في ظل مخاوف تكرار سيناريو التشريعيات… سلطة الانتخابات في الجزائر تفتح نقاشا مع الأحزاب تحسبا للانتخابات المحلية


الجزائر- “القدس العربي”: أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات فتح نقاش مع الأحزاب السياسية حول الانتخابات المحلية المقبلة، في ظل حالة التخوف التي لا تزال تخيم على المشهد السياسي من تكرار سيناريو الانتخابات التشريعية الأخيرة، خصوصا ما تعلق بإشكالات الترشح والقوائم الانتخابية وظروف التنافس.

ويأتي هذا الانفتاح قبل أقل من ثلاثة أشهر من موعد انتخاب أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية، المقرر في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وبعد أسابيع قليلة من تشريعيات 2 يوليو التي شكلت نتائجها ونسبة المشاركة فيها محور انتقادات ومراجعات داخل عدد من الأحزاب.

وفي بيان لها، أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، تبعاً للمرسوم الرئاسي المتضمن استدعاء الهيئة الناخبة لانتخاب أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية، أنها قررت استقبال مختلف التشكيلات السياسية تباعا، وفق رزنامة تحددها، في إطار لقاءات ترمي إلى الاستماع إلى انشغالات الأحزاب والمتدخلين في العملية الانتخابية.

وأكدت السلطة أن هذه اللقاءات تندرج في إطار حرصها على “فتح مجال للاستماع لانشغالات مختلف الشركاء والمتدخلين في العملية الانتخابية”، لاسيما الأحزاب السياسية، باعتبارها “طرفاً أساسياً وشريكاً فاعلاً في المسار الانتخابي”.

ويأتي فتح هذا النقاش في وقت بدأت فيه الأحزاب، منذ الإعلان عن موعد الانتخابات المحلية، في التحضير للمشاركة مع استحضار تجربة التشريعيات الأخيرة وما رافقها من ملاحظات حول القوائم والمترشحين والعملية الانتخابية عموما.

وكانت جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس) من أبرز الأحزاب التي وضعت الانتخابات المحلية في صلب نقاشها الداخلي. وقال الأمين الوطني الأول للحزب، خلال افتتاح أشغال الدورة العادية للمجلس الوطني يوم 4 سبتمبر، إن المرحلة الراهنة ينبغي أن توجه أساسا نحو التحضير للاستحقاقات المحلية المقررة في 28 نوفمبر.

وربط الأفافاس وفق تصريحات أمينه الأول يوسف أوشيش، مشاركته في الانتخابات المحلية بضرورة استخلاص الدروس من تشريعيات 2 يوليو، معتبرا أن النتائج التي أفرزتها الأخيرة لا ينبغي قراءتها من زاوية الأرقام فقط، وإنما باعتبارها مؤشراً على طبيعة العلاقة القائمة بين المواطن والمؤسسات.

وقال مسؤول الحزب إن العزوف الانتخابي الواسع يمثل “إنذاراً سياسياً” ينبغي التوقف عنده، محذراً من أن استمرار الابتعاد عن السياسة وتضييق مجالات المشاركة من شأنه تعميق فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

وبخصوص الانتخابات المحلية تحديداً، دعا الأفافاس السلطة إلى عدم إعادة إنتاج ما وصفه بسيناريو الانتخابات التشريعية، خصوصاً من خلال “عمليات تطهير أو تدخلات تعسفية في القوائم الانتخابية”، معتبراً أن مثل هذه الممارسات، بحسب موقفه، لن تؤدي إلا إلى تعميق العزوف وتعزيز الإحباط لدى المواطنين.

ولا يقتصر طرح الأفافاس على شروط تنظيم الانتخابات، إذ يربط الاستحقاق المحلي بإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجالس المنتخبة. ودعا الحزب إلى مراجعة عميقة لقانوني البلدية والولاية، ومنح المنتخبين المحليين صلاحيات فعلية وموارد مالية كافية وقدرة حقيقية على اتخاذ القرار، بعيداً عما وصفه بالوصاية الإدارية المفرطة.

ويعتبر الحزب أن الانتخابات المحلية ينبغي أن تكون فرصة لـ”استعادة المواطنية” وإعادة الفعل السياسي إلى مستواه الأقرب للمواطن، معلناً في الوقت نفسه رغبته في تثبيت مواقعه والحفاظ على معاقله وتوسيع حضوره على المستوى الوطني.

من جهته، وضع حزب جيل جديد الانتخابات المحلية في قلب البيان السياسي الصادر عن مجلسه الوطني في دورته العادية الحادية والثلاثين، المنعقدة في 5 سبتمبر، معتبرا أن استحقاق 28 تشرين الثاني/ نوفمبر لا ينبغي أن يكون “انتخابات إضافية”، وإنما فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والشأن العام.

وانطلق الحزب في موقفه من قراءة نتائج التشريعيات الأخيرة، معتبراً أن المشاركة الضعيفة فيها تمثل “تحذيراً سياسياً”، وأن ابتعاد المواطن عن صناديق الاقتراع لا يعود، حسب تقديره، إلى اللامبالاة فقط، وإنما إلى تشكيك متزايد في قدرة الصوت الانتخابي على إحداث تغيير فعلي.

ويطالب جيل جديد بأن تكون الانتخابات المحلية تنافساً بين المشاريع والكفاءات، بعيداً عن المحاباة وشبكات النفوذ والوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. ويؤكد أنه يريد تقديم مرشحين يكونون قادرين على معرفة أقاليمهم والاستماع إلى المواطنين وتحمل مسؤولية التسيير وتقديم الحصيلة.

وفي الجانب التنظيمي، شدد الحزب على ضرورة أن تكون القواعد الانتخابية واحدة بالنسبة إلى جميع المتنافسين، مطالبا بحياد الإدارة والمساواة في المعاملة والشفافية وتكافؤ فرص التنافس واحترام التعددية السياسية.

كما وجه الحزب رسالة مباشرة إلى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، داعيا إياها إلى ممارسة مسؤولياتها باستقلالية وحياد وشفافية، من إعداد القوائم الانتخابية إلى إعلان النتائج. ويرى أن مصداقية الانتخابات لا تتوقف على يوم الاقتراع، وإنما تبدأ من طريقة إعداد القوائم وشروط قبول الترشحات وتنتهي بإعلان النتائج.

أما حزب العمال، بقيادة لويزة حنون، فقد ذهب أبعد من النقاش المتعلق بشروط تنظيم الاقتراع، إذ شكك في ملاءمة توقيت الانتخابات المحلية بالنظر إلى الظروف الاجتماعية والإنسانية التي تمر بها البلاد.

واعتبرت حنون أن استدعاء الهيئة الناخبة للانتخابات المحلية طرح داخل الحزب تساؤلات حول كيفية تنظيم الحملة الانتخابية بالتزامن مع عمليات التضامن والتكفل بالعائلات المتضررة من حرائق الغابات، خصوصاً في الولايات التي خلفت فيها الحرائق خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وقال حزب العمال إن الظرف الحالي كان يستدعي، في تقديره، إعادة النظر في موعد الانتخابات، موضحاً أن انشغالات المواطنين لا تتوقف عند آثار الحرائق، وإنما تشمل أيضاً ارتفاع أسعار الخضار والفواكه والقدرة الشرائية والدخول الاجتماعي والمدرسي.

وتساءلت حنون، في هذا السياق، عن قدرة البلديات المتضررة من الحرائق على تنظيم الاقتراع في ظل الظروف التي تعيشها. وأشارت إلى أن 18 بلدية من أصل 28 في جيجل مستها الحرائق الأخيرة، معتبرة أن هذه البلديات تحتاج، في المرحلة الحالية، إلى مواصلة التكفل بالعائلات المتضررة والمنكوبة، خاصة مع اقتراب الدخول الاجتماعي المقبل.

كما ربطت حنون موقف حزب العمال من الانتخابات المحلية بما ستؤول إليه التحقيقات المتعلقة بالتشريعيات، مشيرة إلى استمرار شغور مقعدين في المجلس الشعبي الوطني وانتظار الحزب نتائج التحقيقات ذات الصلة.

ويضع هذا النقاش السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أمام اختبار جديد، خصوصا أن الانتخابات المحلية ستكون أوسع من حيث عدد المجالس والمترشحين والدوائر الانتخابية، كما أنها تجري في سياق سياسي لم تُغلق فيه بعد تداعيات تشريعيات 2 يوليو، إذ تبدو الأحزاب مهتمة ليس فقط بضمان تنظيم الاقتراع، وإنما أيضا بالضمانات التي تحيط بمختلف مراحله.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *