وزارة التربية الجزائرية تتراجع عن إصلاح التعليم الثانوي على وقع جدل أيديولوجي.. وتساؤلات حول مصير قرار تأخير تدريس الفرنسية


الجزائر ـ “القدس العربي”: بعد جدل إيديولوجي حاد امتد طيلة صيف 2026، قررت وزارة التربية في الجزائر التراجع عن إصلاحات أعلنت عنها في التعليم الثانوي، أبرزها التخلي عن امتحان تدريس الفلسفة في بعض الشعب، في وقت يبقى التساؤل حول مصير القرار الآخر المعلن بتأخير تدريس الفرنسية في التعليم الابتدائي، وهو ما كان قد أشعل أيضا نقاشا واسعا.

وفي وثيقة اعتقد كثيرون أنها مفبركة قبل أن يتبين صحتها، أعلنت وزارة التربية الوطنية إلغاء القرار رقم 20 المؤرخ في 28 تموز/يوليو 2026، المتضمن المواقيت والمعاملات في مرحلة التعليم الثانوي العام والتكنولوجي، وذلك بموجب قرار جديد يحمل رقم 36 مؤرخا في 9 سبتمبر 2026. ونص القرار الجديد على إلغاء القرار السابق، مع الإبقاء على أحكام القرار رقم 186 المؤرخ في 23 آذار/مارس 2006 سارية المفعول، وتكليف كل من يخصه الأمر بتطبيق أحكام القرار الجديد.

ويعني هذا الإلغاء عمليا العودة، بالنسبة إلى تنظيم التعليم الثانوي، إلى الأحكام السابقة التي كانت سارية قبل صدور ترتيبات يوليو/ تموز، بعدما كانت الوزارة قد أعلنت عن تغييرات واسعة في تنظيم هذا الطور، ضمن ما قدمته حينها باعتباره جزءا من مسار لإصلاح المنظومة التربوية وتحسين جودة التعليم.

وكان القرار رقم 20 قد تضمن ترتيبات لإعادة هيكلة مرحلة التعليم الثانوي، بينها التخلي التدريجي عن نظام “الجذع المشترك” والتوجه، مستقبلا، نحو الالتحاق المباشر بالشعب المتخصصة بداية من السنة الأولى ثانوي. كما تضمن إعادة توزيع محتويات بعض المواد على السنوات الأولى والثانية، بهدف تخصيص السنة الثالثة بصورة أكبر للمواد المرتبطة بتخصص كل شعبة.

وتضمنت الإصلاحات الملغاة تغييرات لافتة في المواد والمعاملات، أبرزها حذف مادة الفلسفة من السنة الثالثة ثانوي في عدد من الشعب، بينها العلوم التجريبية والتسيير والاقتصاد واللغات الأجنبية والرياضيات والهندسة “تقني رياضي”، إلى جانب حذف الفرنسية من بعض الشعب، وتقليص معاملها إلى 2 في شعبة آداب وفلسفة. كما شملت التعديلات رفع معاملات بعض المواد، خصوصا الإنكليزية والرياضيات والعربية، وإدراج الإعلام الآلي في الشعب العلمية والتقنية.

غير أن هذه الترتيبات لم تعمر سوى أسابيع، إذ جاءت العودة عنها في سياق سياسي وتربوي اتسم بجدل حاد حول طبيعة الإصلاحات، حيث تدخل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، مطالبا بإبعاد المؤسسة التربوية عن التيارات الإيديولوجية والصراعات السياسية، والإبقاء على النقاش في إطاره البيداغوجي.

وإثر ذلك، ترأس وزير التربية الوطنية محمد الصغير سعداوي، ندوة وطنية خصصت لمتابعة تنفيذ توجيهات الرئيس خلال اجتماع مجلس الوزراء، أكد فيها على ضرورة حماية المؤسسات التربوية وفضاءاتها من أسباب الصراعات السياسية والتيارات الإيديولوجية، وحمايتها كذلك من مظاهر التطرف والعنف الفكري، كما وجه المفتش العام للتربية الوطنية إلى زيادة وتيرة عمل المفتشية العامة.

ويكتسب إلغاء القرار رقم 20 دلالة خاصة بالنظر إلى الجدل الذي رافق الترتيبات الجديدة منذ الإعلان عنها نهاية يوليو/تموز إذ انتقل النقاش من المستوى البيداغوجي إلى سجال إيديولوجي وسياسي، خصوصا بشأن مكانة الفلسفة واللغات الأجنبية داخل المدرسة الجزائرية.

وكان سعداوي قد دافع في ندوة صحفية عقدها يوم 30 يوليو/تموز لشرح ترتيبات الدخول المدرسي 2026-2027، عن الإصلاحات الجديدة، مؤكدا أنها ستدخل حيز التنفيذ تدريجيا في إطار مسار متواصل لتحسين التعلمات وتطوير التنظيم البيداغوجي.

وأوضح الوزير آنذاك أن فلسفة إعادة تنظيم التعليم الثانوي تقوم على جعل المواد المكونة لكل شعبة أكثر انسجاما مع أهدافها التكوينية والمسارات الجامعية المرتبطة بها، مؤكدا أن الوزارة لا تستهدف الحذف الكلي للمواد، وإنما إعادة تنظيمها وتوزيع محتوياتها بين السنوات الثلاث.

وقال إن بعض المواد التي كانت تدرس في السنة الثالثة دون ارتباط مباشر بالتخصص الدقيق أو بالمسارات الجامعية أعيدت برمجتها في السنة الأولى والثانية، بما يسمح، بحسب عرضه، بمنح السنة الثالثة مساحة أكبر للمواد الأساسية المميزة لكل شعبة، وتوفير أحجام ساعية أوسع للأعمال التطبيقية وحل التمارين.

وفي نفس الندوة الصحفية، أعلن الوزير فيما يخص الترتيبات المتعلقة بالتعليم الابتدائي، اعتماد الإنكليزية ابتداء من السنة الثالثة، وتأخير بداية تدريس الفرنسية إلى السنة الرابعة ابتدائي. ودافع سعداوي عن ذلك بالقول إن اختيار الإنجليزية كلغة أجنبية أولى يستند إلى مكانتها في المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والثقافية والأدبية، وإلى أهمية تمكين التلميذ من قاعدة جيدة فيها قبل البدء في دراسة اللغة الأجنبية الثانية.

لكن توجه تأخير تدريس اللغة الفرنسية، بخلاف إصلاح التعليم الثانوي الذي أُلغي الآن، لا يزال مصيره بحاجة إلى توضيح رسمي، إذ أن قرار 9 أيلول/سبتمبر يتعلق صراحة بإلغاء القرار الخاص بالمواقيت والمعاملات في التعليم الثانوي، ولا يتضمن في النص المعروض إلغاء الترتيبات الخاصة بالتعليم الابتدائي التي تنص على بدء الفرنسية في السنة الرابعة والإنجليزية في السنة الثالثة.

ويطرح ذلك سؤالا عمليا مع اقتراب الدخول المدرسي حول ما إذا كانت الوزارة ستبقي على الترتيب اللغوي الذي أعلنته في يوليو/تموز أم أن التوجيه الرئاسي الجديد وما رافقه من مراجعة للخيارات التربوية سيقود أيضا إلى إعادة النظر فيه.

وكانت الإصلاحات التي أعلن عنها سعداوي قد فجرت انقساما حادا في المواقف. فقد دعت الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون الرئيس تبون إلى تأجيل مشروع إصلاح المنظومة التربوية وفتح نقاش وطني واسع بمشاركة المختصين والخبراء في التربية والبيداغوجيا واللغات.

ودافعت حنون خصوصا عن الإبقاء على الفلسفة، معتبرة أنها أداة لتكوين العقل النقدي وليست مادة مرتبطة بشعبة الآداب وحدها، كما دعت إلى معالجة قضية اللغات الوطنية والأجنبية بمنطق التكامل، بعيدا عن منطق المفاضلة والصراع.

كما دخل الباحث في البيداغوجيا أحمد تيسة على خط النقاش، مدافعا عن استمرار حضور الفرنسية في المدرسة، وهو ما جعله عرضة لانتقادات حادة من شخصيات، بينها وزراء سابقون، قبل أن يرد برسالة مفتوحة رافضا اتهامه بمعاداة العربية أو الدين أو بالولاء لفرنسا. وتحول السجال حول مواقفه إلى جزء من النقاش الأوسع حول الخيارات اللغوية والتربوية في الجزائر.

وفي المقابل، رأى المدافعون عن التوجه الجديد وبينها شخصيات وأحزاب سياسية، أن تعزيز الإنكليزية وتأخير الفرنسية يعكسان رغبة في إعادة ترتيب السياسة اللغوية للمدرسة الجزائرية بما يتلاءم مع التحولات العلمية والتكنولوجية.

ويشكل الصراع على المدرسة أحد أبرز المحددات في التنافس بين التيارين المحافظ والحداثي في الجزائر، وهو صراع يمتد إلى سنوات ما بعد الاستقلال، حيث ظلت الخيارات التعليمية واللغوية محل نقاش وجدل واسع، ابتداء من مسار التعريب الذي تعزز في سبعينيات القرن الماضي، وما رافقه من نقاش حول مكانة اللغة الفرنسية، وصولا إلى الجدل بشأن موقع التربية الإسلامية في المنظومة التربوية، ومضامين المناهج وعلاقتها بالهوية الوطنية والانفتاح على العالم. وقد تحولت المدرسة، بفعل ارتباطها بتكوين الأجيال وتحديد المرجعيات الثقافية واللغوية، إلى إحدى أبرز ساحات التجاذب بين رؤى مختلفة بشأن طبيعة المجتمع الجزائري والخيارات التي ينبغي أن توجه مستقبله.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *