ثمة أشياء لا ينبغي لطفل أن يتعلّم أسماءها باكراً. الجوع مثلاً، ولا ينبغي له أن يعرف الفرق بين هدير الطائرة وصوت الصاروخ، ولا أن يحفظ الطريق الأقصر بين خيمته ومكان توزيع الطعام، ولا أن يتقن الوقوف في الطوابير، ولا أن يعرف أن الوجبة التي يصل إليها اليوم قد لا يجد مثلها غداً.
ولا ينبغي لطفل، في عمر المدرسة، أن يحمل إناء فارغاً فوق رأسه ويمشي.
كان ينبغي أن تكون فوق كتفه حقيبة، حقيبة صغيرة، ربما اختار لونها بنفسه في أول العام الدراسي، عليها صورة بطل يحبه، أو كرة قدم، أو فراشة، أو شخصية كرتونية. وكان ينبغي أن يكون في داخلها دفتر لم تكتب صفحاته كلها بعد، ومقلمة ضاعت منها ممحاة، وقلم رصاص قضمه بأسنانه أثناء درس الحساب، وسندويشة وضعتها أمه على عجل قبل أن يخرج.
لكن ذلك الطفل الغزاوي لم يكن يحمل حقيبة. كان يحمل إناء، ويمشي بين الركام.
وحين نظرت إليه طويلاً، فكرت أن الحروب لا تقتل الأطفال دائماً بالقنابل وحدها، أحياناً تقتل فيهم الأشياء التي كان ينبغي أن تحدث. تقتل صباحاً عادياً، جرس مدرسة، واجباً منزلياً منسياً، خصاماً صغيراً على مقعد، ركضة في ساحة المدرسة، ضحكة أثناء الحصة يعاقب عليها المعلم، قطعة طبشور، دفتر علامات يخشاه طفل لأنه لم يدرس جيداً.
تلك التفاصيل التي تبدو لنا تافهة، هي في الحقيقة الاسم الآخر للحياة.
في مكان آخر من هذا العالم، ربما في اللحظة نفسها التي كان فيها هذا الطفل يسير تحت شمس غزة حاملاً إناءه، كان طفل آخر يتذمر لأن حقيبته ثقيلة. تقول له أمه: أسرع، ستتأخر عن المدرسة. فيجيبها متبرماً بأنه لا يريد الذهاب. وقد يبكي لأن لديه امتحاناً، أو لأن صديقه لم يجلس إلى جانبه بالأمس، أو لأن حذاءه الرياضي الجديد ليس من اللون الذي أراده.
ولا يدري ذلك الطفل كم هو محظوظ لأنه يملك ترف كراهية المدرسة صباحاً.
فالمدرسة التي نشكو منها حين نكون صغاراً، تصبح حلماً هائلاً حين تهدم. والحقيبة التي نرميها عند عتبة البيت بضجر، تصبح وطناً صغيراً حين لا يعود هناك بيت ولا مدرسة ولا طريق آمن إليها.
أتأمل أطفال غزة وهم يحملون أواني الطعام بأيديهم وفوق رؤوسهم، وأفكر في تلك الأيدي نفسها. كان يفترض أن تتلطخ بالحبر، لا بغبار الركام. كان يفترض أن ترفع إصبعاً صغيراً في الصف لتقول: أنا أعرف الإجابة، لا أن ترفع وعاء فارغاً أمام رجل يوزع الطعام، وتنتظر أن يبقى فيه شيء حين يصل الدور إليها.
الحرب ماهرة في تصغير الأحلام، تأخذ منك المستقبل قطعة قطعة، حتى يصبح كل ما تطلبه من الدنيا يوماً إضافياً.
ولعل هذا ما يجعل صورة طفل يحمل وعاء الطعام أقسى من آلاف الخطب، لأن الطفل لا يحتاج أن يشرح شيئاً، الإناء يشرح، الركام يشرح، قدماه الصغيرتان تشرحان، والطريق الذي يمشيه يشرح.
لهذا، حين أنظر إلى الصورة، لا أرى إناء فوق رأس طفل، أرى حقيبة مدرسية غير موجودة. أراها بوضوح، كأن الغياب نفسه صار شيئاً مرئياً، أرى كتبه التي لم يحملها، وقلمه الذي لم يضعه في المقلمة، ودفتره الذي لم يكتب على صفحته الأولى اسمه.
