«حنظلة» في بيروت محملاً بتداعيات الانهيار المالي وتفجير المرفأ والأفق المقفل
بيروت ـ «القدس العربي»: تبني مسرحية «رحلة حنظلة» تراكما تصاعدياً من الظلم والقمع ومحاولات سلب الإنسانية من الإنسان. سلطة متجذرة وبارعة في مهامها، وسريعاً تجعل من فريستها عارية تماماً من كل ما يسندها بكرامتها وحقها بالحياة.
المخرج الشاب جو رميا وجد في نص المسرحي الكبير الراحل سعدالله ونوس «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» مساحة رحبة تتيح له تحميلها ما يشغله من اسقاطات من واقعنا اللبناني. وهكذا حمّل نصه المستوحى من مسرحية ونوس كلّ ما أثقل كاهله من واقعنا اللبناني الذي يغلي كالمرجل، ويعود ليهدأ وكأنه استساغ الترويض.
في «رحلة حنظلة» مسرح تكرج فيه الأمثال الشعبية من هذا وذاك، وبخاصة من شخصية «حرفوش» الذي يمثل الراوي والمهرج معاً. أمثال ليس فيها ما يجبر الخاطر. جميعها لها وظيفة تكسير الأجنحة، وجعل الفرد عجينة طيعة بيد السلطة.
يتميز النص الذي كتبه جو رميا رغم كونه لا يتجاوز الساعة من الزمن، باتساعه لإسقاطات كثيرة وغير مباشرة من الماضي القريب الذي اصطُلِح على تسميته الثورة. أوجد لرموزها أمكنة وأسماء. في هذه المساحة ترك المخرج لذاته ان تُعبّر نظراً لتأثره بتلك المرحلة ومشاركته الحماسية فيها.
يهوى جو رميا المسرح الذي يحكي حياة الإنسان في السياسة والاقتصاد. لهذا راح إلى سعدالله ونوس و«رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» والتي كُتبت سنة 1978، وعُرضت على أكثر من مسرح عربي. ترك جو رميا بطل عرضه يراكم الأسى والظلم والتهميش، لكنه في الختام سجّل موقفاً وفعلاً حاداً.
في إطار كوميدي أسود عالج رميا النقاط المفصلية التي تكونت منها المسرحية سواء البدء من السجن، وصولاً للعائلة، وترك «حنظلة» على سجيته بسيطاً ينشد السترة، إلى أن كان مشهد الختام. فعل أسعد جمهور المتفرجين وأطلق تصفيقهم في مسرح دوّار الشمس، حيث تستمر العروض للأسبوع المقبل.
مع المخرج جو رميا هذا الحوار:
○ في زمن مسرحي مختلف وزمن سياسي لم يستقر الخبراء على توصيفه بعد لماذا فتحت مسرحيات سعد الله ونوس وتحديداً حنظلة؟
• «رحلة حنظلة» هو مشروع التخرّج الذي أعددته في الجامعة اللبنانية. قرأت العديد من النصوص قبل اختياره، بوصولي إلى نص «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» لسعدالله ونوس، عادت إلى ذاكرتي ثورة 17 تشرين الأول 2019 في لبنان. فتلك الثورة شكلت بالنسبة لي الحدث السياسي الأول الذي عايشته وشاركت فيه بحيوية وفعالية. ولدت سنة 1992 وكان السلم الأهلي الكاذب قد تحقق، وخلاله مُنعنا من الحديث بالسياسة حتى في منازلنا ومع عائلاتنا. لذلك وجدت في الثورة باباً مشرعاً لنا للتعبير كجيل جديد. بقراءتي لمسرحية «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» شعرت بأنها ستمنح مساحة تعبير لي ولفريق الممثلين حول ما عشناه وما نزال نعيشه. ووجدتها مادة مناسبة أتاحت لي كافة الإسقاطات التي ألمت بحياتنا منذ ما قبل 2019 وما تبعها من انهيار مالي، وتفجير المرفأ، والأثر الذي تركه كل ذلك على جيل الشباب، كإنعدام فرص العمل والمستقبل المبهم. شعرت بأن هذه المسرحية تشكّل الإطار المفيد والمناسب الذي يتسع لكل مصائبنا.
○ فعلياً هل عشتم مشاعر الحرية ضمن المساحة الزمنية التي اشتغلتم فيها على العرض المسرحي؟
• شكلت بالنسبة لنا مساحة لطرح المشكلات التي نعيشها أمام الجمهور. قد تكون ثورة 2019 أنجزت تغييراً ولو صغيراً نفتخر به، لكننا بحاجة لثورات متكررة كي تساهم بتحقيق ما نحتاجه من تغير. ولهذا انتهى العرض بالشكل الذي شاهدتموه. وليس لنا سوى القول «ع قبالـ« ثورة مقبلة.
○ ما هو التغيير الصغير الذي حققته الثورة بالنسبة لك؟
• وصول الصوت أولاً. وحتى إن لم تحقق الثورة أياً من المطالب أقله أقلقت المسؤولين. من منظوري كشاب أعادت لنا الثورة المساحات العامة. في سنة 2019 كنت في عمر الـ27 والذي تخلله فقط بحدود ثلاث زيارات لوسط البلد. خلال الثورة عشت في البلد ليل نهار لأسابيع. شكّل وسط البلد بالنسبة لي مساحة عامة جمعتني بآخرين، وهذا ما نفتقده كثيراً كشباب لبنانيين. إذ من الواضح أن وسط البلد بات مخصصاً لفئة معينة من الناس، وللأسف ليس لنا وصول إليه.
○ عندما تبحث عن نص مسرحي كم تتأثر بما نعيشه؟
• صحيح. يجذبني في العمل المسرحي الموضوع السياسي/الإنساني. المدرسة التي أحببتها بعد اختبارها خلال الدراسة الجامعية هي البرشتية. فمن مهام العرض المسرحي أن يحرّض المشاهد، وليس فقط أن يشكل مساحة للفرجة. فربما يدفعه ذلك للتفكير بأولويات حياته والبحث عن حل. قدمت في شباط/فبراير من هذا العام عرضاً في مسرح زقاق ضمن برنامج الإرشاد المسرحي حول المخطوفين والمفقودين خلال الحرب الأهلية. لم تكن المقاربة أرقاماً وتواريخ. فجمعية الأهالي قامت وتقوم بواجبها على أكمل وجه وصوتها مرتفع على مدار الأيام. في مقاربتنا لهذا العرض شكلت وداد حلواني جزءاً من البحث، وتحدثنا معها مطولاً. في هذا العرض خلقنا شخصية ليست موجودة في الواقع إنها فتاة فقدت والدها. إختبر المشاهد معاناتها من خلال الصمت، الحركة، التسجيلات الصوتية والصورة. وقد خلقنا لهذا العرض أدوات مختلفة من فيديو وبرودجكشن.
○ هل تُدرك المدى المؤثر لشخصية حنظلة في الوجدان العربي وخاصة لدى جيل الشباب؟
• أعرف شخصية حنظلة في الرسم الكاريكاتوري منذ زمن. لكني عرفته بوعي أكبر بعد السابع من اكتوبر، ومن ثم باتت العلاقة مع هذا الكاريكاتور متميزة بالعاطفة. وفي الأبحاث التي أجريتها عرفت بأن حنظلة ليس الطفل الفلسطيني الذي أدار ظهره ويأبى إظهار وجهه إلا بعودته إلى فلسطين. علمت بأن لناجي العلي رسوماته المعبرة عن مواقفه مما كان سائداً في العالم العربي. وفي بعض رسوماته حمّل حنظلة وردة. شخصية حنظلة عربية بقدر ما هي فلسطينية.
○ هل يمكن القول إن «رحلة حنظلة» مقتبسة عن نص ونوس أم هي نص ملبنن؟
• تحديداً أقول إن «رحلة حنظلة» عرض مسرحي مستوحى من نص سعدالله ونوس. بدّلت قليلاً بتسلسل الأحداث خاصة بعد منتصف العرض، وتبدّلت مشاهد وحوارات. إنما حافظت على البنية الأساسية كوجود حنظلة/تمثيل وسام بتديني، وحرفوش/تمثيل كارلوس انطونيوس. إضافة إلى مسار رحلة حنظلة وإلى اين ستؤدي به. في نص سعدالله ونوس من يلعب دور الشرطي والطبيب والشيخ الذي يفك الكتيبة ممثلون مختلفون. وفي آخر العرض يكتشف حنظلة أن هؤلاء هم رجال الحكومة. هؤلاء جميعاً أختصرتهم بممثلين هما علي منهد وبيا خليل. إنها بعض الفروقات الضرورية للتكيف مع النص. إذاً العرض مستوحى أكثر منه محول إلى اللهجة اللبنانية. باتت المسرحية تُشبه حاضرنا وواقعنا اللبناني بعد إدخال تعديلات على بعض المشاهد، وعلى عدد الممثلين.
