برلين- “القدس العربي”: غابت ألمانيا عن بيان أصدرته اثنتا عشرة دولة غربية، الثلاثاء، بشأن تقييد التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، في خطوة تعيد تسليط الضوء على الفجوة بين تحذيرات برلين من تدمير فرص قيام دولة فلسطينية وتحفظها على استخدام الضغط الاقتصادي ضد الاستيطان.
وأكد البيان، المنشور في الثامن من سبتمبر/ أيلول على موقع الخارجية الكندية، عزم الدول الموقعة إدخال قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة سلع المستوطنات، أو بحث هذه التدابير بصورة جدية وفق إجراءاتها الداخلية، كما أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا أنها ستقدّم إجراءات وطنية لحظر تجارة سلع المستوطنات.
وتشمل قائمة الموقعين، إلى جانب الدول الثلاث، الدنمارك وفنلندا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد.
ولا يعني الإعلان بدء حظر موحّد وفوري في جميع هذه الدول، إذ تختلف الالتزامات ومسارات التنفيذ بينها.
الاستيطان يدفع نحو إجراءات اقتصادية
وربطت الدول تحركها بتصاعد عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني، وخصّت بالذكر قرار طرح عطاءات مشروع «E1». واعتبرت أن سياسات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية تقوّض إمكان التوصل إلى حل الدولتين، وأكدت رفضها الخطوات التي ترقى إلى ضم الأراضي الفلسطينية والتهجير القسري لسكانها.
وكان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو قد أعلن عن بدء مسار لحظر منتجات المستوطنات، في ظل تعثّر الاتفاق على إجراء أوروبي مشترك، وهو تعثّر ربطته الوكالة أساساً بالاعتراض الألماني، ولم تكن التفاصيل التنفيذية والجدول الزمني للحظر الفرنسي قد اتضحت بعد.
ويكشف التحرك عن اتجاه بعض الحكومات إلى استخدام إجراءات وطنية، بينما يستمر الخلاف داخل الاتحاد الأوروبي حول سبل الضغط على إسرائيل.
وبالنسبة إلى برلين، يضع ذلك موقفها أمام مقارنة مباشرة مع شريكتين أوروبيتين رئيسيتين هما فرنسا وبريطانيا.
تحذير ألماني واضح… وتحفظ على العقوبات
ولا ينبع التباين من اختلاف معلن بشأن خطورة مشروع «E1». ففي مؤتمرها الصحافي الحكومي بتاريخ 19 أغسطس/ آب، أدانت الخارجية الألمانية طرح عطاءات لأكثر من ألف وحدة سكنية ضمن المشروع، وأكدت أن الاستيطان يخالف القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.
وحذرت الوزارة من أن تنفيذ المشروع سيقسّم الضفة الغربية فعلياً إلى قسمين، ويعزلها عن القدس الشرقية، بما يجعل حل الدولتين غير ممكن. كما طالبت إسرائيل بوقف المشروع والتوسع الاستيطاني، وأكدت رفض خطط الضم وعدم الاعتراف بتغييرات حدود عام 1967 إلا إذا اتفق عليها الطرفان.
لكن الموقف الألماني من العقوبات كان أكثر تحفظاً، فقد نقلت القناة الثانية الألمانية «تسي دي إف» في تغطيتها اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم 13 يوليو/ تموز، رفض برلين إجراءات مقترحة ضد الاستيطان، وتمسّك وزير الخارجية يوهان فاديفول بالمحادثات مع الحكومة الإسرائيلية.
كما اعتبر فاديفول أن تقييد واردات المستوطنات أو حظرها أوروبياً يحتاج إلى الإجماع، وهو موقف يعني عملياً أن اعتراض دولة عضو قد يمنع إقرار هذه التدابير، وفق عرض القناة.
خلاف على وسائل حماية الفلسطينيين
وفي السياق نفسه، أفادت إذاعة «دويتشلاند فونك» بأن اجتماع يوليو/تموز انتهى دون اتفاق، ونقلت انتقاد وزير خارجية لوكسمبورغ كزافييه بيتل تكرار النقاش بشأن الضغط على إسرائيل من دون التوصل إلى نتيجة.
وتكتسب هذه المواقف السابقة دلالة جديدة بعد بيان الثلاثاء، فالحكومات المشاركة تتحرك نحو تحميل النشاط الاستيطاني كلفة اقتصادية، بينما يظل غياب ألمانيا عن الإعلان لافتاً، خصوصاً أنها سبق أن وصفت نتائج المشروع الاستيطاني بلغة حاسمة.
ولا يثبت عدم التوقيع وحده أن برلين رفضت كل إجراء ورد في البيان، كما أن موقفها من مقترحات يوليو/ تموز لا يشكّل رداً تلقائياً على إعلان سبتمبر/ أيلول. لكنه يبرز سؤالاً سياسياً قائماً: ما الأداة التي ستستخدمها ألمانيا لترجمة تحذيراتها إلى أثر يمنع استمرار التوسع الاستيطاني؟
ويمثل هذا السؤال جوهر المأزق الألماني، فبرلين تحذّر من أن المشروع سيجعل الدولة الفلسطينية غير ممكنة، فيما تتجه دول شريكة إلى إجراءات تجارية لحماية ما تبقى من فرصها. وفي هذه المسافة بين التشخيص والتحرك، تصبح مصداقية الالتزام الألماني بحل الدولتين موضع اختبار عملي.