لندن- “القدس العربي”: نشر موقع شبكة “سي إن إن” تقريرا أعدته كيتي بو ليليز وزكاري كوهين، قالا فيه إن مسؤولي الاستخبارات والعسكريين يناقشون الوجود العسكري في الشرق الأوسط، وذلك في ظل حرب إيران والذكرى الـ25 لهجمات أيلول/سبتمبر 2001، حيث تتطلع الولايات المتحدة إلى استراتيجية أخرى لما بعد الهجمات.
ونقل الكاتبان عن ستة مصادر قولها إن مناقشات هادئة دارت في الآونة الأخيرة في مكاتب الجيش وأجهزة الاستخبارات حول خفض عدد الأفراد والمنشآت الموجودة عادة في الشرق الأوسط، في حال نجحت إدارة ترامب في إنهاء الحرب مع إيران.
وفي حالة نُفذت هذه التخفيضات، فسيمثل ذلك تحولا آخر في كيفية تعامل جهاز الأمن القومي الأمريكي مع منطقة سعى الرؤساء المتعاقبون إلى الخروج منها.
ففي أعقاب هجمات 9/11، وسعت الولايات المتحدة بشكل كبير شبكة قواعدها العسكرية والاستخباراتية الدائمة لخوض الحروب وشن الضربات في ست دول: العراق وأفغانستان وسوريا وإيران واليمن وليبيا.
في أعقاب هجمات 9/11، وسعت الولايات المتحدة بشكل كبير شبكة قواعدها العسكرية والاستخباراتية الدائمة لخوض الحروب وشن الضربات في ست دول: العراق وأفغانستان وسوريا وإيران واليمن وليبيا
إلا أن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت عن نقاط ضعف عميقة في البنية التحتية الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث أصبحت العديد من هذه المواقع أهدافا لهجمات إيرانية متكررة في حرب لا تحظى بشعبية، أسفرت عن مقتل 18 جنديا أمريكيا.
وأشار مسؤولون مشاركون في مناقشات غير رسمية داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات إلى أنهم يتصرفون الآن، وإن جزئيا، ويتوقعون ما سيتقبله رئيس متقلب المزاج، والذي لم يعلن، بحسب مصادر، عن استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب الحالية، مع أنه جاء إلى السلطة على أجندة وقف الحروب الأبدية وتقليص أعداد القوات الأمريكية في الخارج.
وأضاف الكاتبان أن هذه المناقشات تجري في الوقت الذي ينتشر فيه 50,000 جندي وعدد كبير من الأصول العسكرية في الشرق الأوسط، بما في ذلك حاملتا طائرات وأكثر من 12 مدمرة بصواريخ موجهة.
وقال أحد المصادر إن ضباط وكالة المخابرات المركزية الذين أُعيدوا إلى ديارهم خلال ذروة القتال في وقت سابق من هذا العام، يعودون إلى المنطقة.
إلى جانب هذا، يقوم الجيش الأمريكي بتقييم كيفية تعزيز دفاعاته لحماية القوات التي يتوقع بقاؤها في المنطقة، حتى بعد انتهاء الحرب.
ويشمل ذلك نقل بعض المنشآت إلى مواقع تحت الأرض لتحسين الدفاع ضد هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة، كتلك التي شنتها إيران خلال الحرب المستمرة منذ عدة أشهر، وذلك حسب مصدرين مطلعين على المناقشات. وأضافا أن البنتاغون ناقش مطولا نقل بعض القواعد العسكرية في المنطقة إلى تحت الأرض، إلا أن الفكرة اكتسبت أهمية ملحة بعد الأسابيع الأولى من الحرب، حين كشفت إيران عن مدى ضعف هذه القواعد أمام هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ.
وقال أحد المصادر، وهو مسؤول أمريكي: “كانت مكامن الضعف معروفة دائما، لكن الولايات المتحدة لم تتخذ أي إجراء عاجل حيالها”.
وأفاد مصدران بأن الجيش الأمريكي وضع عدة خطط محتملة لتغيير بنية القوات الأمريكية في الشرق الأوسط في أقرب وقت ممكن العام المقبل، مشيرين إلى أنه من غير المنطقي التخلي عن تلك المواقع الاستراتيجية لإطلاق الطائرات في ظل استمرار الصراع. وقد أحال مكتب وزير الدفاع الاستفسارات إلى القيادة المركزية الأمريكية، التي لم ترد على استفسار من شبكة سي إن إن قبل النشر. وامتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن التعليق.
وفي سياق النقاش الحالي، تتكرر وعود بالانسحاب من المنطقة، بعد 25 عاما من التدخل العسكري في الشرق الأوسط منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر.
وكان الجيش الأمريكي قد أكد حضوره العسكري في المنطقة، وبشكل ملحوظ في السنوات التي سبقت أحداث 9/11، حيث حافظ على انتشار نحو 27,000 جندي في الخدمة الفعلية في جميع أنحاء المنطقة بدءا من عام 1998، وهو عدد يفوق بكثير ما كان عليه في العقود السابقة.
وزاد هذا بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، مع توسع القاعدة الأمريكية لدعم الحرب في أفغانستان أولا، ثم العراق، ثم سلسلة متنامية من الصراعات لمكافحة الإرهاب في بؤر التوتر في أنحاء المنطقة.
وبعد عامين من هجمات 9/11، بلغ عدد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط حوالي 250,000 جندي خلال غزو العراق. ومع أن العدد تذبذب ما بين 2007 و2011، فإنه لم ينخفض قط عن نحو 100,000 جندي، وفقا للتقديرات المتاحة للجمهور.
في عام 2011، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، أن “موجة الحرب تتراجع” في أفغانستان، وأن الولايات المتحدة ستبدأ بسحب عشرات الآلاف من الجنود من هناك، مع أن الولايات المتحدة لم تنسحب بالكامل من أفغانستان إلا بعد عقد من الزمن. وفي العام نفسه، سحب أوباما القوات الأمريكية من العراق في محاولة لإخراج الولايات المتحدة من حرب ينظر إليها على نطاق واسع على أنها فاشلة. لكنه اضطر للعودة عندما أدى فراغ القوة الأمريكية، على الأرجح، إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية.
ورغم انخفاض إجمالي القوات الأمريكية في الشرق الأوسط في السنوات التي تلت عام 2011، إلا أنه ظل يتأرجح بين 30,000 و60,000 جندي.
رغم انخفاض إجمالي القوات الأمريكية في الشرق الأوسط في السنوات التي تلت عام 2011، إلا أنه ظل يتأرجح بين 30,000 و60,000 جندي
وكان التهديد الإيراني حاضرا في تلك الفترة، وذلك من خلال جماعاتها الوكيلة.
ورغم مناقشة المخططين حاليا خيارات لخفض محتمل في القوات، إلا أن الولايات المتحدة لا تبدو أقرب إلى التوصل إلى تسوية مع إيران توقف الحرب، حيث تواصل إيران استهداف القواعد والقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وشنت هجمات على منشآت أمريكية في الأردن والإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي، في أول تبادل لإطلاق النار بين الجانبين منذ نحو شهر.
ويؤكد مسؤولون أمريكيون أن الأضرار كانت جسيمة: فعلى سبيل المثال، دمرت قاعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) في الرياض، بالسعودية، تدميرا كاملا جراء هجوم إيراني، وفقا لمسؤول أمريكي وضابط استخبارات سابق.
ورغم محاولات مسؤولي البنتاغون التقليل من شأن هذه الأضرار، فقد تعرضت منشآت عسكرية أمريكية في البحرين وقطر والسعودية والكويت لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية، وتشير مصادر إلى أن الأضرار كانت بالغة. وبحسب مسؤولين أمريكيين، فقد درس بعض المسؤولين في سي آي إيه وقيادة العمليات الخاصة التابعة للجيش إمكانية تنفيذ المهام الحساسة نفسها دون الحاجة إلى قواعد دائمة: أي ترك الأفراد والمعدات في الولايات المتحدة وإرسالهم إلى الشرق الأوسط في مهام محددة، ثم عودتهم إلى الوطن. إلا أنه، وفي بعض الحالات، قد ترفض الحكومة الأمريكية ببساطة إعادة بناء الأصول التي تضررت بشدة أو دمرت جراء الهجمات الإيرانية، ويعود ذلك جزئيا إلى اعتبارات التكلفة، حسبما قال مسؤول ومصدران آخران مطلعان على المناقشات. وقد رفض مسؤولو البنتاغون علنا الإفصاح عما قد يعيدون بناءه.
ولكن مراقب حسابات البنتاغون، جولز “جي” هيرست، قال للصحافيين في نيسان/أبريل، إنه لم يتضح بعد حجم تكلفة إصلاح القواعد والمنشآت المتضررة من الحرب مع إيران، “ويتعلق الأمر بتقييم موقفنا في الشرق الأوسط”.
وأضاف هيرست لاحقا أن البنتاغون “لا يملك رقما نهائيا لحجم الأضرار التي لحقت بمنشآتنا في الخارج”، وأن الأمر يعتمد “على كيفية اتخاذنا قرار إعادة بنائها، أو ما إذا كنا سنعيد بناءها أصلا”.
وشرح مسؤولون بارزون في البنتاغون سرا أنهم يريدون تقليص وجود القوات العسكرية الأمريكية في العديد من دول الخليج كجزء من جهد أوسع لتحويل المزيد من العبء الدفاعي إلى الشركاء الإقليميين، وذلك حسب ثلاثة مصادر مطلعة على المناقشات. وتقول المصادر إنه لم تكن هناك عملية رسمية أو أمر مباشر لإجراء ما يعرف رسميا بمراجعة وضع القوة. بدلا من ذلك، يدرك المسؤولون في مختلف أقسام الجيش ووكالة المخابرات المركزية أنه حتى مع استمرار الجيش في مرافقة السفن عبر مضيق هرمز وشن هجمات على البنية التحتية الإيرانية والتهديد بضرب أهداف إضافية من شأنها أن تؤدي على الأرجح إلى تصعيد الحرب، فمن المعروف أن الرئيس دونالد ترامب يغير رأيه بسرعة.
ويقول ضباط سابقون ومؤرخون إن سي آي إيه كانت تبحث عن مهمة وقت هجمات 9/11: فقد سقط خصمها الرئيسي، الاتحاد السوفييتي. ورغم وجود عدد من المحللين العارفين بشؤون الإرهاب والشرق الأوسط، فإن عددهم كان قليلا. ويرجح جيفري روغ، مؤرخ الاستخبارات في جامعة تكساس في أوستن، أن عدد الموظفين في المنطقة كان بالمئات.
وبعد أحداث 9/11، تغير كل شيء. فقد كثفت الوكالة جهودها في التجنيد ووسعت نطاق كوادرها من الضباط شبه العسكريين الذين يحملون السلاح ويعملون بتعاون وثيق مع الجيش الأمريكي لملاحقة الجهاديين، وهو ما يتناقض مع الصورة النمطية لضابط العمليات، الذي كان يكلف بتطوير علاقات مع المصادر وجمع المعلومات السرية. لكن كلا المنظمتين شهدتا تقلبات وتراجعات في انخراطهما على مدى عقدين في منطقة تمنى رؤساء الحزبين في بعض الأحيان التخلص منها بشدة.
وقد سعى أوباما إلى هندسة “تحويل” للموارد العسكرية والاستخباراتية الأمريكية نحو آسيا، فيما صنفت إدارة ترامب، خلال ولايته الأولى، الصين كأكبر تهديد للولايات المتحدة في استراتيجيتها الأولى للأمن القومي. لكن كلمة “التحول” نحو آسيا أصبحت مثار سخرية في أوساط الأمن القومي، إذ استمرت الأزمات المتتالية والقرارات السياسية، بما في ذلك الصعود غير المتوقع لتنظيم الدولة وقرار ترامب في ولايته الأولى اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، بشكل جر الولايات المتحدة مرة أخرى إلى الشرق الأوسط.
وذكرت شبكة سي إن إن أن كبار القادة العسكريين الأمريكيين حذروا ترامب قبل فترة من أن خيارات القتال لتصعيد الحرب مع إيران لن تحقق أهدافها المعلنة، على الأرجح، حيث اختار الرئيس بدلا من ذلك تكثيف الضغط الاقتصادي على أمل إضعاف النظام.
لكن لا يوجد جدول زمني واضح للمدة التي قد تستغرقها هذه الاستراتيجية لتحقيق نتائج، ويعتقد العديد من المحللين أن القيادة الإيرانية الحالية قد تكون مستعدة لتحمل أشهر من المعاناة الاقتصادية، ومن غير المرجح أن تستسلم في المدى القريب.
وبشكل عام، يتوقع مسؤولو البنتاغون الإبقاء على بعض القواعد العسكرية الكبيرة والدائمة في المنطقة، لكن إعادة بناء هذه المنشآت قد تعتمد على استعداد الدولة المضيفة للمساهمة في التكلفة، والتي من المرجح أن تصل إلى مليارات الدولارات، وفقا لأحد المصادر. وأضاف المصدر أن العديد منها شيد في الأصل ومول من قبل الدولة التي وافقت على استقبالها.
وعلى المدى القريب، ستواجه القوات والقواعد الأمريكية في الدول المجاورة على الأرجح هجمات متواصلة من إيران.
وقال قائد البحرية الأمريكية الأسبوع الماضي إن الأفراد لن يعودوا إلى البحرين، المقر التقليدي للأسطول الخامس، “في أي وقت قريب”. وقال قائد العمليات البحرية، الأدميرال داريل كودل: “لن نعود إلى هناك في أي وقت قريب، أريد فقط أن أكون صريحا جدا في هذا الشأن”.