○ النص الذي قدمته باعتباره ملبنناً بماذا سيختلف لو افترضنا أنه سيُعرض في الشام الآن؟
• لو حصل سأغير بعض المصطلحات فقط. انما تبقى القضايا الجوهرية والخطوط الرئيسية للعرض مشتركة. كل إنسان يعيش في نظام قمعي سيكون له ما يربطه بهذه المسرحية. ففي المسرحية مصطلحات لبنانية خاصة، يمكن ان يعرفها من يتابع الوضع اللبناني. أي هي مصطلحات من حديث الشارع الذي كان متداولاً خلال الثورة. كما البنك الدولي، الأزمة، المركزي، والسكرتيرة استيفاني. على سبيل المثال المونولوغ الذي أخبرنا فيه «حرفوش» عن أهله يختلف تماماً عن ما ورد في نص ونوس. كذلك ثمة مصطلحات من الحرب الأهلية اللبنانية، ومن تفجير المرفأ. إذاً هذه المصطلحات اللبنانية تستدعي البحث من جديد إذا كان ثمة قرار بعرضها في سوريا، ليكون النص موجهاً نحو المجتمع السوري.
○ بالعودة إلى لب العرض المسرحي هل ترى أن شقاء حنظلة ناتج من الأمثال الشعبية الإستسلامية أم من أشياء أخرى؟
• حنظلة في المسرحية مختلف عن حنظلة الكاريكاتور الخاص بناجي العلي، إنما ختام المسرحية شبيه بسرديات ومضمون رسومه. في «رحلة حنظلة» يبدأ كمواطن عادي جداً كافاً شرّه عن سواه، يسير «الحيط الحيط منادياً يا رب السترة»، وكذلك «الإيد اللي ما فيك ليا بوسا وادعي عليا»، وعلى المنوال نفسه من الأمثال. كتب سعدالله ونوس نصه بعنوان «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة». وقرر «حرفوش» تقديم المساعدة لمن يرغب.
○ دمجت الشقاء بالفكاهة وهكذا وصلت الرسالة كما يجب برأيك؟
• ثمة مدارس في ايصال الرسالة للمتفرّج. بعضهم يذهب نحو الحقيقة، والبعض الآخر نحو الضحك. من يشاهد العرض لأول مرّة، ولا يعرف النهاية سيشعر بالوجع إنما «ع السكت». سيتولّد صراع في داخله وصولاً للمشهد الأخير، حيث يقول المسار الطبيعي للأمور بضرورة إتخاذ القرار. نحن كلبنانيين نتماثل مع طائر الفنيق، ولنا قوتنا غير المرئية، ونتميز بالمرونة. في عزّ الحرب وقريباً من مكان القصف كنا نتواجد ونسجّل مواقفنا على وسائل التواصل، ونحكي حكايانا عن الحرب بكافة الوسائل المتاحة، فالحياة مستمرة. على سبيل المثال كان حنظلة غاشياً بالضحك رغم كافة مشاكله.
○ هل ستجد العلاج الناجع للتهيج السياسي والقلق الوطني المستفزان بالنسبة لك؟
• لست أدري إن كان ثمة علاج لهذين المرضين. برأيي التجريب متاح، ومنها الثورة. وإن وجدت حلول أخرى لا شك سوف نختبرها. أما في ظل ما نعيشه فليس لدينا سوى الإنتفاضة على الواقع المأساوي. وليس ضرورياً أن تكون ثورة شبيهة بـ2019، فقد تكون بعيدة عن الشارع، وربما تأخذ الفن سبيلاً، أو الكتابة، والسينما بالتأكيد.
○ الآن وفي لحظتنا القاتمة كيف ترى صلة المسرح به مع العلم أن التعبير الفني عن اي حدث يستدعي الابتعاد عنه زمنياً؟
• أظنه صراع يعيشه كل فنان وفي أي نوع من الفن. الفنان حساس ويتأثر بأي اضطراب. وهو ينظر لأي اضطراب من منظار شخصي. في الحرب التي نعيشها حالياً لم أتمكن بعد من تحديد كيفية تناول الموضوع رغم تأثري الشديد. أخذنا مسافة من ثورة 2019 وبات واضحاً لنا أين نجحنا وأين فشلنا، وبات متاحاً تناولها.
○ قررت أن تكون حيال عرض كبير في زمن يسيطر فيه الاقتصاد بعدد الممثلين. ضربتها صولد؟
• أرغب بالتعاون مع فريق عمل كبير. القرار ليس سهلاً على الصعيد الإنتاجي، وقد يُدخلني بخسارة مادية. أنا سعيد بهذا العرض ويمكن للماديات أن تعوّض. المهم أني قدمت عرضاً منطلقاً من ايماني به وبما أحبه.
○ تعددت جوائز المونو لمسرحية «رحلة حنظلة» فما هي؟
• تم ترشيحنا لثماني جوائز، وفزنا بثلاث وهي أفضل إخراج. أفضل اقتباس لنص مسرحي. واكتشاف العام لبيا خليل.