وأتمنى، من قلبي، أن يأتي عليه يوم تكون فيه العلامة السيئة أكبر مصائبه، أن يعود طفلاً عادياً، أن يضجر، أن يعاند، أن يرفض أكل الخضار، أن ينسى واجبه، أن يتشاجر مع أخيه على لعبة، أن يعيش تلك الحياة الصغيرة التي لا نعرف قيمتها إلا عندما نراها تُنتزع من طفل.
حين أخذنا الذكاء الاصطناعي إلى الثمانينات
ومن صورة لم نختر أن نراها، إلى صور اخترنا نحن أن نصنعها، كان هذا العالم نفسه يخبرنا شيئاً آخر عن زماننا.
لم يحتج الأمر إلى آلة زمن، ولا إلى ذلك الاختراع الذي ظل الإنسان يحلم به طويلاً كي يسافر عبر السنوات. احتاج فقط إلى صورة شخصية، وبعض الذكاء الاصطناعي، ورغبة خفية ربما لم نكن نعرف أنها تسكننا. وفجأة، استيقظت مواقع التواصل الاجتماعي على زمن آخر، عاد الشعر كثيفاً، منفوشاً، متمرداً على قوانين الجاذبية، عادت الأقراط الكبيرة، والسترات ذات الأكتاف العريضة، والقمصان المزركشة، والفساتين التي لا تخشى الألوان، والنظارات التي تكاد تغطي نصف الوجه، عاد الأحمر الفاقع إلى جانب الأزرق الكهربائي، والزهري الذي لا يعتذر عن صخبه، والأخضر الذي لا يحاول أن يكون أنيقاً بقدر ما يريد أن يكون حياً.
وفي أيام قليلة، بدأ الجميع تقريباً يسافرون إلى الثمانينات، مشاهير وغير مشاهير، رجال ونساء، من عاشوا تلك الحقبة ومن لم يكونوا قد ولدوا بعد حين انتهت. وهنا بدا الأمر أكبر من مجرد «تريند» عابر. فلو كان حنيناً إلى الماضي فقط، لبقيت اللعبة حكراً على جيل يملك من تلك السنوات ذكريات. لكن الثمانينات جذبت أعماراً لا ذاكرة لها فيها، كأنها لم تكن ماضياً لأناس بعينهم، بل مكاناً خيالياً أراد الجميع أن يسافر إليه.
كأن جيلاً لم يعرف أشرطة الكاسيت اشتاق إليها، وكأن فتاة لم ترتد يوماً سترة بأكتاف عريضة نظرت إلى صورتها المصنوعة بالذكاء الاصطناعي وقالت في سرها: يا ليتني كنت هناك.
فما الذي كان هناك؟ ربما لم نكن نبحث عن الماضي أصلاً، ربما كنا نبحث عن شيء افتقدناه في الحاضر.
ثمة أزمنة لا تبقى في الذاكرة بالتواريخ، إنما بالألوان، والثمانينات واحدة منها، يكفي أن تقول اسمها حتى تنفتح أمامك خزانة كاملة من الأصفر والفوشيا والأخضر والبنفسجي والأزرق الكهربائي والأحمر، ألوان كانت تتجاور من دون خوف، كأنها لم تتعلم بعد قوانين الأناقة الحديثة التي تطلب من كل شيء أن يهدأ.
ثم انظروا إلى عالمنا اليوم، عالم شديد الأناقة، نعم، لكنه شديد الشحوب أيضاً، البيوت صارت بدرجات البيج والرمادي والأبيض. المقاهي تتشابه، والفنادق تتشابه، والملابس تميل إلى الألوان المحايدة، والوجوه نفسها بدأت تتشابه تحت وطأة معايير جمال واحدة، حتى الصور التي نلتقطها لأنفسنا لم تعد تثق تماماً بوجوهنا. نمررها عبر الفلاتر، نصقل البشرة، نضبط الضوء، نخفي التجاعيد، نصغر هذا ونكبر ذاك، حتى أصبح الجمال مشروع تصحيح مستمر.
كأن عصرنا، على الرغم من كل ما يملكه من إمكانات، يخشى الفوضى، يخشى اللون الزائد، والتجعيدة، والاختلاف، ويخشى أن يكون الشيء نفسه كما هو، بلا تعديل.
ثم جاءت الثمانينات، عبر أكثر أدوات عصرنا حداثة، لتفسد هذا الانضباط كله. ويا لها من مفارقة جميلة: استخدمنا الذكاء الاصطناعي، ابن المستقبل، لكي يسافر بنا إلى الوراء.
لكن المسألة ربما أعمق من الألوان والملابس.
ثمة بشاعة كثيرة تحيط بعالمنا اليوم، وليست بشاعة الملابس أو الوجوه. إنها بشاعة ما نراه كل صباح، الحروب التي تدخل بيوتنا عبر شاشة الهاتف قبل أن نغادر أسرّتنا، أطفال تحت الركام، مدن تنهار، جوع، موت، خوف، نشرات أخبار لا تكاد تنتهي كارثة فيها حتى تبدأ أخرى.
أصبح الإنسان يحمل العالم كله في راحة يده، وهذه ليست نعمة دائماً، أجدادنا لم يكونوا يعرفون، لحظة بلحظة، كل ما يحدث على الكوكب، أما نحن، فنستطيع أن نشاهد مأساة في طرف من العالم، ثم نمرر إصبعنا لنجد إعلاناً لحذاء، ثم وصفة طعام، ثم طفلاً يبكي تحت الأنقاض، ثم أغنية.
وربما في هذا التجاور نفسه شيء من بشاعة عصرنا: أن يصبح الألم جزءاً من تدفق الصور، وأن تتجاور المأساة والتسلية في شاشة واحدة حتى تتعب أرواحنا من دون أن نعرف لماذا.
ربما لهذا، حين فتح لنا الذكاء الاصطناعي باباً صغيراً نحو الثمانينات، دخلنا جميعاً. احتجنا، للحظة، إلى مكان آخر، إلى زمن تبدو صورته أكثر مرحاً، أكثر جنوناً، أكثر امتلاء بالألوان. وكأن الإنسان، حين يعجز عن الهرب من الحاضر بجسده، يرسل صورته بدلاً منه.
ولعل ما يغوينا أيضاً في صورة الثمانينات بساطة التكنولوجيا نفسها. نحن، بالطبع، نجمّل الماضي حين ننظر إليه من بعيد، ولم تكن تلك السنوات خالية من الحروب أو الأزمات أو المآسي. لكنها كانت زمناً لم تكن فيه الحياة معروضة على مدار الساعة. كان الهاتف مربوطاً بسلك، وحين نغادر البيت نصبح، فعلياً، خارج البيت. لم يكن ممكناً أن نلتقط سبعين صورة كي نعثر على واحدة نبدو فيها كاملين.
ربما لهذا بقيت الصور القديمة ناقصة وجميلة، لأن البشر فيها كانوا بشراً، لا مشاريع صور.
وغداً سينتهي هذا «التريند». ستأتي لعبة جديدة، وستختفي السترات العريضة والشعور المنفوشة والأقراط الكبيرة من صفحاتنا بالسرعة نفسها التي ظهرت بها. لكنني أظن أن شيئاً سيبقى من هذه الرحلة الجماعية الغريبة.
ففي أيام قليلة، وضعت شاشاتنا أمامنا صورتين متناقضتين لهذا العالم: طفلاً يحمل إناء لأنه يبحث عن شيء يأكله، وبالغين يغيرون ملابسهم ووجوههم رقمياً لأنهم يبحثون عن زمن آخر.
هو لم يختر زمنه، ونحن نحاول أن نهرب من زمننا.
وبين صورة حقيقية نتمنى لو لم تكن حقيقية، وصورة صنعها الذكاء الاصطناعي لزمن لم يعشه بعضنا أصلاً، ربما تختبئ حكاية عصر كامل.
عصر صارت فيه بعض الصور أقسى من أن ننظر إليها، فبدأنا نصنع صوراً أخرى نستطيع أن نحتملها.
كاتبة لبنانية