صنعاء – «القدس العربي»: أعلنت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون)، الخميس، استتباب الأمر لها في مديريات الساحل الغربي لليمن، مؤكدة بذلك سيطرتها على مدينة المخا، وصولًا إلى المرتفعات الجبلية المطلة على مضيق باب المندب الاستراتيجي، معلنة توقف الاشتباكات هناك.
وتكون الجماعة بذلك، وفق مراقبين، قد أحكمت سيطرتها على الساحل الغربي اليمنيّ من حجة في الشمال حتى رأس العارة وذوباب جنوباً. ولم يتسنَ التأكد من إحكام سيطرتها على الجزر والمرتفعات الجبلية المطلة على المضيق من مصدر مستقل، بينما تؤكد وسائل إعلام مقربة من الجماعة سيطرتها على جميع المعسكرات والمواقع والثكنات التي كانت تسيطر عليها قوات المقاومة الوطنية والقوات المشتركة الموالية للحكومة، بما فيها معسكرا العمري وجبل النار.
وأعلن رئيس المجلس السياسي الأعلى الحاكم في مناطق «أنصار الله»، مهدي المشّاط، ما اعتبره «استتباب الوضع في مديريات الساحل الغربي».
كما أعلن المجلس توقف الاشتباكات هناك، مؤكدًا، في بيان، «الالتزام بجميع الاستحقاقات الدولية تجاه الملاحة في البحر الأحمر».
في المقابل، أكّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، خلال لقاء رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي، باتريك سيمونيه، وسفيرة مملكة هولندا، جانيت سيبين، «أن الدولة لن تتراجع عن تحقيق تطلعات الشعب اليمني، وستواصل القيام بمسؤوليتها في حماية مواطنيها واستعادة مؤسساتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها».
ونقلت عنه وكالة الأنباء اليمنيّة (سبأ) بنسختها التابعة للحكومة قوله «إن اليمن، وهو يدافع عن باب المندب وسواحله ومياهه الإقليمية، ويقدم التضحيات في سبيل حمايتها، لا يدافع عن أمنه وسيادته فحسب، وإنما يسهم في حماية الأمن الدولي ومصالح العالم»، مشدداً على أن هذه المسؤولية المشتركة تستدعي شراكة دولية أكثر فاعلية في دعم الدولة اليمنية وقدرتها على حماية هذا الممر الاستراتيجي.
كما أكّد، خلال لقائه السفير المصري، إيهاب أبو سريع، بمناسبة انتهاء فترة عمله، «أنه لا يمكن التعامل مع أي محاولة لتغيير الوضع العسكري قرب باب المندب باعتبارها شأناً يمنياً فقط، كون هذا المضيق ممراً دولياً حيوياً، وأي تهديد له يمتد مباشرة إلى البحر الأحمر وقناة السويس والتجارة العالمية».
القوات الحكومية تحدثت عن انسحاب تكتيكي
واعتبر، وفق وكالة «سبأ» بنسختها التابعة للحكومة، «أن حماية الساحل اليمني واستعادة الدولة سيطرتها على أراضيها وموانئها ومياهها الإقليمية تمثلان مصلحة يمنية ومصرية وعربية ودولية مشتركة».
وفي السياق، وجّهت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، الدكتورة أفراح الزوبة، رسالة إلى رئيس مجلس الأمن الدولي، جيروم بونافون، والأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن تطورات التصعيد العسكري للحوثيين في محافظتي تعز والحديدة، وتداعياته الإنسانية والأمنية، ومخاطره باتجاه الساحل الغربي وباب المندب على أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة والتجارة الدوليتين، وفق وكالة «سبأ» الحكومية.
وأكّدت الوزيرة الزوبة «أن التحركات الحوثية في غرب تعز وجنوب الحُديدة، باتجاه مناطق الساحل الغربي المحاذية لباب المندب والبحر الأحمر، لا يمكن النظر إليها باعتبارها تحركًا عسكريًا محليًا معزولًا، وإنما تأتي في سياق مسعى استراتيجي أوسع لفرض واقع عسكري جديد»، داعية مجلس الأمن «إلى اتخاذ موقف واضح وحازم».
وكان قائد «قوات المقاومة الوطنية» الموالية للحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا، في الساحل الغربي، الفريق طارق صالح، وهو عضو مجلس القيادة الرئاسي، قال، وفق قناة «الجمهورية» الفضائية التابعة لقواته، إنه وجّه «القوات المسلحة في الساحل الغربي بإعادة ترتيب صفوفها وتشكيل مركز قيادة بديل في مكان آمن بالتشاور مع التحالف ومجلس القيادة».
وأشارت قناة «الجمهورية» إلى ما وصفتها بالجريمة الجديدة «جراء استهداف الحوثيين قافلة مدنية تقل عشرات الأسر النازحة من حيس والخوخة والمخا باتجاه عدن ما أدى إلى احتراق نحو 15 سيارة مدنية وسقوط شهداء ومصابين، بينهم نساء وأطفال».
ولم يصدر تعليق فوري من «أنصار الله» إزاء ذلك، حتى كتابة هذا التقرير.
وكانت قوات جماعة «أنصار الله» قد فرضت، الخميس، سيطرتها الكاملة على مدينة ومنطقة المخا الاستراتيجية والقريبة من مضيق باب المندب، وانتزعتها من تحت سيطرة «قوات المقاومة الوطنية» والفصائل الأخرى الرديفة لها والموالية للحكومة المعترف بها دوليًا.
وتأتي سيطرة الحوثيين على هذه المنطقة الاستراتيجية عقب معارك هي الأعنف شهدتها منطقة الوازعية وحيس والخوخة، التي سقطت هي الأخرى في أيدي الحوثيين ومهّدت الطريق نحو المخا.
ولفهم ما حصل، لا بد من التوقف قليلًا أمام معارك الأيام والساعات الأخيرة في تعز والساحل الغربي.
إذ استطاع الحوثيون، وفق مراقبين، تحقيق اختراقات مهمة جدًا فتحت الباب لقواتهم نحو المخا، وتمثلت ابتداءً في إحكام السيطرة على الوازعية، وهذا كان قصب السبق، ومن خلاله فازت الجماعة بموقع التحكم بطريق المخا – تعز؛ وهو شريان الإمداد الرئيس، تلا ذلك السيطرة الكاملة على مديرية حيس وانتزاعها من القوات الحكومية، وصولًا إلى استكمال السيطرة على الخوخة، بالإضافة إلى مفرق موزع، وقبل ذلك كانت قد سيطرت على معسكر خالد بن الوليد، فكان إسقاط المخا تحصيلاً حاصلاً.
كيف انكسرت فصائل القوات الموالية للحكومة أمام قوات «أنصار الله»؟
إضافة إلى ما سبق، ترجّح مصادر أن اختلاف قيادات تلك الفصائل، وهي فصائل لا ترأسها قيادة واحدة، والتي كانت في مواقعها هناك، قد مثل عاملًا آخر أسهم في تسارع انهيار انساقها سريعًا أمام الهجوم الناري القوي لقوات «أنصار الله»؛ فكان الانسحاب السريع عقب إحكام الخناق عليهم وسقوط طرق الإمداد، دون وجود خطة جاهزة لمواجهة الموقف المفاجئ. وإن كانت مصادر تابعة للحكومة تقول إن الانسحاب تكتيكي إلا أنه لا يبدو كذلك.
وفي تصريح لـSالقدس العربي»، قال القيادي في وزارة الدفاع في حكومة «أنصار الله» (الحوثيون)، العميد عابد الثور، إن ما وصفه بـ»الانتصار الذي تحقق لهم في المخا لم يكن مفاجئًا، بل هو تحصيل حاصل لمعارك الأيام الماضية، وفي مقدمتها معركة الوازعية، التي انتهت بالسيطرة على طريق تعز – المخا، وبالتالي تم فصل المخا عن تعز تمامًا، وكان ذلك أحد أهم العوامل التي ساهمت في انسحاب قوات العدو ودخول قواتنا، عقب قطع شريان الإمداد الرئيسي».
وأضاف: «علاوة على الخلل الذي وُجد في صفوف القوات المناوئة جراء إسقاط خطوط الإمداد وتنفيذ عمليات عسكرية غير ناجحة من قبلهم، كان تحرير حيس والخوخة ضربة أخرى في سياق عمليات إحكام الطوق على المخا».
وقال: «مع تحرير حيس والخوخة أصبح من السهل تطهير ما تبقى من مناطق، فاستمرت قواتنا في التقدم، الأمر الذي دفع قواتهم إلى مسار الانسحاب، وفي خضم تلك المعارك مثل قرار العفو الرئاسي من صنعاء، الصادر مساء الأربعاء، بالتزامن مع تلك المعارك، عاملًا مهمًا في دفع الكثير من قواتهم للانسحاب، بعد أن صارت جميع قواتهم مطوّقة من جميع الجهات؛ فتم انسحاب الكثير منهم باتجاه طور الباحة، ومنهم مَن عاد إلى مناطقهم في حيس وغيرها».
وفي سياق طمأنه المجتمع الدولي عقب هذه التطورات، قال عضو المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، الدكتور عبد العزيز بن حبتور، «إن ما يجري في الساحل الغربي شأن سيادي يمنيّ، وإن ممارسة اليمن لسيادته على أراضيه وسواحله ومياهه الاقليمية لا تشكل تهديدًا للملاحة الدولية، وستظل الملاحة الدولية آمنة، وهي مصلحة يمنيّة وإقليمية ودولية».
ونقلت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها التابعة للجماعة، عن بن حبتور قوله: «نرفض ما صدر من بيانات ومواقف خارجية تتعامل مع السيادة اليمنية بمعايير مزدوجة، فممارسة اليمن سيادته على أراضيه حق أصيل لا يملك أي طرف خارجي الاعتراض عليه».
وأضاف: «وإذا كان مجلس الأمن بصدد الانعقاد لمناقشة التطورات في اليمن، فإن مسؤوليته تقتضي أن يناقش أسباب التصعيد». وحذّر «من أي تصعيد عسكري جديد ضد اليمن»، مؤكدًا أن «الطريق إلى أمن واستقرار الجميع يمر عبر احترام سيادة اليمن واستقلاله، وإنهاء العدوان والحصار، والمضي نحو سلام عادل ومستدام».
فيما أكّد نائب وزير الخارجية في حكومة الجماعة، عبد الواحد أبوراس، أن الملاحة البحرية آمنة.
ونقلت عنه وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) عن أبو راس قوله، «إن الملاحة البحرية آمنة ولا علاقة لأمن الملاحة بالمناوشات التي تم وأدها في مديريات الساحل الغربي».
أما جابر محمد، وهو مستشار عضو مجلس القيادة الرئاسي، عبدالرحمن المحرمي، فقال تعليقًا، بشكل غير رسمي، على ما حصل في المخا، إن «الانسحاب التكتيكي يُعد أحد أساليب إدارة العمليات العسكرية، وهو إجراء عملياتي مدروس تلجأ إليه القيادات العسكرية وفقًا لمتطلبات الموقف الميداني، بهدف الحفاظ على القدرة القتالية وتقليل الاستنزاف».
وأضاف «أن هذا الأسلوب يهدف أيضًا إلى إعادة تنظيم الوحدات العسكرية، وتحقيق إعادة التموضع، وتهيئة الظروف المناسبة لاستعادة زمام المبادرة ومواصلة العمليات العسكرية في توقيت وظروف أكثر ملاءمة».
وقالت وسائل إعلام مقربة من الحوثيين إن قواتهم باشرت تطبيع الحياة في مدينة المخا بعد السيطرة عليها.
وأوضحت أنه تم استدعاء أطباء ومهندسين من الحُديدة لتشغيل المستشفيات ومحطة توليد الكهرباء، وسيّرت دوريات في الشوارع لحفظ الأمن والحفاظ على الممتلكات.
على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت قوات الحوثيين إسقاط طائرة استطلاع مسلح من نوع «كاريال» تابعة للسعودية «أثناء قيامها بأعمال عدائية في أجواء محافظة حجة». وقالت قناة «المسيرة» التابعة للجماعة، إن السعودية «شنت 10 غارات على مديرية ذوباب غربي تعز».
واتهمت الجماعة الطيران السعودي بشنّ 40 غارة على محافظات تعز والحديدة والجوف ومأرب خلال الساعات الماضية.
وكانت الجماعة قالت، مساء الأربعاء، إن الطيران الحربي السعودي شن 54 غارة جوية طالت ست محافظات.
فيما قالت قناة «الجمهورية» التابعة لـ»قوات المقاومة الوطنية»، إن «قصفًا جويًا يستهدف مواقع الحوثيين في التحيتا والصليف وجزيرة كمران بمحافظة الحديدة».
وتشهد عدة جبهات منذ مطلع يوليو/ تموز الماضي، مواجهات وهجمات متقطعة، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الطرفين.
وبين صخب المعارك ترسم المعطيات المتسارعة ملامح مرحلة جديدة، تضع المشهد اليمني برمته أمام عتبات حرب واسعة، بعد أن طويت صفحة الهدوء النسبي الذي استمر ثلاث سنين.