ما دمتم تمنعوننا من الاقتراض… فادفعوا لشعوبنا ضرائب ثرواتها



عبد الله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»: تجد أفريقيا نفسها أمام مفارقة مالية يصعب تجاهلها: فبينما تحث مؤسسات التمويل الدولية حكوماتها على خفض العجز، وتعزيز تعبئة الموارد المحلية، وتقليص الاعتماد على الاقتراض الخارجي، تظهر دراسات حديثة أن إصلاح قواعد الضرائب الدولية يمكن أن يوفر لدول العالم مئات مليارات الدولارات الإضافية سنويا من أرباح الشركات متعددة الجنسيات، من دون رفع معدلات الضرائب.
وتطرح هذه المفارقة سؤالا جوهريا: إذا كان المطلوب من الدول الأفريقية تمويل جزء أكبر من تنميتها من مواردها الداخلية، فهل تمتلك فعلا الأدوات الضريبية الكافية لتحصيل الإيرادات من النشاط الاقتصادي الذي يجري داخل حدودها؟
وتزداد أهمية السؤال مع ارتفاع كلفة الاقتراض وتراجع المساعدات الخارجية؛ فقد قدرت دراسة مالية نشرتها منظمة الخدمات العامة الدولية وشبكة العدالة الضريبية، أن 500 مليار دولار سنويا يمكن أن تستعيدها الدول الأفريقية من أرباح الشركات متعددة الجنسيات من دون زيادة معدلات الضرائب، وذلك ببساطة عبر فرض الضريبة حيث توظف الشركات وتبيع منتجاتها وتحقق نشاطها الاقتصادي، بدلا من المكان الذي تختار فيه التصريح بأرباحها.
وبالنسبة لأفريقيا، تبدو الأرقام أكثر دلالة؛ إذ يمكن لجنوب أفريقيا، وفقا لهذه الحسابات، تحصيل 8.9 مليارات دولار إضافية سنويا، فيما يمكن لكينيا أن تحصل على نحو 1.3 مليار دولار إضافية، بما يمثل زيادة قدرها 406 في المئة في الإيرادات المتأتية من الشركات متعددة الجنسيات. أما نيجيريا، فيمكن أن تضيف نحو 2.5 مليار دولار، أي بزيادة تصل إلى 641 في المئة.
ولا يتعلق الأمر، وفقا لهذا الطرح، بزيادة في معدلات الضرائب أو فرض ضريبة جديدة، وإنما بتحصيل الضريبة القائمة أصلا في المكان الذي يحدث فيه النشاط الاقتصادي فعليا.
وهنا تبرز المفارقة بصورة أكثر حدة: فالعجز المالي الأفريقي يناهز 4.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 5.8 في المئة في الولايات المتحدة، ومع ذلك لا تبدو واشنطن مطالبة بالقدر نفسه من الضغط لتقليص عجزها.
وفي الاقتصاد العالمي، قد لا يكون الامتياز الحقيقي هو امتلاك عجز «منضبط»، وإنما امتلاك الحق في تحمل العجز، بفضل القدرة على الاقتراض بكلفة منخفضة والثقة التي تتمتع بها العملة والأسواق المالية.
وتكتسب القضية أهمية خاصة في أفريقيا، حيث تؤدي الشركات الدولية دورا رئيسيا في قطاعات التعدين والطاقة والاتصالات والخدمات والبنية التحتية. ولا تكمن المشكلة فقط في معدلات الضرائب، بل أيضا في مكان تسجيل الأرباح وكيفية احتسابها، وقدرة الدول على منع نقلها إلى ولايات قضائية منخفضة الضرائب.
وتشير «أونكتاد» إلى أن نحو 40 في المئة من أرباح الشركات متعددة الجنسيات جرى تحويلها إلى ملاذات ضريبية بين 2015 و2019، ما خفض الإيرادات الضريبية العالمية على الشركات بنحو 10 في المئة، في وقت تمثل فيه التدفقات المالية غير المشروعة استنزافا إضافيا لموارد الدول النامية.
وتتزامن هذه الخسائر مع ضغوط متزايدة على الموازنات. وفي ورقة مشتركة نشرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في نيسان/ابريل 2026، أشارا إلى أن عددا كبيرا من الدول منخفضة الدخل والهشة لا يزال يجمع أقل من 15 في المئة من الناتج المحلي في صورة إيرادات ضريبية.
وفي غرب أفريقيا، يرى صندوق النقد أن تعبئة الإيرادات المحلية أصبحت أكثر إلحاحا مع ارتفاع تكاليف الفائدة وزيادة الإنفاق الأمني واحتمال تراجع المساعدات الخارجية، في ظل ضيق القاعدة الضريبية واتساع الاقتصاد غير الرسمي وضعف القدرة على التحصيل.
لكن السؤال الذي تفرضه المعركة الضريبية الجديدة هو: هل يمكن مطالبة الدول الأفريقية بتعبئة مواردها المحلية من دون إعادة النظر في القواعد الدولية التي تحدد أين ومن يحق له فرض الضريبة على أرباح الشركات العالمية؟
الاقتراض بكلفة باهظة
ليس الاقتراض ممنوعا على الدول الأفريقية، لكن كلفته المرتفعة قد تجعل الدين أداة شديدة الثمن لتمويل التنمية. ففي نيسان/ابريل 2026، جمعت جمهورية الكونغو الديمقراطية 1.25 مليار دولار من أول إصدار دولي لسنداتها بالدولار، لكن بكلفة بلغت 8.75 في المئة للسند المستحق عام 2032 و9.50 في المئة للسند المستحق عام 2037.
ولا يعني ذلك استحالة وصول الدول الأفريقية إلى الأسواق، لكنه يكشف الفارق بين القدرة على الاقتراض وثمنه. وفي المقابل، تتمتع الولايات المتحدة بهامش أوسع للاستدانة بفضل مكانة سنداتها في الأسواق العالمية، رغم توقع بلوغ عجزها الفيدرالي 1.9 تريليون دولار عام 2026. وهكذا تحتاج الدولة الأفريقية، التي لا تستطيع الاقتراض بكلفة منخفضة، إلى موارد ضريبية أكبر، بينما يخضع جزء من هذه الموارد المحتملة لقواعد دولية لا تمنح دائما الدولة التي يوجد فيها النشاط الاقتصادي النصيب الأكبر من الحق الضريبي.
تقدم موريتانيا نموذجا لافتا لهذه المعادلة، رغم أن وضعها المالي أكثر استقرارا من كثير من الاقتصادات الأفريقية. ووفقا لصندوق النقد الدولي، بلغت الإيرادات الحكومية 23.5 في المئة من الناتج المحلي عام 2025، مقابل 22.2 في المئة عام 2024، فيما تراجع الدين العام إلى 39.2 في المئة من الناتج.
ويعتمد جزء مهم من الإيرادات على القطاع الاستخراجي. فقد ارتفعت إيرادات الدولة من شركة «تازيازت» من 3.5 مليارات أوقية جديدة عام 2022 إلى 9.2 مليارات عام 2025، لترتفع مساهمتها في إجمالي الإيرادات الحكومية من 4.3 إلى 8.7 في المئة.
وتبرز هذه الأرقام أهمية قدرة الدول على توسيع حصتها من النشاط الاقتصادي الحقيقي داخل أراضيها، خصوصا في قطاعات التعدين والطاقة، بما يعزز قدرتها على تمويل الخدمات والاستثمار وتقليل الحاجة إلى الاقتراض.
لهذا السبب تكتسب المفاوضات الجارية في الأمم المتحدة بشأن الاتفاقية الإطارية للتعاون الضريبي الدولي أهمية خاصة لأفريقيا. وتركز المفاوضات على توزيع حقوق فرض الضرائب، والضرائب على الخدمات العابرة للحدود، وتسوية النزاعات الضريبية.
وتدفع المجموعة الأفريقية باتجاه تعزيز حقوق الدول التي يوجد فيها مصدر الدخل أو النشاط الاقتصادي، وإعادة التوازن لمصلحة دول المصدر، خصوصا في الضرائب المفروضة على الخدمات العابرة للحدود.
وهنا تتجاوز القضية الخلاف التقني بين خبراء الضرائب لتصبح مرتبطة بسؤال أكبر: من يملك المال اللازم لتمويل التنمية؟
وإذا كانت أفريقيا مطالبة بالاعتماد بصورة أكبر على مواردها الذاتية، فإن المنطق يقتضي توسيع قدرتها على تحصيل الضرائب من النشاط الاقتصادي الذي يحدث داخل أراضيها.
ولا يعني ذلك إعفاء الحكومات الأفريقية من مسؤولية إصلاح إداراتها الضريبية، وتوسيع القاعدة الضريبية، ومحاربة الفساد والاقتصاد غير الرسمي وتحسين الإنفاق العام. لكن إصلاح الداخل قد لا يكون كافيا إذا ظلت قواعد الاقتصاد العالمي تسمح بنقل الأرباح بعيدا عن المكان الذي تتحقق فيه.
وبذلك قد لا تكون المعركة المقبلة في أفريقيا حول حجم الديون فقط، وإنما حول من يملك الحق في فرض الضريبة على الثروة التي تنتجها القارة.
فإذا كان العالم يريد من أفريقيا أن تمول تنميتها من مواردها المحلية، فإن السؤال الذي تفرضه المرحلة هو: هل ستمنحها قواعد النظام الضريبي الدولي الحق في تحصيل تلك الموارد؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *