طهران – «القدس العربي»: عادت العلاقات بين إيران والصين في الأيام الأخيرة إلى الواجهة مجدداً وأصبحت مثار جدل. وخلال زيارة مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية الإيرانية، إلى مدينة بيشكيك في قرغيزستان للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي، لم يُعقد لقاء رسمي بينه وبين شي جين بينغ، رئيس جمهورية الصين، واقتصر الأمر على لقاء ومحادثة قصيرة وقوفاً على هامش الاجتماع.
وقد أدى هذا الأمر إلى قيام معارضي الحكومة في إيران بتوجيه انتقادات شديدة إليها، بالتزامن مع طرح تكهنات بشأن طبيعة العلاقات بين إيران والصين.
واعتبر حشمت الله فلاحت بيشه، النائب الإيراني السابق والرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، أن طريقة التعامل هذه تمثل مؤشراً على وجود فجوة بين مستوى «الشراكة الاستراتيجية» المعلن بين طهران وبكين وبين السلوك العملي للصين. في المقابل، لا يزال المسؤولون الإيرانيون الرسميون يؤكدون الطابع الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين.
وكتب حميد رسائي، النائب المحافظ في البرلمان الإيراني، في نص انتقادي: «للأسف، مرّت الفرص القيّمة التي أتاحها حضور الوفد رفيع المستوى للجمهورية الإسلامية الإيرانية في قمة شنغهاي، بسبب انشغال الوفد المرافق وإضاعة الوقت، وغياب التخطيط، والانشغال بعلييف، والتصريحات المتوسلة والمتكررة لرئيس الجمهورية بشأن الاستعداد للتفاوض مع الولايات المتحدة، كما أن الرئيس الصيني شي جين بينغ لم يمنح بزشكيان وقتاً للقاء؛ لأنه، رغم افتتان رئيس جمهوريتنا بأمريكا المجرمة، لا يرى في شخصه أي دافع إيجابي للتعاون والتقارب مع الصين».
كما تصاعدت حدة الجدل بعد طرح حسين مرعشي، الناشط السياسي الإصلاحي النافذ، ادعاءً بشأن «شروط الصين» لزيارة محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى والمسؤول عن الملف الصيني، إلى بكين. وهي تصريحات نفاها مكتب قاليباف، لكنها أدت إلى موجة من التصريحات وردود الفعل.
الشروط الأربعة للصين
في سياق هذا الجدل، ادعى حسين مرعشي، الأمين العام لحزب كوادر البناء (الإصلاحي)، في مقابلة مع موقع «إكوإيران» الإخباري، أن بكين وضعت أربعة شروط لزيارة محمد باقر قاليباف، الممثل الخاص لإيران في الشؤون الصينية، ولتطوير العلاقات بين طهران وبكين.
وبحسب رواية مرعشي، تطالب الصين بإعادة فتح مضيق هرمز، وعدم فرض رسوم على السفن العابرة، وحل الخلافات بين إيران والمملكة العربية السعودية، وحل المشكلات بين طهران وواشنطن. ووفقاً لادعاء مرعشي، قال الصينيون إنه بعد تحقيق هذه الأمور، يمكن لقاليباف زيارة بكين.
وقد اكتسب هذا الادعاء أهمية خاصة، لأن قاليباف، وهو مسؤول إيراني قوي يتولى في الوقت نفسه رئاسة البرلمان وقيادة الفريق الإيراني المفاوض مع الولايات المتحدة، عُيّن خلال الأشهر الأخيرة ممثلاً خاصاً لإيران في الشؤون الصينية. وبموجب ذلك، أُعلن أن مهمته تتمثل في متابعة العلاقات بين طهران وبكين، بما في ذلك تنفيذ اتفاقية التعاون الممتدة لـ25 عاماً. ومع ذلك، فإنه لم يسافر إلى الصين حتى الآن بهذه الصفة.
لكن هذه الرواية قوبلت برد سريع من مكتب قاليباف؛ فقد أعلن مكتب الممثل الخاص لإيران في الشؤون الصينية، في بيان، أن نسبة مثل هذه الشروط إلى الصين والادعاء بأن زيارة قاليباف وتطوير العلاقات بين البلدين مشروطان بهذه الأمور، «لا أساس لهما من الصحة».
وأكد المكتب أيضاً أن العلاقات بين طهران وبكين تُتابع على أساس «الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والشراكة الاستراتيجية الشاملة»، وأن التعاون بين البلدين مستمر في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية.
كما نفى مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية، في حديث مع وكالة «إرنا»، الادعاء بأن الصين طرحت شروطاً للعلاقات الثنائية.
حسين مرعشي، الناشط الإصلاحي والأمين العام لحزب كوادر البناء النافذ، هو شقيق زوجة أكبر هاشمي رفسنجاني، الرئيس الإيراني السابق، وكان قد شغل في السابق منصب نائب رئيس الجمهورية ورئيس منظمة التراث الثقافي في حكومة خاتمي.
كما كتبت صحيفة كيهان، في انتقادها لتصريحات مرعشي: «يأتي ضخ اليأس هذا في الوقت الذي تقول فيه الحقيقة شيئاً آخر. فبكين لم ترضخ للضغوط الأحادية الجانب والعقوبات الأمريكية الجديدة ضد طهران فحسب، بل شهدت المبادلات التجارية وصادرات النفط الإيرانية قفزة ملحوظة في ذروة الحساسيات الإقليمية والظروف الحربية».
وأضافت: «غير أن النظارات الغربية حالت دون قدرة هذه الجماعة على رؤية الواقع؛ ففي المنظومة الفكرية لأمثال مرعشي، حتى لو قصفت واشنطن مدارس هذا الشعب وحفلات زفافه مئات المرات، فإنها تظل قبلة الآمال، ويجب الركوع أمامها! أما إذا قامت القوى الشرقية في مجلس الأمن باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرارات الغربية الموجهة ضد إيران، فهي غير جديرة بالثقة ويـــــجب تشويه صورتها».
ومع ذلك، لا يمكن بحث أهمية ادعاء مرعشي بمعزل عن التطورات المتعلقة بمضيق هرمز. فالصين أهم مشتري النفط الخليجي والإيراني، وأي اضطراب في حركة الملاحـــــة في مضيق هرمز يؤثر بصورة مباشرة على مصالح بكين في مجال الطاقة والتجارة. ولهذا السبب، فإن إبقاء هذا الممر المائي مفتوحاً يحظى بأهمية اقتصادية واستراتيجية بالنسبة إلى الصين.
الصين حليف أم شريك؟
وأعاد الجدل الأخير طرح سؤال أقدم إلى الواجهة: هل تمثل العلاقات بين إيران والصين فعلاً «شراكة استراتيجية»، أم أن بكين تدير هذه العلاقة أساساً وفقاً لمصالحها الاقتصادية والجيوسياسية؟
لقد دعمت الصين إيران خلال السنوات الماضية في مواجهة جزء من الضغوط الأمريكية، وفي ظل العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيرانية كانت المشتري الوحيد للنفط الإيراني، كما أدت دوراً في التعاون السياسي مع طهران داخل منظمة شنغهاي للتعاون وغيرها من الآليات متعددة الأطراف.
لكن في الوقت نفسه، تتمتع بكين بعلاقات واسعة مع الدول العربية في الخليج، وكذلك مع الولايات المتحدة، ومن الطبيعي أنها لا تريد تعريض مصالح هذه العلاقات للخطر بسبب دعم غير مشروط لطهران.
في الداخل الإيراني أيضاً، تحولت هذه القضية إلى خلاف سياسي. وترى التيارات القريبة من سياسة «التوجه نحو الشرق» أن نشر روايات حول فتور العلاقات مع الصين يؤدي عملياً إلى إضعاف السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية.
ويقول معارضو حكومة بزشكيان إن سلوك حكومته وإصرارها على التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة أو العودة إلى الاتفاق السابق مع واشنطن، يؤديان إلى تأثيرات سلبية على العلاقات بين طهران وبكين.
في المقابل، يقول منتقدو هذه السياسة إن التطورات الأخيرة تظهر أن إيران لا ينبغي أن تستبدل علاقاتها مع الصين وروسيا بالدبلوماسية المتوازنة والعلاقة مع الغرب.
وقال كوروش أحمدي، الدبلوماسي الإيراني السابق، في رده على هذه التطورات: «الصين داعمة لإيران، لكنها تنتقد إغلاق مضيق هرمز».
كما قال الممثل الإيراني الســــــابق لدى الأمم المتحدة، في معرض حديثه عن طريقة تعامل «شي جين بينغ» مع بزشكيان خلال الاجتماع الأخير، إنه رغم أن الصينيين يريدون دعم إيران، فإنهم غير راضين عن سياسة إيران في مضيق هرمز.