الدولة والدين في عالمنا العربي… الوجه الآخر


في عالمنا العربي، كل القضايا تحال إلى الدين أو إلى الدولة، أو إليهما معاً. والغالب يجري النقاش أو السِّجال خارج قنوات الدولة، لتَتَلَهَّى بها المعارضة ويتسلَّى بها المجتمع المدني، بالقدر الذي يغني السلطة العربية عن هذه الإشكالية تماما. ما يمكن أن نجمله في موضوع الدين والدولة، أن مسألة العلمانية أو اللائكية طرحت في فضاء متقدم ومتطور مغاير كلياً عن العالم العربي، بداية من القرن العشرين، على وجه الخصوص مع قانون الفصل الفرنسي لعام 1905، ويقصد به قانون الفصل بين الكنائس والدولة، في سياق التجربة التاريخية للنظام الرأسمالي والوجه الاستعماري اللاحق. والتجربة التاريخية دلّت أيضا على أن العالم العربي، مع تركيا وإيران تأثرا بهذه المسألة ولو نوعا من التأثر، أي بتفاوت معتبر بين دولة وأخرى.
والواقع، دائما في سياق تاريخي، وليس أيديولوجيا، أن المسألة العلمانية في عالمنا العربي كانت تقتضي من جملة ما تقتضي تناول الدين والدولة وقضاياهما، في مسألة كيف نتقدم ونتطور، وما المسلك إلى الخروج من حالة التخلف الذي رانَ على العقل والتَّصرف العربي والإسلامي طوال عهود ودهور.

مسألة العلمانية لم تطرح كقضية تتطلب النجاح من أجل تحقيق الاستقلال التاريخي للأمة العربية، بل لأن الحكَّام، عمدوا بعد استقلال الشعوب العربية إلى مصادرة الدين والدولة، الشريعة والسياسة

