لعبة القط والفأر في حرب هرمز


لا نعتقد بداهة أن تغيير لون شعر رأس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتحويله من اللون الأشقر إلى اللون البنى، سيغير من طريقة تفكيره، ولا من عقل رأسه المهووس، الذي جعله ذات مرة، يشد شعر رأسه أمام كاميرات الصحافيين، فقط ليقول لهم، إن هذا هو شعره الحقيقي، وليس شعرا مستعارا.
والحقيقة أن ترامب كله مستعار، وأشبه بإنسان آلي (روبوت)، ووجوده على رأس قوة عظمى بحجم أمريكا هو عجيبة عجائب العصر الذي نعيشه، فهو يؤلف خرائط العالم وتاريخه على هواه الشخصي، وكل ما لا يعجبه يغير اسمه، ليس فقط في أمريكا ومحيطها الجغرافي، وعلى طريقة تغييره لاسم خليج المكسيك ولاسم بحيرة أونتاريو الكندية، وعودته مؤخرا لتغيير اسم مضيق هرمز على بعد آلاف الأميال من مكتبه في البيت الأبيض، واعتباره «مضيق ترامب»، هكذا مرة واحدة، ودونما مبالاة بشيء في تاريخ العالم وجغرافيته، ولا في القانون الدولي، ويبدو أن نشره السابق لخريطة مضيق هرمز مولدة بالذكاء الاصطناعي، وكتابة عبارة أرض أمريكية جديدة، لم يعد يروق له، وصمم على ضم المضيق لامبراطوريته الشخصية العقارية، ومنح المضيق اسمه الكريم شخصيا، وكانت تلك نزوة سبقت، فضل العودة إليها، ربما ليعطى دليلا تجاريا وماركة مسجلة باسمه، تدعم ادعاءاته المتكررة شبه اليومية، بأن المضيق مفتوح تماما للملاحة، وأن حركة السفن والناقلات تمضى بصورة طبيعية، وببركة أوامره السامية لأساطيله الحربية، التي تضمن عبور من يريد له العبور.

يبدو ترامب تائها ضائعا بين نصائح وزير حربه بيت هيغسيث ونصائح وزير خزانته سكوت بيسنت، بين الذهاب لضربة مزلزلة في موقع رأس جبل الفأس النووي الإيراني، أو اختيار الحصار والخنق الاقتصادي لإيران

وفي لعبة القط والفأر بين ترامب والنظام الإيراني، رد الجنرال محسن رضائي أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، وكذّب أقوال ترامب بالجملة، ثم أعلن اعتزام إيران فرض منطقة محظورة، تشمل المضيق كله وخارجه ابتداء من خط الحصار البحري الأمريكي، وإطلاق النار والصواريخ على أي سفينة تخالف الحظر الإيراني، وتطوير صواريخ إيرانية مخصصة لقصف المدمرات الأمريكية، وكانت إيران قد دخلت أخيرا مع ترامب في مباريات قصف ناقلة مقابل ناقلة، ونفذت القوات الأمريكية ضربات على ناقلات إيرانية في ميناء جزيرة خرج، وذهب ترامب في تهيؤاته المولدة بالذكاء الاصطناعي على موقعه الشخصي «تروث سوشيال» إلى النهاية، وصوّر جزيرة خرج كلها كأنها كتلة نار من الجحيم، وكتب على الصورة وداعا خرج، وكانت إيران قد ردت لأول مرة على سفن البحرية الأمريكية، واستولت على زورق أمريكي مسير، فيما قال عنه الجنرال رضائي، إنه كان اختبارا بالنار لصاروخ إيراني جديد، فيما مضت تهديدات قادة إيرانيين آخرين في المعنى ذاته، الذي أكدته دوائر الحرس الثوري والجيش الإيراني، ومقر خاتم الأنبياء، ربما تأكيدا لكلام محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى، وكبير المفاوضين الإيرانيين، وهو ـ كما رضائي ـ من القادة الأقدم في الحرس الثوري، وكلهم يشيرون إلى عزم إيران فك الحصار البحري الأمريكي بالقوة المسلحة، وهو ما يلقى رواجا شعبيا في الداخل الإيراني، عبّر عنه فيديو متداول لضابط إيراني، يطلب التصريح له بتنفيذ عملية انتحارية استشهادية لتفجير قطع حربية أمريكية تحاصر موانئ إيران، وعلى سبيل الثأر لشهداء مدرسة ميناب الابتدائية، وشهداء حفل زفاف منطقة كوهستك في مدينة سيريك بمحافظة هرمزجان، وقد ذهب هؤلاء الشهداء المدنيين ـ مع آلاف غيرهم ـ ضحايا لقصف أمريكي متواصل خلال حرب قاربت على إتمام شهورها السبعة. والمعنى ببساطة، أن ترامب يواصل تهديداته وفجاجة تصوراته، بينما لا يبدو مستعدا لنقلها عاجلا إلى ميدان النار، ويبدو تائها ضائعا بين نصائح وزير حربه بيت هيغسيث ونصائح وزير خزانته سكوت بيسنت، بين الذهاب لضربة مزلزلة في موقع رأس جبل الفأس النووي الإيراني، أو اختيار الحصار والخنق الاقتصادي لإيران، بين أولوية فتح مضيق هرمز، أو إسقاط النظام الإيراني مجددا، بين رفض كل تفاوض جديد مع إيران، أو انتظار استسلام إيراني يقبل كل الشروط الأمريكية، إلى آخر ذلك من اختيارات متناقضة متعاكسة ظرفيا، ربما في انتظار انتخابات التجديد النصفي المنتظرة أوائل نوفمبر المقبل.
ومع أحوال تردد ترامب، تبدو إيران متجهة إلى اختيار التصعيد، ووضع ترامب بين اختيارين كلاهما أسوأ عنده، إما قبول إعادة العمل بمذكرة التفاهم بكامل بنودها وشروطها، أو العودة لاشتباكات مسلحة، تزيد في حرج ترامب في الداخل الأمريكي، وتمحو أثر تطميناته اللفظية عن استقرار تدفق البترول ومشتقاته عبر مضيق هرمز، وترفع أسعار البترول في ظل نار حرب مشتعلة، وتزيد بالضرورة من أسعار البنزين والديزل في الداخل الأمريكي، وتصعد باحتمالات فقدان جماعة ترامب في الحزب الجمهوري لفرصهم في الحفاظ على أغلبية طفيفة في مجلسي الكونغرس.
وفي حيرة ترامب الراهنة، وعجزه عن تحديد بوصلة حركة أفضل، يستريح إليها وإلى نتائجها، وعجزه عن تقديم نصر عسكري ساحق يقدمه لجمهوره، أو تقرير الانسحاب والخروج من الحرب كلها، كما تنصح دوائر متسعة في البنتاغون والمخابرات الأمريكية، وهو ما تستثمره إيران لدهس أعصاب ترامب، ودفعه للوقوع في أخطاء أكبر، بينما لا تبدو إيران في موقع الخسران المحتمل، فقد تكيفت مع حرب طالت، وهي تريد المزيد من الإطالة، وبحرفية المزج بين دعوات التفاوض ودعوات الحرب، فهي لن تخسر المزيد في أي اختيار، والهدوء على الجبهات ليس في صالحها، وأجواء التوتر تفيد نظامها المدعوم بتأييد شعبي واسع، بينما ترامب يخسر بنزيف النقاط، ويتدنى تأييد حربه الخاسرة في أوساط الرأي العام الأمريكي، ويتظاهر علنا بأن حزبه الجمهوري سيحقق فوزا كاسحا في انتخابات نوفمبر المقبل، بينما الحقيقة أنه يبدو كأنه فأر مرتعب من هزيمة وشيكة في الانتخابات، قد تجعله مع فساد عائلته في قفص اتهام تشريعي، وتحوله إلى بطة عرجاء في النصف المتبقي من مدة رئاسته الثانية.
ومع حيرة ترامب الظاهرة، فقد يلجأ للاستماع مجددا إلى رغبات وسواسه الخناس بنيامين نتنياهو رئيس وزراء كيان الاحتلال، الذي يحاول الإفلات من مصير الخسارة في انتخاباته الأقرب من انتخابات ترامب التشريعية، وتتعارض مصالحه مع تهدئة ترامب على جبهة إيران، ويميل لإشعال الحروب من غزة إلى لبنان، وربما إلى إيران مجددا، ويستعيد معزوفته المفضلة عن إمكانية إسقاط النظام الإيراني، رغم الفشل المرير الذي لاقته أمريكا وإسرائيل في تحقيق الهدف المرتجى، فلا هم أسقطوا النظام، ولا أسقطوا برنامجه النووي، ولا برنامج صناعة الصواريخ والمسيرات، ونتنياهو يريد أن يفوز بصورة البطل الحامي لكيان الاحتلال المدمر لأعدائه، ومن صالحه أن يعيد توريط ترامب في مطاردة وهم إسقاط النظام الإيراني، خصوصا أن لغة إسقاط النظام عادت مجددا إلى دعايات ترامب ومساعديه، ولا يستبعد أن يتورط ترامب في طاعة نتنياهو مجددا، ولكن من دون أدنى ثقة في إمكانية سقوط النظام الإيراني بالحرب مهما اتسعت، ولو كان الثمن قصفا مدمرا لكل البنى التحتية المدنية الإيرانية.
والذي يجرب المجرب عقله مخرب كما يقول المثل الشعبي، وعقل ترامب خرب من زمن، ولا يستبعد أن يعود لنغمة محو إيران وتشييع جنازة الحضارة الفارسية، فترامب مصاب بهوس لا شفاء منه، ويكفي أنه نشر مؤخرا خريطة عبثية على موقعه الخاص تروث سوشيال، تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وجزيرة غرينلاند وآيسلندا وأمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي، وكلها مغطاة بالعلم الأمريكي، مع إطلاق اسم الولايات المتحدة الأمريكية على كامل مساحة الأرض، وإلغاء أسماء كل الدول الأخرى المشمولة في خريطة ترامب.
وربما يكون من حسن حظ القيادة الإيرانية، أنها تواجه خصما بكل هذا الهوس، ومصابا بجنون عظمة ارتيابي، وأنها تتلاعب بأعصابه في حروب مضيق هرمز وأخواتها، التي صارت أشبه بألعاب القط والفأر أو توم وجيري في أرشيف والت ديزني، ومع فارق ملموس، هو أن إيران رغم جراحها ومعاناتها، تبدو كأنها تعرف طريقها، وتدرك مع فوارق القوة الراجحة لعدوها، أن خوض معارك استنزاف مطولة هو طريقها للنجاة، ولا تبدو في عجلة من أمرها، ولا في ذعر من تهديد متعجل بخنق اقتصادي ولا من قصف موسع مدمر، فالنظم لا تسقط بقصف من السماء مهما اشتد، وترامب لا يجرؤ على غزو إيران بريا، وإلا كانت هزيمته التامة المستعجلة، التي لا تفيده معها إعادة صبغ شعر رأسه، ولا حتى صبغ وجهه بلون السواد، ولا تأليف خرائط مولدة بالذكاء الاصطناعي، والأخير مهما كانت فتنة ألعابه، لا يعالج آفة الغباء البشرى الخلقي، ولله في خلقه شؤون.
كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *