نواكشوط – «القدس العربي»: لم يعد السؤال المطروح على الطبقة السياسية الموريتانية هو ما إذا كان الحوار الوطني سينطلق، بقدر ما أصبح متعلقًا بقدرة أطرافه على حماية التفاهمات التي أوصلته إلى عتبة الانطلاق.
فبعد أشهر من المشاورات التي انتهت إلى خريطة طريق ودليل إجرائي، برزت عند تشكيل لجنة الإشراف أولى الاختبارات العملية: هل ستظل القواعد والمعايير التي جرى التوافق عليها ثابتة، أم سيعاد التفاوض بشأنها كلما انتقل المسار من مرحلة إلى أخرى؟
وقد برز هذا السؤال خلال اجتماع منسق الحوار الوطني موسى فال مع ممثلي الأقطاب السياسية، الذي خصص لمناقشة تشكيل لجنة الإشراف وآليات اختيار أعضائها، في خطوة يفترض أن تنقل العملية من مرحلة المشاورات التمهيدية إلى التحضير المباشر لجلسات الحوار.
ويأتي الاجتماع التمهيدي امتدادًا لمسار سياسي بدأ بإعلان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني انفتاحه على تنظيم حوار وطني شامل، وإسناد مهمة المشاورات التمهيدية إلى موسى فال، الذي أجرى لقاءات واسعة مع الأحزاب السياسية والشخصيات والقوى المدنية.
وكان الرهان منذ البداية تفادي مصير تجارب الحوار السابقة التي ظلت موضع خلاف بين السلطة والمعارضة، سواء بسبب المقاطعة أو الخلاف حول الضمانات والنتائج. ولذلك استغرقت المرحلة التمهيدية وقتًا طويلًا، وتركز النقاش خلالها على المشاركين والموضوعات والضمانات وآليات إدارة الحوار.
وانتهت هذه المرحلة في 15 يوليو/تموز الماضي بالتوقيع على خريطة طريق ودليل عملي لتنظيم الحوار، شاركت في التفاهم حولهما أطراف من الأغلبية والمعارضة، بينها حزب الإنصاف، وحزب «تواصل» (الإسلاميون)، واتحاد قوى التقدم وتكتل القوى الديمقراطية.
ومع تعيين موسى فال لاحقًا في منصب منسق الخحوار بقرار من طرف الرئيس الغزواني، دخل المسار مرحلة جديدة يفترض أن تتحول فيها التفاهمات السياسية إلى ترتيبات عملية.
المفارقة أن أول اختبار بعد توقيع خريطة الطريق لم يتعلق بملفات الحكم أو الانتخابات أو الإصلاحات الدستورية، وإنما بعدد أعضاء لجنة الإشراف نفسها.
وحسب المعلومات المتداولة عن الاجتماع، طرح موسى فال إمكانية توسيع اللجنة، وهو مقترح أيده رئيس حزب الإنصاف محمد ولد بلال، بينما تمسك عدد من ممثلي المعارضة بالصيغة التي جرى الاتفاق عليها سابقًا، والقاضية بتشكيل لجنة إشراف من عشرين عضوًا.
وبالنسبة إلى المعارضة، لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف حسابي حول عدد المقاعد، وإنما بقيمة الاتفاق ذاته؛ فقبول تعديل تفاهم حديث العهد قد يفتح، من وجهة نظرها، الباب أمام إعادة مناقشة تفاهمات أخرى عندما يصل الحوار إلى الملفات الأكثر حساسية.
ومن هنا تأخذ المسألة بعدًا سياسيًا يتجاوز حجم اللجنة: فالمعارضة تريد تحويل خريطة الطريق إلى مرجعية ثابتة، بينما تبدو الأغلبية أكثر انفتاحًا على تكييف بعض ترتيباتها إذا اقتضت الحاجة توسيع المشاركة.
وبالتوازي مع الخلاف التنظيمي، دخل ملف سياسي وأمني على خط الحوار، بعد توقيف اللواء المتقاعد لبات ولد فياه ولد المعيوف، القيادي في حزب «موريتانيا إلى الأمام».
وأعلن الحزب تعليق مشاركته في الأنشطة التحضيرية احتجاجًا على استمرار توقيف معيوف، فيما اعتبر رئيسه نور الدين محمدو أن القضية ينبغي أن تعرض رسميًا على الأطراف المشرفة على الحوار.
واكتسب الموقف أهمية إضافية بسبب تولي ولد محمدو الرئاسة الدورية لقطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية؛ ومع ذلك، شارك في الاجتماع الأخير بعد اتصالات داخل المعارضة، في مؤشر على رغبة أطرافها في إبقاء الاحتجاج قائمًا من جهة، وعدم تحويل القضية في الوقت الراهن إلى سبب لتعطيل المسار برمته من جهة أخرى.
وتكشف هذه المعادلة عن حسابات دقيقة؛ فالانسحاب قد يمنح الحزب ورقة احتجاج قوية، لكنه قد يعني في المقابل ترك الآخرين يحددون قواعد المرحلة المقبلة.
ومهما بدا النقاش حول لجنة الإشراف مهمًا، فإنه يظل مقدمة لقضايا أكثر تعقيدًا. فالحوار المنتظر يأتي في سياق تتداخل فيه مطالب إصلاح النظام الانتخابي وتعزيز الحكامة ودولة القانون والحريات، مع قضايا الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية والتوازن بين المؤسسات وموقع المعارضة داخل النظام السياسي.
كما أن النقاش الذي عرفته البلاد حول المأموريات الرئاسية أضفى حساسية خاصة على أي ملف دستوري، رغم إخراج بند متعلق بالمدد الرئاسية من التفاهمات التمهيدية، وهو ما ساعد آنذاك على تجاوز إحدى العقبات أمام توقيع خريطة الطريق.
وفي موازاة الخلافات المتعلقة بهندسة لجنة الإشراف، بدأ يتبلور نقاش آخر حول طبيعة الملفات التي سيطرقها الحوار وحدود التفويض السياسي الممنوح له.
وفي هذا السياق، طرح المحامي البارز الأستاذ السالك ولد اباه، في مقال بعنوان «كل تأخير فيه خير»، تساؤلات بشأن عدد من القضايا المتداولة ضمن أجندة الحوار، خصوصًا ملفات الهوية واللغة وآثار أحداث الماضي والترخيص لبعض القوى السياسية.
ويرى ولد اباه أن تأخر انطلاق الحوار ربما أتاح فرصة لإعادة طرح أسئلة حول من يحدد أولوياته ومدى تعبيرها عن المزاج الشعبي، مستحضرًا في هذا السياق بروز الدعوات إلى مأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ومعتبرًا أن الحوار ينبغي أن يستمع إلى التحولات الجارية في الشارع، بدل أن ينطلق من أجندة سياسية معدة سلفًا، وفق قراءته.
كما حذر المحامي من أن معالجة القضايا اللغوية والتاريخية الحساسة ينبغي ألا تتحول إلى إعادة فتح ملفات سبق أن عولجت سياسيًا وقانونيًا، أو إلى مسار يعيد طرح ثوابت الهوية الدستورية للدولة.
ولا يتوقف هذا الطرح عند مضمون الملفات، بل يمتد إلى إشكالية أعمق تتعلق بالطبيعة الملزمة لمخرجات الحوار؛ إذ تساءل اباه عن الأساس الذي يمكن أن يمنح تفاهمًا سياسيًا سلطة إلزام الدولة ومؤسساتها، معتبرًا أن اتساع التمثيل السياسي لا يجعل الحوار بديلًا عن المؤسسات الدستورية، ولا يمنح مخرجاته تلقائيًا مرتبة تعلو الدستور والقانون.
إلى جانب الخلافات السياسية، يفرض عامل الوقت نفسه بقوة على المسار؛ فقد اتفقت الأطراف، وفق المصادر، على حسم تشكيل لجنة الإشراف قبل 20 أيلول/سبتمبر الجاري، واستكمال مجمل التحضيرات قبل أكتوبر/تشرين الأول القادم، ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان الحوار سيدخل مرحلته الفعلية وفق البرنامج المنتظر أم ستؤخره الخلافات الإجرائية.
وفي النهاية، قد يبدو الخلاف حول عدد أعضاء لجنة الإشراف تفصيلًا صغيرًا مقارنة بالملفات الكبرى المنتظرة، لكنه يحمل دلالة سياسية أكبر: هل ما تتفق عليه الأطراف يصبح قاعدة ثابتة، أم يظل قابلًا لإعادة التفاوض؟