كتب نجيب محفوظ عددا من الأعمال التي ارتبطت في ذاكرة القارئ بفكرة الثلاثيات. فمنذ بدايات رحلته الأدبية كتب ثلاث روايات تاريخية مستوحاة من مصر الفرعونية، «عبث الأقدار»، «رادوبيس»، «كفاح طيبة»، ثم أتبعها بثلاثيته الأشهر «بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية». وعادة ما تقدم الثلاثيات الروائية حكاية متسلسلة تبدأ من نقطة معينة وتمضي في تطورها حتى تبلغ خاتمة، أو تترك سؤالا مفتوحا.
بعد ذلك، أصدر محفوظ العديد من الروايات والمجموعات القصصية، التي عكست التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع المصري، وترجمها عبر شخصياته الروائية، فجعل منها مرآة لرؤيته الفكرية وواقع المجتمع في مختلف مراحله. ومن أبرز التحولات الفكرية والنفسية في أعماله، القلق الوجودي؛ ذلك الشعور العميق بالاضطراب والفراغ الذي ينشأ من وعي الإنسان بحريته، وإدراكه حتمية فنائه، وعجزه عن العثور على معنى نهائي وواضح للحياة والكون، وهو من أبرز الأسس التي قامت عليها الفلسفة الوجودية. وتتجلى هذه المرحلة بوضوح في ثلاث روايات هي: «السمان والخريف»، «الطريق»، «الشحاذ». فعلى الرغم من أنها لا تشكل ثلاثية روائية بالمعنى التقليدي، فإنها تبدو كأنها ثلاثية فكرية تتوحد في سؤالها الوجودي، إذ يتتبع محفوظ فيها رحلة الإنسان في مواجهة القلق والاغتراب، وسعيه إلى العثور على معنى لوجوده ويقين يبدد حيرته.
الفلسفة الوجودية في مشروع محفوظ الروائي
درس نجيب محفوظ الفلسفة في الجامعة وكان شغوفا بها، وقد انعكس اهتمامه الفلسفي بوضوح في أعماله الروائية. وأذكر أنني، خلال إحدى رحلاتي إلى القاهرة، سألت أحد أصحاب المكتبات في سوق الأزبكية عن أبرز الكتب التي كان نجيب محفوظ يحرص على اقتنائها، ففاجأني بقوله، إن محفوظ كان يقرأ الكتب الفلسفية أكثر من أي نوع آخر. محفوظ لم يقدم الفلسفة بوصفها تنظيرا مجردا، بل صاغ أفكارها داخل شخصيات حية تعيش القلق والاغتراب والشك والبحث عن المعنى، وتميز مشروعه الإبداعي بقدرته على صهر الفكر الفلسفي في قالب روائي يجمع بين البساطة والعمق.
الثلاثية الفكرية.. ثلاث رحلات نحو المعنى
هي ثلاثية تختلف اختلافا كليا في الزمان والمكان والشخصيات والأحداث، وحتى في أوقات صدورها، لكنها تجتمع حول فكرة واحدة، هي البحث عن المعنى وسط عواصف الحياة. ومن اللافت أن صدور هذه الأعمال جاء متعاقبا؛ إذ صدرت «السمان والخريف» عام 1962، ثم الطريق عام 1964، وأخيرا الشحاذ عام 1965. ولا يكشف هذا التتابع الزمني عن ترتيب النشر فحسب، بل يعكس أيضا تطور اهتمام الراحل نجيب محفوظ بأسئلة الوجود والحرية والبحث عن المعنى، وهي الأسئلة التي تبلغ ذروتها الفنية والفكرية في رواية «الشحاذ».
«السمان والخريف»… سقوط الإنسان في الفراغ
فإذا ما وقفنا عند شخصية عيسى الدباغ في «السمان والخريف»، نراه إنسانا يرزح تحت وطأة القلق الوجودي وعبث الوجود، بعد أن فقد مركزه السياسي ومكانته الاجتماعية عقب الثورة وإحالته إلى المعاش. فقد كان يعيش في ظل نفوذ حزبه، مستفيدا من منصبه الوزاري وما وفره له من مكانة وحياة مريحة. يختار عيسى الهروب إلى الإسكندرية والعيش بعيدا عن الناس، لا بوصفه مجرما، وإنما بوصفه رجلا وجد نفسه فجأة خارج السرب، يجتر أحزان الماضي ويعيش حاضرا يراه عبثيا، فيما لا يكاد يرى للمستقبل معنى، حتى إنه يرفض الوظائف التي تُعرض عليه. وفي خضم ذلك، يبدأ رحلة البحث عن معنى لحياته بعدما فقد كل ما كان يمنحه الشعور بالقوة والأهمية، فتطارده أسئلة لم تكن تشغله من قبل: ما جدوى الحياة؟ وما دور الإنسان إذا فقد مكانته ونفوذه؟ وما المصير الذي ينتظره؟ وهكذا يصبح القلق الوجودي جزءا من نظرته إلى نفسه والعالم. وفي أحد حواراته يقول: «لعل فيها الشفاء من انقسام الشخصية التي أعانيها»، وهي عبارة تكشف انشطار هويته بين ماضٍ كان فيه سياسيا نافذا، وحاضرٍ فقد فيه مكانته بعد الثورة. ومن ثم فإن «انقسام الشخصية» هنا لا يُفهم بوصفه اضطرابا نفسيا، بقدر ما يعكس اغتراب الإنسان عن ذاته وانهيار هويته بعد سقوط العالم الذي كان يمنحه معنى وجوده.
ويختزل عيسى هذه الحالة بقوله: «ما أجمل أن يعيش الإنسان بعيدا عن منطقة الوعي»، في تعبير يكشف رغبته في الهروب من واقعه ومن الأسئلة الوجودية التي تثقل كاهله. ولا يقتصر هذا القلق على عيسى وحده، بل تنعكس أزمته أيضا على الشخصيات المحيطة به، التي تبدو في كثير من الأحيان مرآة لاغترابه وقلقه، وتسهم في تعميق رؤيته لعبث الحياة وفقدان اليقين.
«الطريق»… البحث عن الهوية والمعنى
في رواية «الطريق»، التي صدرت عام 1964، تتمحور أحداث الرواية حول حدث رئيس هو البحث عن الأب. وقد ذهب عدد من النقاد إلى أن رحلة صابر، الشخصية الرئيسة والمحورية في الرواية، يمكن قراءتها بوصفها رحلة للبحث عن الهوية والمعنى، وهما من أبرز القضايا الوجودية، التي يطرحها نجيب محفوظ. أما الاغتراب الوجودي الذي يعاني منه صابر، فيتجسد في ضياعه بين الإسكندرية والقاهرة؛ فالضياع هنا لا يُقرأ بوصفه انتقالا مكانيا فحسب، بل اغترابا وجوديا يعكس فقدان الهوية والحيرة في البحث عن الحقيقة.
إضافة إلى ذلك، فإن صابر لا يعاني من الضياع فحسب، بل من التردد أيضا، وهو أحد أبرز تجليات القلق الوجودي؛ لأن الإنسان يدرك أن كل اختيار يعني التخلي عن خيارات أخرى. لذلك نراه مترددا بين كريمة وإلهام، ولا يمثل هذا التردد مجرد صراع عاطفي، وإنما يعكس عجزا واضحا عن اتخاذ قرار يمنح حياته معنى كاملا. فيتأرجح بين الاستسلام لرغباته والبحث عن حياة مستقرة، غير قادر على حسم اختياره أو تحديد هويته. ويختصر الحوار الأخير بين المحامي وصابر جوهر القلق الوجودي في الرواية، إذ يجد صابر نفسه في مواجهة مباشرة مع نتائج اختياراته، بعد رحلة طويلة من الضياع والتردد والبحث عن المعنى، لتغدو مسؤولية الإنسان عن مصيره هي الخلاصة التي ينتهي إليها نجيب محفوظ.
«الشحاذ»… التمرد على الحياة والبحث عن اليقين
لا يعني عنوان رواية «الشحاذ» بالضرورة أن الشخصية الرئيسية تتحول إلى شحاذ بالمعنى المتعارف عليه، كما قد يظن بعض القراء، ومنهم كاتب هذه السطور قبل أن يفرغ من قراءة العمل. فشحاذ محفوظ ليس شحاذ المال، بل شحاذ المعنى واليقين والاستقرار. ومن هنا يدخلنا نجيب محفوظ، عبر شخصية عمر الحمزاوي، إلى صلب إشكالية القلق الوجودي والبحث عن اليقين.
يظهر الحمزاوي محاميا ناجحا، ثريا، وزوجا وأبا، يمتلك كل مقومات الحياة المستقرة، لكن هذا النجاح الخارجي لا ينعكس على عالمه الداخلي؛ إذ يشعر بفراغ روحي عميق، ويفقد اهتمامه بالعمل والبيت والحياة نفسها. يقول لصديقه: «إني أعيش في مقام السؤال، ولكن بلا جواب»، وهي عبارة تختصر أزمته الوجودية؛ فهو يبحث عن معنى وغاية تمنحانه الطمأنينة، من دون أن يعرف ما الذي يريده أو أين يجد ضالته. وينعكس هذا القلق على سلوكه، فيهجر عمله، ويكثر من التجوال والسهر، وينتقل من امرأة إلى أخرى، محاولا الهروب من اضطرابه الداخلي. ومع تقدم الرواية، يتفاقم اغترابه حتى يصل إلى العزلة والانفصال عن العالم، ويفقد الحماس والقدرة على الاستمتاع بالحياة. وهذه الحالة تشبه في بعض مظاهرها الاكتئاب والإنهاك النفسي، لكنها في الرواية ليست تشخيصا طبيا، بقدر ما هي نتيجة لتفاقم أزمته الوجودية وبحثه المستمر عن اليقين.
نهايات مفتوحة
ومن خلال شخصيات «عيسى الدباغ، وصابر، وعمر الحمزاوي»، سعى نجيب محفوظ إلى استكشاف أكثر الأسئلة إلحاحا في الوجود الإنساني؛ أسئلة تتعلق بالهوية، وجدوى الوجود، ومعنى الحياة والموت، والخير والشر، والذاكرة والخطيئة، والعلاقة بين الأسطورة والواقع، وبين الفلسفة والدين. وهي أسئلة حاصرت الإنسان عبر العصور، وازداد حضورها في مرحلة كانت من أكثر مراحل نجيب محفوظ تأثرا بالفكر الوجودي.
ولم تكن هذه الروايات محاولة لتقديم إجابات نهائية بقدر ما كانت سعيا إلى تفكيك التجربة الإنسانية، وكشف تناقضاتها، وفتح أبواب التأمل أمام القارئ. وهنا تكمن قيمة محفوظ؛ فهو لا يملي الحقيقة، بل يدفع القارئ إلى البحث عنها بنفسه.
ويلاحظ القارئ لهذه الثلاثية أنها اختتمت بنهايات مفتوحة وأسئلة لا تقدم إجابات جاهزة ونهائية، بل تترك الباب مفتوحا للتفكير وتأويل القراء، وتدفعهم إلى مواصلة البحث عن المعنى خارج حدود النص، وكأن الروايات لا تنتهي عند صفحاتها الأخيرة، بل تبدأ منها رحلة التأمل الحقيقية.
صحافي عراقي