صحف أمريكية تفتح ملف الذكاء الاصطناعي وتأثيره في الكتابة والنشر


لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الكتابة والنشر مجرد نقاش حول أداة جديدة يستعين بها الكاتب لينجز إبداعه، فقد بدأت تظهر وقائع أكثر تعقيدا، وتم سحب مشاريع أدبية أمريكية، وأُلغيت صفقات نشر لكتاب مهمين، وكل هذا جعل دور النشر الكبرى تُخضع مخطوطات كتب للفحص، وقد وجد كتاب كبار أنفسهم مطالبين بإثبات أن نصوصهم كُتبت بجهد بشري محض. وفتحت صحيفة «وول ستريت جورنال» هذا الملف أخيرا من داخل صناعة النشر الأمريكية، وتوقفت عند حالات أثارت الشك في مصدر العديد من النصوص، وأشارت إلى حالة من الاضطراب بين الوكلاء والمحررين والناشرين، في غياب قواعد متفق عليها تحدد أين تنتهي الاستعانة بالآلة وأين يبدأ التأليف بها.
ولم تبق القضية أمريكية بحتة. ففي بريطانيا تابعت «الغارديان» انهيار صفقة بلغت قيمتها نحو مليوني دولار لرواية «جريمة أولى» للكاتب جيري فالادي، بعد أن سحب وكلاؤه المخطوط وقالوا إنهم لم يعودوا قادرين على التحقق من الكيفية التي تطور بها. ونفى فالادي استخدام الذكاء الاصطناعي، وهذه القضية كشفت وجها آخر للمشكلة؛ فاليوم أصبح الشك نفسه قد يعرض مستقبل كاتب وصفقة كبيرة للخطر.
وفي فرنسا وسعت «لوموند» دائرة النقاش، فرصدت ما وصفته بزلزال جديد يضرب الصحافة مع انتشار الذكاء الاصطناعي، وأنه يقوم باستخدام المحتوى الصحافي في بناء الإجابات الآلية، وهذا يؤدي إلى تراجع حاجة القارئ إلى المصادر الأصلية.
نحن إذن أمام قضية ثقافية ساخنة وعالمية، تمتد من الرواية إلى الصحافة ومن حقوق المؤلف إلى اقتصاد النشر. والسؤال لم يعد إن كان الذكاء الاصطناعي هو الذي يكتب أو يساعد على الكتابة، وإنما كيف ستعرف دور النشر من كتب النص الذي يقدم إليها، وسؤال آخر عما يمكن للكاتب أن يطلبه من الآلة لعمل أصيل ولماذا يخفي بعض الكتاب شراكتهم مع الذكاء الاصطناعي؟

من الشك في المخطوط إلى إلغاء الكتاب

قدمت صحيفة «وول ستريت جورنال» صورة مقلقة لما يحدث حاليا داخل صناعة الكتاب الأمريكية وواقع النشر. ولم تتحدث عن مخاوف مستقبلية قد تحدث بعد سنوات، وإنما عن وقائع حدثت وتحدث حاليا، بعض المشاريع الأدبية تم سحبها، وإصدارات أُلغيت، ومخطوطات تم تجميدها بسبب الشك في مقدار ما كتبه أصحابها بأنفسهم وما نفذوه بدعم من الذكاء الاصطناعي. وكما توقفت الصحيفة عند حالات دفعت الناشرين والوكلاء إلى ضرورة إعادة النظر بجدية في الطريقة التي يجب أن يُستقبل بها أي مخطوط جديد مهما يكن كاتبه، وعدم المجازفة بطباعته وتوزيعه إلا بعد التأكد من أصالته. المشكلة إذن أن الجميع تقريبا أصبحوا داخل هذه المنطقة، ولم تتشكل إلى اليوم قواعد واضحة لها. تتكاثر الأسئلة حول السماح للكاتب بأن يستخدم الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغة جملة؟ هناك من يقول: نعم. لكن هل يجوز له أن يعيد بناء فقرة كاملة أو صفحة؟ ولكن ما الحكم إن اختصر الكاتب، أو طور فصلا أو قبل اقتراحا يقدمه له الذكاء الاصطناعي، مثلا إضافة شخصية أو مكان، أو أن يساعده قليلا في تطوير الحبكة؟ وماذا لو كتبت الآلة صفحات ثم أعاد الكاتب تعديلها وتشذيبها؟
هنا تبدأ الحدود بالتداخل، وهذا ما يحاول كشفه تحقيق صحيفة «وول ستريت جورنال»، كون صناعة الكتاب من الصناعات الضخمة، ويمكنها أن تستفيد من هذه التقنيات وتكون ضمن أدوات الكتابة، خاصة أننا مع آلة تتطور بسرعة مذهلة ودخلت أغلب مجالات حياتنا، لكن الإبداع الأدبي لا يزال يبحث عن تعريف واضح لما يجب قبوله وما يجب رفضه.
