أعمالهم ومُقتنياتهم ولم يقم أحد ببيع بيوتهم أو هدمها وهذا هو الفارق الشاسع بين ثقافتين، ثقافة تحترم المُنتج الإبداعي وتصونه، وأخرى تهدم وتُبدد وتسفه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *