باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد ما وصفه بفشل التدخل العسكري لبلاده في إيران، فإنه يعوّل على الخنق الاقتصادي والعقوبات لإسقاط النظام الإيراني.
وفي إشارة مباشرة إلى إنزال يونيو/ حزيران عام 1944 في نورماندي، تعهّد ترامب بإطلاق “يوم إنزال اقتصادي” على طهران، مؤكداً أن اقتصادها “ينهار” وأنه يرزح تحت تضخم يبلغ “300 بالمئة”. أما ستيفن ميلر، نائب رئيس إدارة الرئيس، فيتحدث بالفعل عن “تصدعات هائلة بحجم الأخاديد” داخل النظام الإيراني. وفي واشنطن، يتفق كثيرون على أن الإستراتيجية الاقتصادية تبدو، لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية في إيران، أقل مخاطرة وأقل كلفة في آن واحد.
في إشارة مباشرة إلى نورماندي، تعهّد ترامب بإطلاق “يوم إنزال اقتصادي” على طهران، مؤكداً أن اقتصادها “ينهار” وأنه يرزح تحت تضخم يبلغ “300 بالمئة”
لكن هل هي أكثر فاعلية؟ فالتاريخ، الذي لا يذكر أمثلة حديثة كثيرة على سقوط نظام قمعي بفعل العقوبات وحدها، يعلّمنا أن المعاناة الاقتصادية، حتى حين تكون شديدة للغاية، نادراً ما تتحول إلى استسلام استراتيجي لنظام سلطوي. وكوريا الشمالية، التي ترزح تحت وطأة العقوبات، مثال صارخ على ذلك. أما وهم الانتقال السياسي في فنزويلا، الذي أسقط رأس النظام من دون أن يسقط جسد النظام أو الديكتاتورية، فهو مثال آخر.
غير أن الدرس الأهم يأتي من روسيا فلاديمير بوتين. فقد كان من المعتاد في فرنسا، كما في بلدان أوروبية أخرى، سماع عبارة “روسيا؟ إنها بحجم اقتصاد إسبانيا، أو فولتا العليا بصواريخ”، في إشارة إلى التقليل المتكرر من الحجم الحقيقي للاقتصاد الروسي، بما يملكه من موارد هيدروكربونية ومواد أولية وصناعة عسكرية. ولم تنجح العقوبات الغربية، لا في إسقاط النظام ولا في تحريك السكان ضده، بل إن الاقتصاد الروسي سجل، في بداية الحرب، نمواً فعلياً.
ويفسَّر هذا التباين بين توقعات النخب الغربية ونتائج العقوبات بعدة عوامل. أولاً، فُرضت العقوبات على شكل “حزم” متتالية، وبوتيرة تدريجية أكثر من اللازم، ولم تُطبق إلى أقصى حدودها، تفادياً لامتصاص الصدمة وتقليل انعكاساتها السلبية على الاقتصادات الغربية. وثانياً، لجأت روسيا إلى ما يمكن وصفه بـ”الكينزية الحربية”، عبر ضخ كميات كبيرة من الأموال في الاقتصاد لتحفيز النمو. ومنذ عام 2014، انتهج الكرملين سياسة لتعزيز الاستقلال الاقتصادي والمالي، بهدف ترسيخ سيادته. وأثبت الاقتصاد الروسي قدرته على الصمود والتكيف، إلى جانب استثمارات ضخمة في الإنتاج المحلي، لتعويض الواردات الغربية.
وتقول تاتيانا كاستوييفا-جان، مديرة مركز روسيا-أوراسيا في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (إيفري): “لكن المفتاح هو الإرادة السياسية! فمثل النظام الإيراني، لا يكترث الكرملين بالاعتبارات الاقتصادية ولا بالكلفة التي ينبغي دفعها في مواجهة الغرب”.
وفي إيران وروسيا معاً، تؤدي الأيديولوجيا، التي تتقدم على المصالح الاقتصادية، دور الوقود الذي يتيح مقاومة العقوبات. أما الشعوب، التي لا تملك صوتاً حقيقياً في الأنظمة السلطوية والديكتاتوريات، فتُحاصرها أجهزة القمع. وهي، علاوة على ذلك، تتمتع بقدرة كبيرة على الصمود، تشكلت بفعل الحاجة إلى مقاومة العنف واحتقار الأنظمة السياسية على مدى عقود طويلة.
ومنذ الحقبة القيصرية، لم تعرف روسيا سوى بضع سنوات من الديمقراطية، عقب سقوط جدار برلين. أما المعارضون الإيرانيون، فقد دفعوا ثمناً باهظاً للغاية بسبب محاولاتهم، التي باءت بالفشل، للدفاع عن حريتهم.
وفي موسكو وطهران على حد سواء، استعدت السلطات السياسية منذ وقت طويل لمواجهة الغرب. فمنذ عام 1979، عندما وصلت الثورة الإسلامية إلى السلطة في إيران وحددت عدوين رئيسيين لها هما الولايات المتحدة وإسرائيل، وطهران تستعد لمثل هذه المواجهة. وفي روسيا، يعود هذا الاستعداد، على الأقل، إلى عام 2014، بعد ضم شبه جزيرة القرم والعقوبات التي فرضها الغرب.
أسهمت منصات الالتفاف على العقوبات، أو ما يفضّل أحد الدبلوماسيين تسميتها “منصات المصالح المتقاطعة”، في إسقاط الأوهام الغربية بشأن السقوط الوشيك للنظامين الروسي والإيراني.
لكن الأهم من ذلك أن إيران وروسيا، شأنهما شأن كوريا الشمالية، نجحتا في الالتفاف على الحظر الغربي. وتوضح كاستوييفا-جان: “بالنسبة إلى الصين والهند وتركيا والإمارات العربية المتحدة، فإن التجارة مع روسيا قانونية ومربحة، وتشكل مصدراً للريع”.
وقد اختارت الدول التي توصف بـ”الجنوب العالمي” الاصطفاف، بدرجات مختلفة، مع خصوم الولايات المتحدة. فلم تدن الغزو الروسي لأوكرانيا، ولم تقطع جسور التواصل مع إيران، خصم واشنطن. ويقول الدبلوماسي السابق ميشال دوكلو: “لقد ذكّر هنتنغتون وكيسنجر، كلٌّ بطريقته، بأنه لا يمكن إدماج دول مثل روسيا والصين وإيران، بل وحتى الهند، داخل منظومة غربية. فما هو مطروح هنا يتعلق بذاكرة الحضارات الأبدية”.
وهكذا، أسهمت منصات الالتفاف على العقوبات، أو ما يفضّل أحد الدبلوماسيين تسميتها “منصات المصالح المتقاطعة”، في إسقاط الأوهام الغربية بشأن السقوط الوشيك للنظامين الروسي والإيراني.
الصين وروسيا… مفتاح الخطة الأمريكية
وتابعت “لوفيغارو” القول إن المشروع الاقتصادي الأمريكي تجاه إيران، الذي لم يمنع، بالمناسبة، شن ضربات جديدة الأحد في مضيق هرمز، ضد جزيرة لارك، لن ينجح إلا إذا دخلت الصين وروسيا في اللعبة. لكن لا بكين ولا موسكو تملكان مصلحة في ذلك.
ويقول دبلوماسي أوروبي: “من غير الواقعي الاعتقاد بإمكانية إسقاط النظام الإيراني عبر خنقه اقتصادياً. فـ65 بالمئة من احتياجات إيران تمر عبر طرق برية على الجبهة الشرقية، وهي منطقة لا تسيطر عليها الولايات المتحدة”.
يمكن الاعتراض بأن الاتحاد السوفياتي انهار بالفعل، جزئياً، لأسباب اقتصادية. فالعقوبات، بوصفها أداة استنزاف بطيء، تترك مع ذلك آثارها في روسيا، حيث بدأت القدرة على النمو تنفد، وتحولت مؤشرات اقتصادية عديدة إلى المنطقة الحمراء في عام 2026.
والأمر نفسه ينطبق على إيران، حيث دُمّر جزء من الصناعة بفعل الحرب، وهبطت قيمة الريال، وبلغ التضخم مستويات فلكية، فيما تراجعت صادرات النفط بسبب الحصار الأمريكي لمضيق هرمز.
لكن كليمان تيرم، المتخصص في الشأن الإيراني في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، يرى أن “المسألة ليست مدى فاعلية العقوبات، وإنما قدرة إيران على امتصاص الصدمات. هل سيختار النظام التصعيد، أم سيقرر وقف كل شيء؟ لا نعرف”. ويضيف أن السؤال يتعلق أيضاً بالسعر الذي سيكون الأمريكيون مستعدين لدفعه لتحقيق هدفهم الاقتصادي في إيران. ويقول: “كما أن الهدف العسكري قابل للتحقيق إذا قبلت الولايات المتحدة بتحمل خسائر، فإن الهدف الاقتصادي يمكن بلوغه، شرط توفير الإمكانات اللازمة. أي بثمن يتمثل في مصالحة الولايات المتحدة مع الصين وروسيا. ولتحقيق النجاح في إيران، يتعين على ترامب التقارب مع موسكو وبكين. فهل هو مستعد لذلك؟”.
أما أوروبا، فيرى تيرم أنها لن تتمكن على المدى الطويل من دعم حربين في الوقت نفسه، واحدة في إيران وأخرى في روسيا، بسبب الاضطرابات التي ستحدثها الحربان في أسواق الطاقة. وتبقى على الطاولة، في نهاية المطاف، قاعدة جيوسياسية أخرى: نادراً ما يمكن التنبؤ بسقوط الأنظمة السلطوية. وعندما تنهار، فإنها غالباً ما تفعل ذلك بسرعة كبيرة، ومن دون أن تحذّر أولئك الذين أمضوا وقتاً طويلاً في السعي إلى إسقاطها. وفي أوكرانيا وإيران على حد سواء، لم تنته الحرب بعد.