والمثير أن القضية لم تبق عند أبواب دور النشر، فقد دخلت بالفعل ووصلت إلى صفحات «وول ستريت جورنال» نفسها، حيث نشر المستثمر والملياردير الأمريكي ستانلي دراكنميلر مقال رأي ينتقد فيه سياسة وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت. وبعد النشر بدأ بعض القراء يشكون في لغة المقال، واستخدموا برنامج «بانغرام»، وهو أداة للكشف عن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي. والمفاجأة أن النتيجة كانت صادمة، حيث صنف البرنامج هذا المقال وأكد أنه مولد بالذكاء الاصطناعي بنسبة مئة في المئة. دراكنميلر لم يناور طويلا ولم ينكر. قال ببساطة: «بالطبع استخدمت الذكاء الاصطناعي»، وأضاف أنه أصبح يستخدمه في كل ما يكتبه، وشبّه ذلك باستخدام الآلة الحاسبة عند حل المسائل الرياضية. هنا أصبحت الحكاية أكثر إثارة، لأن «وول ستريت جورنال» لم تتراجع عن المقال. دافع بول جيغوت، محرر صفحة الرأي، عن قرار نشره، وقال إن ما يعني الصحيفة هو أن يعكس النص الحجة الأصلية لصاحبه، وأن يمتلك صاحبها المكانة والمصداقية لطرحها ومناقشتها. ووصف الذكاء الاصطناعي بأنه أصبح «حقيقة من حقائق الحياة الحديثة». وبالنسبة إليه لا يوجد شك في أن الرأي الذي نُشر هو رأي دراكنميلر الحقيقي.
لكن مجلة «ذا أتلانتيك» التقطت من الواقعة سؤالا آخر، حيث إن المسألة لم تعد أن نكتشف إن كان النص آليا وليس أصيلا، وإنما ماذا نفعل عندما يقول صاحبه علنا إنه استعان بالآلة، ولا يرى في ذلك أي حرج؟ وهل نحن أمام تحول يجعل استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة أمرا عاديا وحقا طبيعيا، مثله مثل كل برامج التدقيق؟ ولا أحد يمكنه أن ينكر أن الحاسوب أصبح جزءا من حياة أي كاتب. ولم تكن هذه الحكاية الوحيدة، فقد تابعت الصحافة الأمريكية الجدل، وتناولت «فوربس» دفاع «وول ستريت جورنال» عن قرارها، ونقلت تصريح دراكنميلر وموقف بول جيغوت، وأصبحت حادثة هذا المقال جزءا من نقاش أمريكي واسع يتطور ويزداد سخونة حول ما يجب أن تقبله الصحف من كتابها، وهل من الضروري أن يعرف القارئ الطريقة التي تُكتب بها النصوص المنشورة. كما أن «واشنطن بوست» دخلت في المعترك وذكرت وجها مختلفا وأكثر قسوة للمشكلة. وكشفت عن قصة الصحافية والكاتبة الأمريكية كارا سويشر، التي كانت تستعد لإصدار مذكراتها «بِرن بوك»، أي «كتاب التشهير»، لكنها وجدت عشرات الكتب التي قامت باستغلال اسمها وصورتها وموضوع كتابها. لم تكن القضية وجود كتاب يشبه كتابا آخر؛ ولكن هناك من سرقوا الكاتبة وحاولوا الوصول إلى القارئ قبل وصول الكتاب الحقيقي، مستفيدين من اسم مؤلفة معروفة، وهذه القضية كشفت سرعة الذكاء الاصطناعي في إنتاج الكتب.

ورصدت الصحيفة حالات للكاتبة جين فريدمان والكاتب والناقد الموسيقي تيد جويا وغيرهما. وأصبحت المفارقة غريبة: يقضي الكاتب شهورا أو سنوات في إعداد كتاب، ثم يستطيع شخص آخر أن يستخدم الذكاء الاصطناعي وينتج كتابا سريعا ويستفيد من اسم أو موضوع ومن انتظار القراء للعمل الأصلي. وربما هنا يمكننا أن نشير إلى ظاهرة عربية خطيرة، حيث يتم اختصار روايات أجنبية ضخمة وتنشر بالعربية على أنها ترجمات كاملة، ونجد عشرات مثل هذه الكتيبات بمعارض الكتب ومنصات بيع الكتب، وهذا موضوع آخر يجب أن ننتبه له ونناقشه بجدية.
نعود إلى موضوعنا وإلى الوقائع التي تحقق فيها بعض الصحف الأمريكية، ومن كل هذا نفهم أسباب قلق الناشرين والنقاد وحتى القراء، فقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى المسودة الأولى للكتب، وإلى غرف التحرير وسوق الكتب، ووصل مداه إلى صفحة الرأي في واحدة من أكبر الصحف الأمريكية. لكننا لسنا مع مشهد واحد يتكرر في كل الحالات؛ فطرق الاحتيال تتطور بشكل خطير، فهناك كتب مزيفة تسبق الكتاب الأصلي إلى السوق، وهناك مخطوطات يشك الناشر في أصلها، وكذلك سنجد بعض المؤلفين يستخدمون الذكاء الاصطناعي ومنهم من يعلن ذلك بلا حرج، وحتى الصحف الكبرى لم يوحدوا موقفهم وهناك كما ذكرنا أن بعضها يركز على أن تكون الفكرة والموقف لصاحب المقال ولا تسأله عن أدوات كتابته. ولكن وسط كل هذه القضايا، يظل الكاتب والقارئ في مكان حساس. من حق الناشر أن يحمي نفسه من الخداع، ولكن تظهر قضية بعض أخطأ برامج الكشف عن الأصالة وقد يتم اتهام كاتبا كتب نصه بنفسه؟ وهل من حق الكاتب أن يستفيد من الأدوات الجديدة، ولكن إلى أي حد؟ ولكن من حق القارئ أن يعرف ومن أول سطر بالكتاب أو المنتج الأدبي مقدار أصالة المنتج الذي اشتراه ويمسكه بين يديه، ومن الذي كتب الكلمات التي يقرأها.
وفي فرنسا ذهبت «لوموند» إلى مساحة أخرى من القضية، ورأت أن الذكاء الاصطناعي يحدث زلزالا جديدا في الصحافة، كونه يستفيد من المحتوى الذي تنتجه الصحف ثم يقدمه للقارئ في صيغ إجابات مختصرة قد تغنيه عن العودة إلى المصدر الأصلي. وهذا يعني أن النقاش تجاوز الكتاب والمؤلف إلى الصحافة واقتصاد المعرفة نفسه ويهدد بافلاس مؤسسات صحافية عريقة.
ويبدو أن هذا الملف لن يغلق قريبا، فالتحقيقات والنقاشات تزداد سخونة، وربما تحمل الشهور المقبلة مفاجآت وتكشف عن كتب وكتابات كنا نؤمن بأصالتها الكاملة. وربما يحدث العكس أيضا، ويصبح استخدام الذكاء الاصطناعي حقا مشروعا للكاتب، مثل الآلة الحاسبة ومئات البرامج والتقنيات التي يستخدمها اليوم المهندس والطبيب والمحاسب. عندها قد يتغير السؤال وبدلا من القول: هل استخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي؟ ربما سيكون السؤال الواقعي والعملي: ماذا طلب المؤلف من الآلة، وماذا الذي بقي إبداعا إنسانيا محضا في النص؟
مواد يمكن الرجوع إليها لفهم أكثر للقضايا التي ناقشها مقالنا
آنا سيلمان، «الذكاء الاصطناعي أدخل صناعة نشر الكتب في فوضى عارمة»، وول ستريت جورنال، 17 أغسطس/آب 2026 Anna Silman, “AI Has Plunged the Book Publishing Industry Into Utter Chaos,” The Wall Street Journal, August 17, 2026.
ماتيو غولت، «نقطة تحول في الكتابة بالذكاء الاصطناعي»، ذا أتلانتيك، 28 أغسطس/آب 2026 Matthew Gault, “A Turning Point in AI Writing,” The Atlantic, August 28, 2026.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *