أن تُروى قصة حب قد يكون أمرا عاديا، لكن أن تستعاد اللغة الرومانسية التي تتوافق ونبرة الحب فتعيد له شجنه وحلاوته العربيين، فذلك ما يستحق الوقوف عنده، لأن الزمن يتقدم وتتطور معه استعمالات اللغة، وفي غمرة ذلك يقف نص بعينه تتمايل فيه اللغة عبر تراكيب تقبس من «الإحياء» جزالة اللفظ وفصاحته ومن «الديوان» و«أبوللو» رشاقة اللغة وهي تهمس من قاموسها التراثي راقصة على معول التجديد في حاضر التعبير بها، ذلك أهم ما شد انتباهي وأنا أقرأ رواية «رياح القدر» لمولود بن زادي. هي الرواية الثانية بعد «أنجلينا/فتاة من النمسا»، إذ يوقع تحت العنوان في الأولى «مستوحاة من قصة واقعية» وفي الثانية «رواية سيرة»، وهذا يستدعي تأمل مسار الروائي، ربما يتساءل القارئ عن هذا التركيز على نسبة الحدث للذات؟ الأكيد أن للمتخيل دورا كبيرا في تحريك مسار السرد، لكن تسريبات السيرة الذاتية طاغية إلى درجة إشارته في «رياح القدر» في تنبيه بارز إلى أنه «تم تغيير أشياء وإضافة أشياء أخرى في هذه القصة للحفاظ على سرية هوية بعض الأشخاص فيها ولإضفاء طابع الرواية عليها».
الواقعية وشاعرية اللغة:
أعتقد أن مولود بن زادي يعتمد الواقعية والسيرة الذاتية لعدة أسباب وجيهة، أولها الغربة، فهو مهاجر في بريطانيا، ما يجعل الذاكرة في يقظة مستمرة للتعويض عن بعد المسافات عن الديار والأحباب. ثانيها استعمال اللغة المتفاعلة مع حدث يشعره قريبا ومرغوبا من القارئ، يريد أن يروي حكايته تنفيسا عن ذاته المغتربة، ويأمل في قارئ يشعر به، وهو ما يفسر جزالة اللفظ وفصاحته في كتاباته القريبة من أسلوب أدباء المهجر، حيث العنوان «رياح القدر» يكشف تلك النزعة الإنسانية الأسيانة التي تتقصد التعبير عن الذات وتعاطف القارئ. ثالثا تخصصه في الترجمة، فهو دارس لغات، والعلاقة مع اللغة من أساسيات الاشتغال عليها تُرْجُميا أو كتابة.
يتحرر طواعية سؤال اللغة والموضوع منذ التصفح الأول للرواية، فالقارئ المتشبع بالأدب الكلاسيكي يستعيد تلك اللغة الشاعرية التي كاد عصر التقنية والسرعة أن يأتي على ما تبقى منها، فتأتي «رياح القدر» لتمنح هذا القارئ فرصة يعيش خلالها اللغة من خلال توازنات المعنى والمبنى، أي بلاغة الفصاحة. أما من ناحية الموضوع، فكلما تشعب القارئ في تفاصيل القصة إلا وراوده سؤال: وهل مثل هذا الحب ما زال يحدث؟ رومانسية بأحزانها، آلامها وآمالها تعجن حبكة وتقدم حكاية عاشت وربما قابلة أن تعاش، ما دامت تفاصيلها واقعية، ففؤاد، الشخصية الرئيسة يحلم بأن «يصبح يوما كاتبا واقعيا يصف بؤس الناس وعذابهم ويصور معاناتهم وصراعهم من أجل الحياة والسعادة».
الرواية الوثيقة:
بعض النصوص تتطلب التصنيف حين تستجيب لبعض الخصائص، حيث وسمت رواية «غادة أم القرى» لأحمد رضا حوحو الصادرة عام 1947 بالرواية الوثيقة، لأنها تحيل إلى بدايات الرواية الجزائرية باللغة العربية. تعد «رياح القدر» من بواكير الإطلالات السردية محملة بلغة شاعرية تحرك مسار السرد وتقيم عمود الحكاية، فهي استعادية بالضرورة لمرحلة من مراحل الأدب العربي تم الاشتغال فيها على اللغة باعتبارها أداة الجمال، تستجيب لأساليب التواصل وتؤثر في الآخر عند مستوى التجديد في طبيعتها التراثية، فهي من هذه الناحية «رواية وثيقة»، لشهادتها على أسلوبِ لغةٍ استُعمل ثم هُجِر بدعوى التطور والحداثة، لكنها قدمت الدليل على أن الغربة بالنسبة للكاتب، أو الدوافع النفسية تؤدي بالكتابة إلى البحث عن ذاتها في لغةِ المشترك الأدبي التاريخي، الذي يحكم شرطها الأشد عتاقة وأناقة.
ما جمع فؤاد وأمل، هو ما يهفو إليه الوجدان من أملٍ في حبٍ إنسانيٍ لا يروم سوى اللقاء عند مشارف الفضيلة، تلك هي «المنفلوطية» المستعادة في إيقاع زمني مختلف، أهم ما يميزه الحب الخاطف الصريع على جدر النسيان واللامبالاة اللذين أسست لهما السرعة والتطور المدهش في التقنية، فكما أُنتِجت لغة مختصرة للرسائل الإلكترونية، فكذلك أُنتِج حب للقلوب المتسارعة.
في حوار بين السيميولوجي الإيطالي أمبرتو إيكو والمخرج السينمائي الفرنسي جان كلود كاريير حول الكتاب بنوعيه، وردت فكرة عن إيكو لتأكيد ديمومة مسار الكتاب الورقي مفادها، أنه يمكن اختفاء الإنترنت واستمرار الكتاب، تماما كما توقفت الرحلات على متن المنطاد بعد الحريق الذي تعرضت له «هيدنبرغ»، وكما توقفت طائرة «الكونكورد» عن الخدمة.
يبدو لي أن «رياح القدر» كُتبت لتقول إن اللغة في مستويات الجزالة والفصاحة والحب الذي يسعى نحو الفضيلة يستحيل أن تغرب شمسُهما في الأداء الأدبي، وحتى في التواصل، سواء كان حواريا عاديا أو إعلاميا، تماما كما هو عنوان كتاب الحوار الذي أجراه جان فيليب دو توناك بين إيكو وكاريير «لا تأملوا في التخلص من الكتب».
الحب الواقعي في زمن التحولات:
تعود وقائع الرواية إلى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، لقاء بين فؤاد وأمل يعقبه عبر سنوات فراق يؤدي بفؤاد إلى الهجرة، تتوالى العقبات تلو الأخرى في طريق هذا الحب، منها اكتشاف الرسائل المتبادلة بينهما وبحثه عن طريقة آمنة لاستلامها، واكتشافه أثناء ذلك أن الأمانة والثقة مفقودتان، فصديقه الذي أمنه على سره واتخذ من بيته عنوانا لرسائله، وجد هذه الأخيرة تصله مفتوحة. تقف الأم عقبة أمام هذا الحب خوفا على مستقبل ابنها الدراسي؛ فؤاد بالعكس كان طالبا متفوقا ولم تؤثر فورة الوجدان في مشواره الدراسي. يتم لقاءهما الأول عبر قدرٍ جاء بأمل إلى بيت فؤاد، يخلب منظرها قلبه، يجتهد في الاتصال بها، ثم تبدأ مسيرة الحب عبر الرسائل والهدايا، ويحدث اللقاء الثاني، وهو لقاء الوداع إذ بعده يُكتشف أمر أمل من قِبل أسرتها وتُمنع من الدراسة وتُقيد حريتها، بحيث لا يمكن لها أن تتواصل من جديد مع حبيبها، وتغيب رسائلها عنه إلى درجة يصيب فيها اليأس فؤاد ويظن أن أمل تخلت عن النضال من أجل هذا الحب. يغادر البلاد متوجها نحو أصقاع الغربة الباردة، وهناك سيكتشف أنها بعثث برسالة أخيرة تستنجد به لإنقاذ حبهما، لكن أمه أخفتها عنه ولم يعلم بذلك إلا من خلال أخته في المهجر بعد تأنيب ضميرها. حكاية كما كل حكايات الحب لكنها موسومة باستنادها إلى أحداث واقعية، وهو ما يبرر سؤال: وهل ما زال يحدث مثل هذا الحب؟
سوسيولوجيا الحب بوصفه كاشفا:
تقدم الرواية بعض الأدوات التي تساعد في التحليل السوسيولوجي لمرحلة في عمر الوطن، ربما يجري من خلالها تعرية بعض الخلل الذي وصل إليه المجتمع في تفككه وانحرافه عن القيم، أو في انحداره نحو هوة الإهمال. ففؤاد لا «يحب السفر بالأتوبيسات» «فالحافلات كانت في غالب الأوقات قديمة ومكتظة وغير منتظمة»، وهي مشاكل مستمرة إلى حد اليوم مع استحداث منظومة النقل، وحوادث الطرق التي تتعرض لها الحافلات خير شاهد على ذلك.
التفاوت الطبقي الذي يظهر في اختلاف طبيعة الأحياء؛ الثرية في مواجهة الفقيرة، وتأثير ذلك في العلاقات الاجتماعية وفي القيم، فتوفيق صديق فؤاد من عائلة ثرية يستهزئ بالحب العفيف، ويؤمن بالعلاقات العابرة التي لا ترى الحب قيمة، بل نزوة موضوعها أساسا الجسد.
مستوى الجامعة الراقي، من خلال أحداث الرواية، وخصوصا كلية اللغات التي انتمى إليها فؤاد، والمستوى الذي كانت عليه نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، والتنافس الذي يوصل الطالب إما إلى الترجمة الفورية، التي تتطلب مجهودا كبيرا، أو القبول بالترجمة الكتابية.
المناخ التعددي الذي كانت تعيشه الجامعة خصوصا وجود الأفارقة وبمستويات عالية في الدراسة، والصداقات التي تشكلت خلال الدراسة الجامعية، والتي كانت تتراوح وظيفيا على مستوى السرد بين العامل المساعد والعامل المعيق. فرانسواز، جان بيير وميشال، جميعهم أفارقة منتمين إلى كلية اللغات، ومجيدين للغة العربية. انبهر فؤاد بإجادتهم للعربية؛ تجيب فرانسواز فؤاد بأن العربية كانت لغة حضارة ولا أقل من ثلاثين دولة تتكلمها، لكنها تستغرب جفاء أهلها لها!
فرنسواز لم تذكر عرضا وإنما لقصدية سردية تبرز التفكك والانقسام الإثني في افريقيا، إذ أخبرت فؤاد بأنه يذكرها بحبيبها الذي باعدت بينهما المسارات، وتشتت حبهما، فبورندي دولة افريقية تتقاسمها أغلبية من قبيلة الهوتو ينتمي إليها حبيبها، وأقلية من قبيلة التوتسي التي تنتمي إليها، وهكذا كان هذا الاختلاف الإثني سببا في تمزق حبهما وانقطاعه.
انسلت «رياح القدر» على حينِ وعيٍ عميق بإشكاليات الواقع الذي تحكمه العلاقات العابرة غير المكرسة باعتبارها قيما يقوم عليها المعنى في المجتمع. تطرقت الرواية إلى الحب ليس باعتباره الثيمة الأساس، ولكن كموضوع كاشف لاختلالات متعددة من خلال العلاقات المتشعبة بين البطل والشخوص الثانوية، كالأفارقة والخال والخالة وإخوة فؤاد وأصدقائه، شبكة اجتماعية تناولتها الرواية كعينة لتختبر مدى صمودها أمام التغيرات والصدمات من خلال عنصر الحب.
كاتب جزائري