فموضوع العلمانية ليس فصل الدين عن الدولة، ولا الدولة عن الدين، بل بدراسة الدين الإسلامي في حقبة معاصرة له، وليس في تاريخ بعيد عنه، ودراسة الدولة وكيفية تنصيب مؤسساتها، التي لا تزول بزوال المؤسسين لها ولهيئاتها الاعتبارية، وإلا صار الأمر إلى الإخفاق الدائم على ما لاحظنا طوال القرن العشرين وربع القرن من القرن الواحد والعشرين. فالنقطة الجوهرية في موضوع الدين والدولة، ليس في كيفية الفصل أو الوصل بينهما، بقدر ما أن المسألة في المستهل والسياق والنهاية هي، كيف ندرس الدين في تاريخنا الحديث والمعاصر، وكيف ندرس الدولة في تاريخها الحديث والمعاصر. ومع ذلك، جرت النهضة العربية والإحياء الإسلامي، على النحو الذي جرى، لكن في كل الأحوال لم يوفق في إرساء معالم الدين ولا معالم الدولة، لأن التّخلف حالة مثل حالة الاستعمار يجب التَّخلص منه وتصفيته، عبر البحث المتواصل في الدين والدولة كليهما. لعلّ أول الأخطاء في عملية اجتراح التنمية والتطور، هو الخلط الرهيب بين الاستعمار وقضايا الأمة والمجتمع العربي، بحيث تمت تصفية كل شيء والمطالبة بتغيير الوضع ضدّا عليه وليس بما يتوفر للإنسان العربي من إمكانية فكرية وأيديولوجية وأخلاقية. فقد انكشف إخفاق موضوع الدولة من خلال السياسة، كما انكشف إخفاق الدين من خلال أخلاق الإنسان العربي، أي صلته بالله وتعاليم الدين. ومن هنا، فالمسألة العلمانية قائمة ليس لدى السلطة فحسب، بل لدى الإنسان، وتعني من جملة ما تعني السلطة السياسية والسلطة البشرية على السواء، أي النظام الحاكم والإنسان، ما دام الدين يوفر الحرية الكاملة للإنسان أن يفعل الخير ويجتنب الشر.
وعليه، أو هكذا يجب أن نحلل مسألة العلمانية في عالمنا العربي، خاصة التي شهدت وضعية استعمارية، بأنها تعني السلطة كما تعني الإنسان، بما هو رجل وامرأة مكلفين بتعاليم الدين أو الشريعة أو تعاليم الله، التي شرَّفته كإنسان بعيد عن حكم السلطة وقبضة النظام. ومن ثم تظهر مسؤولية الإنسان المتدَيَّن في ما آل اليه الوضع العربي من استحكام متواصل للأزمة وعناد قوي في البقاء عند درجة التخلف، الذي لا يكف عن الزيادة، مع زيادة تقدم سائر الشعوب والأمم والدول. ففي مثال الجزائر، البلد الذي جاء متأخرا إلى الاستقلال، مارست السلطة حكمها الوطني لأكثر من ستين عاما، وصل فيها الجزائريون نساء ورجالا إلى سن التقاعد عبر جهد مؤسساتهم وإمكانياتهم العُمْرية. الأمر الذي يرتب فورا إخفاقا في حياة النظام، كما في حياة الإنسان، لأنه مخاطب ليس بالقانون، بل بالشريعة أيضا وكان دائما يفضلها على القانون. العلمانية، كما تلح عليها التجربة التاريخية المعاصرة، تعني المؤسسة، كما تعني في الوقت ذاته الإنسان، أي الشخصية الاعتبارية والشخصية البشرية أو الطبيعية معاً. غير أن مسؤولية الإخفاق تقع دائما على النظام، وقلّما تعلق على إنسان الدين والشريعة الذي لا يكف عن الادعاء بأنه يؤمن بالله، ويواصل عناده في مواجهة السلطة بالدين ويفضل الشريعة على القانون.. وفي المحصلة، نقول إن المسألة العلمانية لا يوجد مسوّغ لها وليست ذات موضوع في عالمنا العربي، لأنها لا تقتصر على مؤسسة الدولة فحسب، بقدر ما تعني أيضا الإنسان ليس كرجل دين، بل كإنسان مسلم لأن كثيرا من اعتبارات الدِّين تَحَلَّلت في الإنسان/ المواطن، ولم يعد لرجل الدين أي اعتبار، إلا ما وفرته له الدولة التي لا تزال تحتكر الدين لنفسها، في البند الذي يقول: الإسلام دين الدولة، وهو تعبير عن مصادرة أكثر مما هو توكيد انتماء وتعلق بأخلاق.
تتعلق مسألة العلمانية أيضا بشق الدولة، التي لم تتمكن من الاستقلال بثقافة دولة تُعَبِّر عن شخصيتها الاعتبارية أو الأخلاقية أو المعنوية، وكلها صفات وخصائص المؤسسة العمومية، التي تأبى الذوبان في الشخص الطبيعي، أو في العشيرة، أو القبيلة، أو أي جهة معينة، على ما دلَّت عليه التجربة التاريخية للدولة العربية الحديثة، التي راهنت على القُطْرِية والقومية والإسلامية، ولم توفق في إرساء مؤسسات ترسخ الدولة المكتملة المستقلة تاريخيا عن الاستعمار، وعن التخلف المحلِّي الذي لا تزال تَرْسف فيه عنادا. فقد تبيّن بشكل واضح، أن النظام أو السلطة العربية سارت في اتجاه تقوية جيشها وأمنها للانفراد بالدولة كمرافق ومؤسسات إلى حد يمكن توريثها للأبناء، على ما شهدنا في الثَّورات التي اجتاحت العقد الثاني من القرن الرَّاهن، حيث سَقَط الحكَّام مع «دولهم».
الواضح من كل ما تقدّم في مسألة الدين والدولة في عالمنا العربي المعاصر، أن الدِّين يحتاج إلى استقلال، كما أن الدولة بذاتها تحتاج إلى الاستقلال، تنفرد بشخصيتها المعنوية والاعتبارية، حماية لها من الشخصيات الطبيعية الذين يواصلون التَّحلي باعتبارات الثقافة الدينية الرديئة. فالأشخاص الذين صاروا يَحْكُمون ويتَحَكَّمون في إدارة مؤسسات دولهم ومرافقها، يقومون بذلك مع وجود منظومة دينية، تبرر كل أفعالهم مهما كانت مخالفة للقانون أو الشريعة. وهكذا، فمسألة العلمانية في عالمنا المعاصر تعاني الإخفاق الدائم ما دام هناك الخلط والإدغام الرهيب بين الدين والدولة، مهما كانت الأخطاء والمزالق والأزمات التي تعانيها السلطة الحاكمة.
وأسارع إلى التذكير، مخافة القراءات المغرضة والمنحرفة، أن مسألة العلمانية لم تطرح كقضية تتطلب النجاح من أجل تحقيق الاستقلال التاريخي للأمة العربية، بل لأن الحكَّام، عمدوا بعد استقلال الشعوب العربية إلى مصادرة الدين والدولة، الشريعة والسياسة، ضاعت على أثر ذلك الدولة بمؤسساتها الديمقراطية، التي لا تقبل التمليك والاستحواذ، لأنها من طبيعة قانونية واعتبارية، وحل محلها نظام حكم أوتوقراطي، عسكري، سلطوي يقيم في السياسة ويقيم في الدين، يخلط بينهما إلى حد محو مجال كل من الدين والدولة، على ما نشاهد ونلحظ كل يوم.. شعوب تراكم التجربة السياسية والاجتهاد في الدين، وشعوب تفقد تباعا تراثها وتصل إلى حد المراوحة في المكان الواحد، تنقلب على الدولة كما تنقلب على الدين.. أو تسير نحو طريق مسدود.

كاتب جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *