الفنان الروسي فلاديمير كوش.. شاعر الاستعارة البصرية


تكشف تجربة الفنان الروسي فلاديمير كوش أن السريالية لم تنته بانتهاء جيلها التاريخي، لكنها لم تعد مضطرة إلى تكرار مفرداته أيضاً. لقد أخذ منها حرية الخيال، ومن الرسم الأكاديمي صرامة الصنعة، ومن الشعر طاقة الاستعارة، ثم حاول أن يصنع من هذه العناصر لغته الخاصة.
الطفل حين ينظر إلى السحاب لا يرى بخاراً متكاثفاً فحسب، بل يرى حصاناً، أو وجهاً، أو سفينة. الإنسان البالغ يفقد تدريجياً هذه الحرية تحت ضغط المعرفة والمنطق والعادة، بينما يحاول كوش أن يعيد إليه تلك العين الأولى، عيناً لم تتعلم بعد أن الأشياء يجب أن تبقى سجينة أسمائها. يؤدي الضوء في أعماله وظيفة الشريك في صناعة الحلم، إنه ضوء يجعل المستحيل قابلاً للتصديق. لعل هذه النقطة تحديداً، تفسر الراحة البصرية التي تمنحها لوحاته على الرغم من غرابتها. فالسريالية عنده نادراً ما تتحول إلى رعب. ثمة دائماً أفق مفتوح، وبحر، وضوء، ومسافة تقود العين إلى البعيد. لذلك تبدو الرحلة من الموضوعات الأساسية في عالمه: السفينة، الشراع، الأفق، الطيران، الطريق. لكنها ليست رحلة جغرافية فحسب، بل رحلة بين حالات الوجود، وبين المرئي والمتخيل. قد تكون أجمل طريقة للدخول إلى عالم فلاديمير كوش ألا نسأل أولاً: ماذا تعني هذه اللوحة؟ بل: كيف صنعت معناها؟ فاللوحة لديه لا تقدم رمزاً منفرداً ذا تفسير جاهز، وإنما تنشئ علاقة بين شيئين لم نتوقع اجتماعهما. وفي اللحظة التي تكتشف فيها العين تلك العلاقة تحدث الدهشة. لحظة تشبه اكتشاف الاستعارة الجميلة في الشعر. لذلك فالفنان، في جوهر تجربته، أقرب إلى شاعر يستخدم الأشكال بدلاً من الكلمات. يجمع عنصرين بصريين متباعدين ليولد منهما كائن ثالث لا ينتمي كاملاً إلى أي منهما.

هنا تكمن قوته، وربما مكمن الاعتراض عليه أيضاً. فبعض أعماله تقوم على فكرة بصرية واضحة وسريعة الالتقاط إلى درجة قد تجعل المشاهد يكتفي بحل اللغز. لذلك ليس مهماً أن نسأل: هل هو وريث سلفادور دالي؟ أم هو أفضل سريالي من بعده؟ السؤال الأكثر جدوى هو: ماذا أضاف كوش إلى اللوحة؟ الجواب باختصار: إنه جعل منها نافذة نطل منها على العلاقات الخفية بين أشياء العالم. هنا تحديداً تكمن شاعرية فلاديمير كوش: إنه لا يرسم الحلم بعيداً عن الواقع، بل يكشف مقدار الحلم الكامن في قلب الواقع نفسه. لهذا يصعب النظر إلى لوحات كوش بوصفها ألعاباً سريالية غايتها الإدهاش وحده. إن الدهشة عنده ليست نهاية الصورة، بل بدايتها، إنها الباب الذي يدخل منه المتلقي إلى المعنى. ولد فلاديمير كوش في موسكو عام 1965، وبدأ تعليمه في سن مبكرة، ثم تخصص في دراسة الفن في معاهدها، قبل أن تقوده تجربته إلى الولايات المتحدة في مطلع التسعينيات. هناك أخذت لغته البصرية تتبلور تدريجياً حتى أطلق على منهجه تسمية «الواقعية الاستعارية»، في محاولة منه للتمييز بين تجربته والسريالية التي ارتبطت بأسماء روادها.

بما تكمن المفارقة الأولى في تجربة كوش في أنه يرسم المستحيل بأقصى درجات الإقناع الواقعي. فالأشياء في لوحاته مرسومة بعناية أكاديمية: الضوء محسوب، والمنظور مقنع، والأحجام والظلال والملامس توحي بأنها تنتمي إلى عالم يمكن لمسه. غير أن العلاقات التي تجمع بينها تنسف منطق الواقع فجأة. هنا تبدأ لعبته الجمالية: واقعية الشكل، واستحالة الفكرة. إنه لا يهدم الواقع، بل يستعيره ليصنع منه واقعاً ثانياً. وفي كل مرة يعتمد كوش على التشابه الخفي بين شكلين متباعدين، ثم يقرّبهما حتى يصبح أحدهما امتداداً للآخر. من هنا جاءت كلمة «الاستعارة» في تعريفه لفنه. فما تفعله اللغة حين تقول مثلاً: إن الزمن نهر، أو إن الحياة رحلة، يفعله كوش بالصورة. إنه ينقل الاستعارة من الحقل اللغوي إلى المجال البصري. ليس غريباً أن يُستدعى اسم سلفادور دالي عند الحديث عن كوش، فثمة قرابة ظاهرة بين الاثنين في تحويل الأشياء المألوفة إلى تكوينات مستحيلة، فضلاً عن حضور الحلم والغرابة والمفارقة. لكن الوقوف عند التشابه قد يظلم الاثنين معاً. عند دالي تنبع الصورة في جانب كبير منها من عالم اللاوعي والهلوسة والرغبة والقلق، عالم تتشوه فيه الأجساد وتذوب الساعات وتتحول الأشياء إلى علامات نفسية ملتبسة. أما كوش فيبدو أكثر ميلاً إلى بناء الأحجية الشعرية. الصورة عنده أقل كابوسيّة، وأكثر صفاءً واحتفاءً بالطبيعة والضوء والبحر والسفر والحب. دالي يقلق العين، يربكها، بينما يوقظ كوش المخيلة. من هنا يمكن فهم إصراره على عدم الاكتفاء بصفة السريالي. فهو يرى أن منهجه «واقعي في التعبير، استعاري في الفكرة»، وأن اختلافه عن السرياليين الكلاسيكيين يكمن في هذا البناء المقصود للاستعارة الطبيعة. قاموسه: البحر، السماء، الأشجار، الأزهار، الفراشات، الأصداف، الجبال، الغيوم، الشمس والقمر. لكنه لا يرسم الطبيعة كما هي، إنه يبحث عن قرابة سرية بين أشكالها. ورقة النبات قد تشبه قلباً، والسحابة قد تستكمل شكل جبل، والفراشة يمكن أن تصبح شراعاً، والجذع يمكن أن ينفتح على مشهد آخر. كأن العالم، في نظره، ليس مجموعة أشياء منفصلة، بل شبكة هائلة من التشابهات. إنه يعيد للعين قدرتها الطفولية على رؤية الأشياء متحدة بأشياء أخرى.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *