نقطة سوداء في تاريخ القضاء


تونس -“القدس العربي”: استنكرت المعارضة السياسية والحقوقية في تونس تثبيت أحكام السجن ضد معتقلي قضية التآمر على أمن الدولة، معتبرة أنها “نقطة سوداء في تاريخ القضاء”.

وكانت محكمة التعقيب في العاصمة رفضت، الخميس، الطعون المقدمة لها في قضية “التآمر” (النسخة الأولى)، وأقرت بذلك أحكام السجن التي أصدرتها محكمة الاستئناف في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بحق 37 متهما، وتتراوح بين 5 و35 عاما.

واعتبرت جبهة الخلاص الوطني أن محكمة التعقيب “أضاعت فرصة أخيرة لتصحيح مسار قضائي شابته خروق كثيرة واستعادة العدالة وظيفتها الطبيعية باعتبارها حصنًا للحقوق والحريات وملاذًا للمظلومين”.

وأكدت أن القرار “حلقة جديدة في مسار استهداف ممنهج للمعارضة السياسية وتجريف المجال العام وإقصاء كل الأصوات الرافضة للانفراد بالحكم”.

كما عبرت الجبهة عن رفضها أن “تتحول المحاكمات السياسية إلى وسيلة لإدارة الخلاف السياسي، وأن يصبح السجن بديلًا عن الحوار، والتجريم بديلًا عن المنافسة السياسية، والأحكام القضائية أداة لإعادة تشكيل المشهد العام على مقاس السلطة”.

وكتب رياض الشعيبي المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة: “السلطة ما تزال ماضية في عنجهيتها، ولا يبدو أن لديها أي استعداد للتراجع أو مراجعة خياراتها. ومن ثم، فإن الوهم كل الوهم في الاستمرار في الدعوة إلى طرق أبواب السلطة، أو انتظار حوار معها، أو البحث عن تسوية في ظل سلطة لا ترى في الحديث عن الحوار إلا وسيلة لمزيد ترذيل المعارضة وفرض الوضع القائم”.

واعتبر أن “المطلوب اليوم ليس استجداء الحوار من سلطة اختارت القطيعة، ولا انتظار أن تراجع نهجها، وإنما العمل على صناعة البديل السياسي القادر على إنهاء هذا المسار وبناء مستقبل مختلف للبلاد”.

وأكظ حزب التيار الديموقراطي أن قرار المحكم “شكل تأكيدا جديدًا على أنّ القضاء، بدل أن يكون صمّام أمان يحمي الحقوق ويرسّخ الثقة في مؤسسات الدولة، تحوّل إلى وظيفة وأداة طيّعة لتصفية الحسابات السياسية وإسكات كلّ صوت معارض”.

وأدان “تحوّل التعاطي الأمني- القضائي إلى نهج ثابت في إدارة شؤون البلاد، حيث بات القضاء والأجهزة الأمنية يُستدعيان لمعالجة أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متواترة بالقمع والترهيب بدل الحوار والإصلاح. هذا النهج لا يحمي الدولة كما تعتقد السلطة القائمة، بل ينخر مؤسساتها ويُفرغ مفهوم سيادة القانون من مضمونه، ويُحوّل العدالة إلى ذراع تنفيذية لإرادة سياسية واحدة”.

وأكد الحزب “التزامه بالوقوف إلى جانب كلّ المعتقلين السياسيين وعائلاتهم”، داعيا كافة القوى الديمقراطية والحقوقية والمجتمع المدني إلى توحيد الصفوف دفاعًا عن استقلالية القضاء وصون الحقوق والحريات وكرامة التونسيين.

كما دعا التونسيين إلى “عدم السكوت على الظلم المستشري في البلاد وعلى انتهاك أبسط مقوّمات العيش الكريم، وإلى النزول إلى الشارع والتظاهر السلمي دفاعًا عن حقوقهم وحرياتهم وكرامتهم، فالصمت اليوم شراكة في الاستبداد، والانتفاضة السلمية المدنية على الظلم واجب وطني ومواطني قبل أن تكون خيارًا سياسيًا. فالاستبداد مهما طال أمده لن يصمد أمام إرادة الشعوب في الحرية والعدالة والكرامة”.

وكتب الخبير الدستوري أمين محفوظ: “كما كان متوقعًا، رُفض الطعن أصلًا، رغم ما أثبته الدفاع من خروقات مست ضمانات المحاكمة العادلة، وهضم لحقوق الدفاع، وضعف في التعليل، وهي نقائص لم تكن هامشية ولا عرضية. وتعيين القضية أمام دائرة صيفية، في هذا السياق، ليس تفصيلًا بلا دلالة. فبعض الرسائل لا تُكتب، وإنما تُفهم”.

وأضاف: “عندما تتقدم السياسة على العدالة، يصبح القانون مقيّدًا، ويصبح القضاء، مهما كانت النصوص، محاصرًا بحدود السلطة. وقد أثبت التاريخ أن القضاء الذي يُطلب منه خدمة السياسة لا يستطيع أن يحميها إلى ما لا نهاية. لذلك، فالمعركة الحقيقية ليست معركة طعن أو حكم فحسب؛ إنها معركة من أجل طبيعة النظام السياسي نفسه: هل نريد حكمًا مدنيًا ديمقراطيًا، أم سلطة فوق القانون؟”.

وتابع محفوظ: “رغم الإحباط، من السلطة الحاكمة، ومن بعض من كان يفترض أن يكونوا في صف الدفاع عن الديمقراطية، فإنني لن أغيّر موقفي ولن أتراجع عن الطريق. سأواصل النضال من أجل الحرية والمساواة والتعددية، ومن أجل مشروعية الحاكمين وخضوعهم للقانون. قد تُغلق أبواب القضاء في وجه العدالة، لكن ذلك لا يعني أن أبواب التاريخ قد أُغلقت”.

واعتبر مرصد “الحرية لتونس” أن القرار يشكل ما اعتبره “نقطة سوداء” في تاريخ القضاء التونسي.

ودعا إلى الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين في قضية التآمر و”إلغاء الإدانات والأحكام الجائرة الصادرة في القضية وإتاحة مسار قضائي مستقل يحترم كامل ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. ووقف التضييق على المعارضين السياسيين واستعمال القضاء والإيقاف والسجن لإدارة الخلاف السياسي أو إقصاء الخصوم”.

كما دعا إلى “وقف توظيف قوانين مكافحة الإرهاب وأمن الدولة ضد الاجتماعات السياسية والاتصالات والنشاط المدني المشروع في غياب أدلة واضحة على أفعال إجرامية محددة. ووضع حد للاحتجاز التعسفي والإيقاف المطول، وضمان الإفراج عن كبار السن والمرضى وكل من لا تبرر حالته استمرار سلب حريته”.

وكانت منظمة العفو الدولية اعتبرت أن القرار الجديد “يكرّس مسارًا خطيرًا من توظيف منظومة العدالة لاستهداف المعارضين والمنتقدين السلميين وإسكات الأصوات المخالفة في تونس”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *