بيروت ـ النبطية ـ «القدس العربي»: لا تبدو الحياة بالنسبة إلى الذين بَقُوا في الجنوب وكأنها دخلت مرحلة من «التأقلم» مع الحرب، بقدر ما أصبحت محكومة بحالة دائمة من القلق.
فالإسرائيلي لا يبعد سوى نحو كيلومتر ونصف إلى كيلومترين عن بعض المناطق، وأصوات الرصاص والقصف تصل إلى القرى، فيما يبقى الطيران المسيَّر والحربي حاضراً في المشهد اليومي.
ويحتل الخوف الحقيقي الكامن في العقول والنفوس على «فلذات الأكباد» الحيِّز الأكبر من هذا القلق الذي يعيشه الأهل، بعدما بات الناس يرون بأعينهم ما حلّ بقراهم وبلداتهم من دمار واسع، وما أصاب البيوت والممتلكات من أضرار تجعل العودة بالنسبة إلى كثيرين منهم مسألة شديدة الصعوبة.
ما عادت المعاناة تتوقف عند حدود الخطر الأمني. فمع اقتراب موسم المدارس، يجد الأهالي أنفسهم أمام واقع شديد التعقيد: أطفال موزَّعون بين مدارس ومساكن مؤقتة، وأُسر تقيم في مراكز إيواء أو تنتقل من مكان إلى آخر، بين مَن يعمل في منطقة ويسكن في أخرى، ومن اضطر إلى مغادرة منزله المدمَّر إلى منزل قريب أو صديق.
وفي النبطية، التي تحوَّلت إلى مركز استقطاب للنازحين من القرى المحيطة ومن الشريط الحدودي، يتضاعف الضغط مع «حرب الهُـدَن».
مأساة أبناء وسكان منطقة النبطية ليست وليدة أسابيع منذ أن تحوَّلت تلال «علي الطاهر» وأنفاق «حزب الله» تحتها إلى «أم المعارك» بالنسبة إلى إسرائيل و«الحزب». المأساة تمتد لدى قسم كبير منهم إلى نحو ثلاث سنوات يوم فتح جبهة إسناد غزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023. هناك مَن فَـقَـدَ منزله ومصدر رزقه في قرى الحافة الأمامية التي سويت بالأرض، وهناك مَن يعيش في منزل مُستأجَر لا يعرف إلى متى يستطيع تحمّل كلفته، فيما لا تكفي المساعدات، إن وُجدت فعلياً، لتأمين استقرار فعلي. ومع كل موجة تصعيد، يتجدَّد النزوح، وتعود العائلات إلى نقطة الصفر.
لم يعد القلق مرتبطاً فقط بسقوط قذيفة أو صاروخ أو وقوع غارة، بل أصبح جزءاً من طريقة عيش الناس. يعيشون على وقْع الأصوات، وعلى احتمال أن تبدأ المعركة في أي لحظة، من دون أن يعرفوا إنْ كانت ستتوقف سريعاً أم ستفتح الطريق إلى مرحلة جديدة من الحرب. ومع تكرار هذه التجربة، بدأ يتراجع لدى كثيرين ذلك الاعتقاد بأن الأمور يمكن أن تعود ببساطة إلى ما كانت عليه – أي أن تتوقف الحرب – ثم يعود الناس إلى الجنوب وكأن شيئاً لم يتغيَّر.
شهادات مؤلمة من النبطية التي نعرفها ولم تعد موجودة وعن الاحتلال والدمار والنزوح المتكرر والحياة على خط النار
فالواقع الذي يراه سكان النبطية والقرى المحيطة بها أكثر تعقيداً. ثلاث سنوات من الحرب والدمار والنزوح تركت آثاراً تتجاوز الخراب المادي لتطال العمل والتعليم والسكن والاستقرار النفسي، ودفعت الناس إلى التساؤل: كيف يمكن إعادة بناء حياة طبيعية في منطقة باتت الحرب جزءاً من يومياتها؟
كُثر من المُغرِّدين من أبناء المنطقة باتوا مراسلين ينقلون بالصوت والصورة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقائع ما يجري في المنطقة ميدانياً. هؤلاء أبناء الأرض الذين تضنيهم «الحروب الخاسرة» ويعرفون أن نتائجها وتداعياتها ستطالهم أولاً، وهم مَن سيدفع الثمن الأكبر.
طبيب الأطفال وحديثي الولادة جمال بدران، ابن دير الزهراني وقاطنها الذي يداوم في النبطية في إطار عمله الطبي، واحد من أولئك الجنوبيين الذين عايشوا معنى الاحتلال، والحرب، ومعنى المقاومة، والتحرير. والده كان أحد قياديي الحزب الشيوعي اللبناني وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) استشهد في الغارة الإسرائيلية على مقر اللجنة المركزية للحزب في بلدة الرميلة على الساحل الجنوبي في 26 كانون الأول/ديسمبر 1989، والتي أسفرت أيضاً عن استشهاد الدكتور حكمت الأمين وثلة من أبرز قيادات وكوادر الحزب وجبهة المقاومة.
مدينة مُنهكة
يُغرِّد جمال بدران وهو عضو في اللجنة المركزية للحزب على الدوام عبر «الفيسبوك»، ينقل بالصورة الغارات التي تشنها القوات الإسرائيلية على القرى المحيطة بمدينة النبطية وعلى مرتفعات علي الطاهر التي كان متأكداً من أن الإسرائيلي سيطر عليها وقضمها شيئاً فشيئاً فوق الأرض وتحتها، وأن بنيامين نتنياهو سيعلن سقوطها بيد الجيش الإسرائيلي حين يرى أن التوقيت يخدمه في السياسة. لقد تحدَّث عن عناصر من «حزب الله» خرجوا قبل أيام وتم نقلهم إلى المستشفى.
جاء التوقيت ليل الخميس، حيث أعلن نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي استكمل عملية عسكرية في مرتفعات علي الطاهر، وأن المنطقة «لم تعد تشكل تهديداً لإسرائيل بعد إنهاء عمليات تطهير البنية العسكرية فيها». وأشار الجيش الإسرائيلي إلى السيطرة العملياتية على مرتفعات علي الطاهر فوق الأرض وتحتها، وأن قوات الفرقة 36 نفذت خلال الأسابيع الأخيرة عمليات داخل مسارات ومنشآت تحت الأرض في المنطقة، وعثرت على غرف عمليات ومخازن أسلحة ومرافق لوجستية استُخدمت لإدارة القتال والإقامة لفترات طويلة، متحدثاً عن استكمال عمليات تمشيط وتفكيك منشآت وأنفاق تابعة لـ«حزب الله» أُنشئت على مدى نحو عقدين. ونشر فيديو قال إنه من داخل أحد الانفاق.
بالنسبة إلى بدران، إسرائيل تملك في محيط التلة تفوُّقاً كبيراً في المراقبة الجوية والأرضية والاستطلاع والمدفعية، وأن أي عملية لإمداد المواقع الموجودة فيها شديدة الصعوبة. وهي كانت ساقطة عسكرياً. وكان على «حزب الله» أن يُسلِّم الموقع للجيش اللبناني، ضمن ترتيبات دولية تضمن الانسحاب الإسرائيلي، وكان يمكن أن يمنح الدولة اللبنانية ورقة سياسية للتفاوض، بدلاً من ترك الجنوب أمام خيارين فقط: حرب جديدة أو بقاء الاحتلال.
رغم كل ضبابية المعلومات عمّا حصل فعلاً في مرتفعات علي الطاهر وماذا كانت الصفقة. ثمة نتيجة ماثلة أمام أعين أبناء المنطقة مفادها أن إسرائيل دمَّرت البلدات المحيطة بالمرتفعات: كفرتبنيت، وأرنون، وكفررمان ودوحتها الجديدة، ويحمر وزوطر الغربية وزوطر الشرقية. ونالت النبطية الفوقا نصيبها من الدمار وأضحت خالية من السكان كونها تقع تحت مرمى النيران. وثمة خوف من التهديد الإسرائيلي بأنه سيفجر الأنفاق، التي بامتدادها تحت الأرض قد تؤثر على القرى المجاورة وسكانها.
هل يمكن القول بأن المعركة انتهت، وأن الإسرائيلي سيتوقف؟ لا. ما هو متوقع أن تنتقل المعركة إلى مرتفعات جديدة. الذريعة موجودة. خرج وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس مجدداً ليعلن أن الجيش الإسرائيلي «لن ينسحب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان حتى يتم نزع سلاح حزب الله».
وماذا عن المقاومة؟ المشكلة، في نظر طبيب الأطفال، ليست في مبدأ مقاومة إسرائيل. فهو ينتمي إلى تاريخ من العمل في المقاومة الوطنية، ويقول إن الجنوب تحرر في مراحل سابقة بفعل مقاومة شارك فيها لبنانيون من اتجاهات مختلفة. لكن سؤاله اليوم مختلف: ماذا بقي من تلك المقاومة؟ وكيف تحوَّلت من مشروع وطني جامع إلى مشروع مرتبط بحزب ودين وعقيدة وبسلاح وبخيارات إقليمية؟

يقول: لا يمكن التعامل مع الجنوب اليوم وكأن شيئاً لم يتغيَّر. المنطقة تغيَّرت، وموازين القوى تغيَّرت، وطبيعة الحرب تغيَّرت، وقدرات إسرائيل العسكرية تغيَّرت، كما تغيَّر وضع «حزب الله» نفسه وإيران والمنطقة بأكملها. لذلك يعتبر أن العودة إلى الخطاب القديم، الذي يختصر الحل بعمليات عسكرية جديدة، لا يجيب عن السؤال الذي يطرحه الواقع. فماذا يعني أن تقول للناس إن المقاومة ستستعيد الأرض، بينما هؤلاء الناس يرون بأعينهم أن بيوتهم مدمرة، وأن بعض القرى تحوَّلت إلى مناطق لا يستطيعون العودة إليها، وأن إسرائيل موجودة عسكرياً في مواقع متقدمة، وأن أي مواجهة جديدة قد تعني مزيداً من الدمار؟ هنا، في رأيه، تصبح الشعارات منفصلة عن حياة الناس.
مقاومة الأرض أم مقاومة السلاح؟
لا يستخدم ابن طلائع المقاومين كلمة «المقاومة» بالمعنى نفسه الذي يستخدمه «حزب الله». وهذه نقطة مركزية في شهادته: المقاومة ليست السلاح وحده، ولا «الحزب» وحده، ولا إيران. المقاومة قبل ذلك مسؤولية تجاه الناس والأرض والمجتمع. وهي، في تعريفه، مشروع سياسي أيضاً: دولة مستقلة، ديمقراطية، علمانية، غير خاضعة لأي وصاية خارجية. لذا يرفض الطبيب جمال بدران أن تتحوَّل مناهضته لسياسة «حزب الله» إلى موقف مؤيِّد لإسرائيل. بل على العكس، يؤكد أن عداءه لإسرائيل ثابتٌ، لكنه يرفض أن يصبح هذا العداء مبرراً لتعطيل النقد الداخلي. لا يعفي الدولة من المسؤولية. لكنه يرى أن ضعفها ليس وليد اليوم، وأن القوى السياسية نفسها ساهمت في تكريس هذا الضعف. يرى أن إسرائيل عدوٌ، لكن الطائفية والفساد والتبعية والفشل السياسي أعداء أيضاً، وأن مواجهة أحدها لا تعني إسقاط البقية من الحساب.
قرى مدمّرة وسكان ينتظرون أماناً لا يأتي…. ودمارٌ يتجاوز البيوت إلى تفكّك الحياة ومحو تاريخ وذاكرة
يعترض على الخطاب الذي يقول إن «البيت يُدمَّر اليوم ويُبنى غداً». البيت ليس جدراناً يمكن إعادة تشييدها ببضعة أموال. البيت هو ذاكرة العائلة وتاريخها، وهو المكان الذي عاش فيه الإنسان وعمل وربّى أبناءه وراكم سنوات حياته. ولهذا لا يرى أن مطالبة الناس بتحمل تدمير بيوتهم باعتباره ثمناً طبيعياً للمواجهة يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
«تدمير 400 بيت في زوطر»
يروي الأستاذ في التعليم الرسمي عصام حرب، ابن بلدة زوطر الشرقية، تجربته مع الحرب والدمار والنزوح الذي أصاب بلدته، ومع الإصرار على استكمال الحياة بكل مشاقها. حاله حال أبناء بلدته التي دمَّر الإسرائيلي نحو 70 في المئة من منازلها (نحو 400 من أصل 600 منزل) وما زال يقوم يومياً بعمليات تفجير، طالت البيوت والمؤسسات والمجمَّع الذي يضمُّ مدرسة زوطر الشرقية والبلدية والنادي الثقافي والجامع والحسينية.

بدأ مشواره مع النزوح في حرب 2024. غادر قريته متوجهاً إلى طرابلس، حيث أقام لدى أقارب له، قبل أن يعود إلى بلدته بعد 66 يوماً. لكن العودة لم تكن إلى منزل قابل للسكن، إذ كان المبنى الأثري الذي يملكه وابنه كريم قد دُمِّر بالكامل.
يقول حرب: «كنا نعرف أن بيتنا تدمَّر، لكن عندما عدنا لم نجد شيئاً. اضطررنا إلى النزوح مجدداً داخل البلدة، وسكنّا عند أشخاص قدَّموا لنا منزلهم». ويضيف: «هذه الفترة ترافقت مع استمرار الغارات والاغتيالات والقصف، ما جعل السكان يعيشون بين النزوح والعودة المؤقتة إلى أماكن أكثر أمناً». ويشرح أن منزله كان يقع في منطقة شهدت، حسب ما كان يراه، تحركات مرتبطة بالمقاومة، وأن عدداً من المنازل في المنطقة تعرَّض للقصف. وفي منزله تحديداً، استشهد خمسة شبان خلال الحرب، وفق شهادته.
ولأن الحياة، لا بدَّ أن تستمر. عاد وبنى شقة صغيرة للسكن، من دون أن يحصل على تعويضات، ليؤيه وابنه العسكري في الجيش اللبناني الذي كان «عريس 4 أشهر» يوم تدمَّر منزله، لكنه يخشى أن يكون هذا البناء قد تعرَّض هو الآخر للدمار في الحرب الثانية في 2 آذار/مارس، بعدما غادره ووجد نفسه نازحاً من جديد.
مصدر رزق عصام حرب، كان موزعاً بين عمله معلماً في التعليم الرسمي ومكتبة للكتب والقرطاسية أسَّسها في البلدة قبل نحو عشرين عاماً، وكانت المكتبة الوحيدة في زوطر الشرقية. هي حلمه منذ الطفولة. يعمل فيها وزوجته. تسنده في مصاريف العيش ولا سيما أن الانهيار المالي في البلاد أنهك موظفي الدولة بشكل كبير. حتى الساعة، ما زال المبنى الذي يضم مكتبته واقفاً، حسب ما تُفيد صور الأقمار الصناعية. ولكن لا إمكانية وصول إلى البلدة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي ويتواجد فيها، و«يُعفِّش» عناصره ما طاب لهم من المنازل والمحال التجارية والصيدليات ويكسرون ما يتبقى. وإذا سلم المكان مؤقتاً من التفجير، فإنه منهوب أو محطَّم ومحروق في الغالب.
بتقديره أن نحو 25 بالمئة من العائلات في البلدة لديهم معيلٌ موظف في الدولة، لكن معظم أهالي البلدة يعتمدون على الزراعة، ولا سيما زراعة الزيتون، إضافة إلى العمال وأصحاب المؤسسات والمطاعم والمحلات التجارية، وقد فقد كثير منهم مصادر رزقهم أو اضطروا إلى نقل أعمالهم إلى مناطق أخرى.
حرب يرى أن لا أمل في العودة إلى السكن في زوطر الشرقية، ولا في القرى والبلدات المحيطة مثل: كفررمان، ودوحة كفررمان، والنبطية الفوقا، وميفدون، ويحمر، وكفرتبنيت، وأرنون. أوضاع تلك البلدات ليست مختلفة عن المشهد في زوطر الغربية، التي زارها، وتُقدِّم صورة عن مصير المنطقة: نحو 95 في المئة من منازلها أصبحت غير صالحة للسكن، بين منازل مدمرة ومحروقة ومفجَّرة. الدمار طال المدارس والبلديات والمستوصفات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية، لافتاً إلى أن تدمير مباني البلديات يجعل الحصول على الأوراق والمستندات والخدمات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة.
اضطرته وظيفته التعليمية إلى أن يعود من طرابلس في موجة النزوح الثانية إلى دير الزهراني ليكون قريباً من النبطية، حيث الدوائر الرسمية. المدرسة التي كانت تضمّ 200 طالب، باتت اليوم تضمّ 50 طالباً ارتضوا بالتعليم عن بُعد، فيما انتقل البقية إلى مدارس حيث أماكن نزوحهم وتسجلوا في مدارس تُقدِّم تعليماً حضورياً.
ويربط حرب العودة إلى الحياة الطبيعية بتوقف الحرب أولاً وعودة الأمان. رغم حجم الخسارة في الممتلكات، والأرزاق من الأعناق، لكنه يتمسَّك بفكرة إعادة بناء ما خسره. فبعد تدمير منزله في حرب 2024، تمكّن من جمع مبلغ من المال وبنى شقة صغيرة للسكن، من دون أن يحصل على تعويضات. قد تكون تعرَّضت للدمار والأضرار، إلا أنه حين يعود، سيُعيد بناء بيته، وسيعيد افتتاح المكتبة… الحلم الذي لا يُفارقه.
ابن النبطية، الصحافي والمصوِّر كامل جابر، لا يمكن أن يختصر ما يجري في المدينة ومحيطها بأرقام الدمار أو أعداد النازحين. فالمسألة، كما يراها، تتصل بتفكك نمط حياة كامل. المدينة التي كانت مركزاً تجارياً وتعليمياً وحيوياً للجنوب، والقرى التي كانت تُشكِّل امتدادها الطبيعي، باتت تعيش على إيقاع الخوف والتهجير وانتظار القصف التالي.
النبطية التي نعرفها لم تعد موجودة!
لم يعد الدمار محصوراً في أطراف المدينة الواقعة شمالي نهر الليطاني، بل وصل إلى قلبها وأحيائها التجارية. وما يزيد قسوة المشهد، أن أجزاءً منها كان قد أُعيد إعمارها بعد حرب «إسناد غزة»، قبل أن تعود الحرب فتدمِّر ما أُعيد بناؤه وتضيف إليه دماراً جديداً.
داخل النبطية التحتا، عادت بعض الخدمات بصورة جزئية، وبدأت أعمال رفع الركام وإعادة فتح الطرق، لكن عودة البنية التحتية لا تعني عودة الحياة إلى طبيعتها. يقول: يعود أصحاب المحال التجارية ويفتحون أبوابهم، لكن لمَن؟ ومَن سيشتري؟ الناس أنفسهم نزحوا إلى مناطق أخرى. هذا المشهد نفسه ينسحب على التعليم. فالجامعة في النبطية، لم تعد تعمل كمساحة تعليمية طبيعية، فيما اضطرت مدارس ومؤسسات تعليمية إلى نقل نشاطها أو اعتماد التعليم عن بُعد. ويعني ذلك أن الحرب لا تُعطِّل الحاضر فقط، بل تضرب أيضاً دورة الحياة الطبيعية للمدينة.

ولكن المدينة التي لا تزال تحت التهديد لا تغيب عنها المحاولات. حتى القرى الواقعة شمال النهر والبعيدة نسبياً عن خط النار تحاول إنتاج أشكال صغيرة من الحياة؛ محل يفتح، دكان يعمل لساعات، أو بعض الأشخاص يبحثون عن أعمال مؤقتة. بعض الذين عادوا إلى الجنوب عادوا «ليعيشوا بالرعب». فالمشكلة ليست فقط في احتمال سقوط قذيفة على المنزل، بل في الحالة النفسية التي تنتج عن العيش تحت خط النار. قد يكون المنزل قائماً، لكن النوم فيه لم يعد طبيعياً. يسمع السكان الطائرات أو القصف، فيستيقظون وسؤالهم: هل سيكون منزلنا أو حيّنا هو الهدف التالي؟ وحتى المناطق التي لا تقع في منطقة الخطر المباشر تبقى، بالنسبة إلى أهلها، غير آمنة تماماً. ويضاف إلى ذلك العبء الاقتصادي الذي تحمَّله النازحون خلال أشهر التهجير. فالإيجارات ارتفعت إلى مستويات أثقلت كاهل العائلات، فيما تراجعت المساعدات أو انقطعت، سواء من الدولة أو من القوى السياسية. وهكذا يجد النازح نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: منزل في الجنوب قد يكون مدمراً أو غير آمن، وإيجار في منطقة أخرى يستنزف ما تبقى لديه من مال، فيما لا يوجد مورد ثابت يسمح له بإعادة بناء حياته.
الجنوب بين مقاومة الأرض وكلفة الحرب: ماذا بقي للناس ماذا بقي من مستقبل
جابر يتنقل بين النبطية وخارجها. والدته تسعينية كان لا بد له من إخراجها من المدينة. قدَّم له زميله ابن كفرشوبا عفيف دياب الذي يعيش في بيروت منزلاً تملكه العائلة في زحلة ليكون بعيداً عن أصوات القصف الذي لا تتحمله أمه. أما زوجته لونا سلامة، فبقيت في النبطية، كي تُبقي على مركز التعليم لديها مفتوحاً، فهو في نهاية المطاف مصدراً للعيش. ومن هنا ينتقل جابر من وصف الحياة اليومية إلى سؤال أكبر حول مستقبل الجنوب. فهو لا يُقدِّم فكرة المنطقة العازلة أو التغيير الديموغرافي باعتبارها حقيقة محسومة، لكنه يطرحها كتفسير محتمل لاستمرار تدمير القرى الحدودية حتى خلال فترات يفترض أن تكون خاضعة لوقف إطلاق النار. ويتساءل: إذا كان الهدف هو التوصل إلى اتفاق يسمح للناس بالعودة، فلماذا يستمر تدمير المنازل والقرى والطرق؟ وهل يمكن أن يكون المقصود خلق واقع جديد تصبح فيه العودة نفسها مشروطة أو محدودة؟
في قراءته، تبدو إسرائيل وكأنها تسعى إلى إنشاء واقع أمني جديد على حدودها، تكون فيه المناطق المحاذية لها أقل كثافة سكانية وأقل قدرة على تشكيل تهديد عسكري. وهذه القراءة تقوده إلى مقارنة الجنوب اللبناني بما يجري في مناطق أخرى من المنطقة، حيث يمكن أن تتحوَّل الحروب الطويلة إلى وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة يصعب التراجع عنها لاحقاً.
لا يعفي الصحافي المخضرم الداخل اللبناني من المسؤولية. فهو ينتقد ما يراه استغلالاً لحاجة النازحين، ويُشير إلى أن الأزمة لا تكشف فقط عن حجم الدمار الإسرائيلي، بل أيضاً عن هشاشة الدولة والمجتمع اللبناني في التعامل مع تداعيات الحرب. وفي الوقت نفسه، يرفض حصر المأساة بالجنوب، معتبراً أن اللبنانيين جميعاً يعيشون اليوم شعوراً متزايداً بأنهم متروكون لمصيرهم.
ومن هذه الزاوية، يرى جابر أن ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر أدخل المنطقة في مرحلة مختلفة تماماً أكبر من النبطية، لكن جابر يعود في النهاية إلى مدينته، حيث يرى انعكاس هذه التحولات الكبرى في تفاصيل صغيرة جداً: بيتٌ مغلقٌ، محلٌ لم يعد صاحبه قادراً على فتحه، مدرسة غاب عنها طلابها، شارع فقد حركته، وعائلة عادت إلى منزلها لكنها لا تستطيع أن تنام مطمئنة. هي شهادات من قلب النار والدمار والمعاناة. تُعبِّر عن واقع كل قرية، كل بيت، وكل عائلة. تُعبِّر عن مدينة أو قرية مدمَّرة معلقة بين العودة والنزوح، بين الرغبة في استعادة الحياة والخوف من أن تكون العودة مؤقتة. فالناس يريدون أن يعودوا إلى بيوتهم، وبلداتهم وجنوبهم، يريدون العودة إلى الأمان من جديد، لكنهم لا يعرفون إن كان ذلك قابلاً للتحقق بعد الآن.