متابعة/المدى
امتناع فانس عن كشف موقف واشنطن من تسليح معارضي طهران يثير احتمال نقل المواجهة إلى الداخل الإيراني، لكن انقسام المعارضة وتجارب التخلي الأميركي عن الحلفاء يضعان هذا الرهان موضع شك.فتح نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس باباً جديداً في المواجهة مع إيران، بعدما امتنع عن توضيح ما إذا كانت واشنطن تدرس تسليح المعارضة الإيرانية، مؤكداً أن «جميع الخيارات مطروحة».
وجاء تصريح فانس رداً على سؤال خلال إيجاز صحفي في البيت الأبيض، الخميس، وفق ما نقلته “شبكة CNN”. وقال إنه لن يكشف علناً الكيفية التي ستتعامل بها الإدارة الأميركية مع إيران، مشيراً إلى أن أدوات الضغط تشمل الخيارات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والسرية.
ولا يمثل التصريح إعلاناً أميركياً رسمياً عن قرار بتسليح المعارضة، لكنه يثير احتمال انتقال واشنطن من استهداف قدرات الدولة الإيرانية إلى محاولة التأثير في تماسكها الداخلي.معارضة متعددة ومشاريع متباينةلم يحدد فانس الفصائل التي قد يشملها أي دعم محتمل، كما لا يعني الحديث عن المعارضة الإيرانية حصر الرهان بالقوى الكردية.
وتوجد قيادات وقواعد لتنظيمات كردية إيرانية في إقليم كردستان العراق، إلى جانب شبكات داخل المناطق الكردية في إيران. وفي شباط/فبراير الماضي، تشكل تحالف ضم قوى من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني و«كومله» و«بيجاك»، بهدف تنسيق العمل السياسي والعسكري.
لكن الساحة الإيرانية تضم جماعات أخرى، فالبلوش يشكلون غالبية سكان سيستان وبلوشستان جنوب شرقي البلاد، وتمتد مناطق وجودهم إلى باكستان وأفغانستان. كما تضم إيران آذريين وعرباً وأقليات أخرى لها مطالب وخلفيات مختلفة.ويجعل هذا التنوع من الصعب جمع قوى المعارضة في مشروع سياسي وعسكري موحد، إذ تختلف أهدافها وتحالفاتها ونظرتها إلى مستقبل الدولة الإيرانية.
بعد خارجي وآخر داخليلا يمكن قراءة تصريح فانس بوصفه إقراراً بفشل القوة العسكرية الأميركية، لكنه يكشف بحث واشنطن عن أدوات إضافية بعدما دخلت المواجهة مرحلة استنزاف متبادل.وتواصل الولايات المتحدة استخدام العقوبات والحصار والضغط العسكري، فيما لم تُجبر هذه الأدوات القيادة الإيرانية حتى الآن على القبول بالشروط الأميركية.
وفي المقابل، تواصل طهران استهداف المصالح الأميركية وحركة الملاحة التجارية في الخليج.وخلال الإيجاز نفسه، قال فانس إن واشنطن لن تتفاوض مع إيران ما دامت تستهدف السفن التجارية، وإن إنهاء المواجهة يتطلب وقف الهجمات في مضيق هرمز، بحسب “وكالة رويترز” .
وقد يكون تسليح المعارضة، إذا انتقلت واشنطن من التلويح إلى التنفيذ، محاولة لإضافة بعد داخلي إلى الضغط الخارجي. فدعم جماعات مسلحة يمكن أن يجبر طهران على توزيع قواتها ومواردها وتعزيز الأمن الداخلي، بدلاً من تركيز قدراتها على مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية مع تحول الرد الإيراني إلى استهداف دول الخليج والممرات التجارية، في محاولة لرفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها. وقد ترى الإدارة الأميركية أن فتح جبهة داخلية يفرض على إيران معادلة معاكسة، تجعلها تدفع جزءاً من ثمن المواجهة داخل حدودها.
مخاطر الفوضى والانقساملا تمتلك المعارضة الإيرانية، بوضعها الحالي، قيادة وطنية موحدة أو قاعدة عسكرية وسياسية قادرة على تحويل الدعم الخارجي إلى تغيير سريع.
وحتى داخل القوى الكردية توجد اختلافات في الأهداف والبنية والتحالفات، فيما تحمل جماعات البلوش والعرب والآذريين مطالب متباينة يصعب دمجها في مشروع واحد.
وقد يحقق تسليح المعارضة مكاسب تكتيكية، من خلال تشتيت القوات الإيرانية وزيادة كلفة الأمن الداخلي، لكنه قد يدفع النظام أيضاً إلى توسيع القمع وتعبئة الرأي العام ضد ما سيصفه بتدخل أجنبي يستهدف وحدة البلاد.
كما أن انتشار السلاح بين جماعات متعددة قد يحول المواجهة من صراع بين دولتين إلى نزاعات قومية ومذهبية يصعب احتواؤها. وتقدم ليبيا مثالاً على مخاطر إضعاف السلطة المركزية من دون وجود بديل سياسي موحد، إذ أدى تعدد الجماعات المسلحة بعد سقوط معمر القذافي إلى تفكك مؤسسات الدولة واتساع الصراع على النفوذ.
ولا يعني ذلك أن إيران ستكرر المسار الليبي، نظراً إلى اختلاف بنية الدولة ومؤسساتها، لكن غياب قيادة بديلة يرفع احتمالات الفوضى إذا أُضعفت السلطة المركزية من دون اتفاق سياسي شامل.
أزمة ثقة بواشنطنتواجه أي محاولة أميركية لاستقطاب جماعات إيرانية مسلحة أزمة ثقة بسبب تجارب سابقة شعرت فيها قوى محلية بأن واشنطن تخلت عنها عندما تغيرت حساباتها.
وتبرز قوات سوريا الديمقراطية مثالاً في هذا السياق، بعدما حظيت بدعم أميركي واسع خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، قبل أن تدفعها التحولات الإقليمية وتبدل الأولويات الأميركية إلى الدخول في تفاهمات مع السلطة السورية والتنازل عن جانب من مكاسبها.
وقد تجعل هذه التجربة الفصائل الإيرانية أكثر حذراً، خشية تحول الدعم الأميركي إلى ورقة تفاوض يجري التخلي عنها ضمن صفقة سياسية أو أمنية أوسع.
ويبدو تصريح فانس، حتى الآن، رسالة ضغط أكثر منه قراراً بتسليح المعارضة. لكنه يكشف أن واشنطن تبحث عن وسائل تجعل إيران تدفع كلفة إضافية داخل حدودها.
ويبقى السؤال الأساسي متعلقاً بقدرة المعارضة على تحويل أي دعم خارجي إلى ضغط سياسي منظم، من دون أن ينتهي الأمر بفوضى مسلحة جديدة يصعب على واشنطن أو غيرها التحكم في مسارها.
المصدر: وكالات