طرابلس – «القدس العربي»: دخلت العلاقة بين رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، مرحلة جديدة من التوتر، بعدما تحولت تصريحات وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية، وليد اللافي، بشأن وجود «سلطات أمر واقع» في شرق البلاد وغربها، إلى مواجهة سياسية مفتوحة حول شرعية الحكومة والأساس الذي تستند إليه في الاستمرار بممارسة سلطاتها.
وجاء التصعيد السياسي في وقت شهدت فيه العاصمة طرابلس تطوراً أمنياً لافتًا فجر أمس الخميس، مع إعلان شركة البريقة لتسويق النفط تعرض مستودع طرابلس النفطي لاعتداء إثر دخول جسم طائر يشتبه في كونه طائرة مسيرة إلى أجواء المستودع وسقوطه بجوار أحد الخزانات، في واقعة أعادت المخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية إلى الواجهة.
وبين خلاف يتسع داخل السلطة التنفيذية وواقعة أمنية تستهدف منشأة مرتبطة بإمدادات الوقود في العاصمة، تواجه طرابلس مشهداً تتداخل فيه أزمة الشرعية السياسية مع تحديات حماية مؤسسات الدولة ومرافقها الحيوية، بالتزامن مع محاولات إقليمية ودولية لدفع التفاهمات الجديدة بين سلطات الشرق والغرب نحو التنفيذ.
وطالب المنفي الدبيبة بتحديد موقف رسمي وواضح من تصريحات اللافي، معتبراً أن حديث وزير في حكومة الوحدة عن تحول السلطة في غرب البلاد إلى «سلطة أمر واقع» لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رأي شخصي، وإنما يفتح الباب أمام التساؤل عن موقف الحكومة نفسها من شرعيتها ومرجعيتها السياسية.
وقال المنفي إن «إقرار» وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية بأن الحكومة فقدت شرعيتها وتحولت إلى سلطة أمر واقع «يتجاوز حدود الرأي الشخصي»، ويطرح سؤالاً جوهرياً بشأن حقيقة الموقف داخل الحكومة والأساس الذي تستند إليه في ممارسة سلطاتها. وشدد على أنه «لا يستقيم أن تستمد جهة وجودها من مرجعية سياسية ثم تتنكر لها»، رافضاً اختزال السلطة التنفيذية الموحدة في أحد طرفيها أو إدارة الدولة بمنطق «التغلب وفرض الأمر الواقع».
ولم يكتف المنفي بطلب التوضيح من رئيس الحكومة، بل ذهب إلى التلويح بخطوات لاحقة، معلناً أنه سيضع القضية «بكامل أبعادها أمام القوى الوطنية المعنية»، ومؤكداً أن المرحلة دخلت منعطفاً لا يحتمل «ازدواج المواقف ولا غموض الالتزامات».
وأضاف أنه سيتصرف وفقاً لمسؤولياته «في التوقيت الذي تقتضيه مصلحة البلاد»، مع إبقاء «جميع الخيارات الوطنية والمؤسسية مفتوحة»، مختتماً موقفه بالقول: «الأمانة لا تترك للفراغ، والشرعية لا يصنعها الأمر الواقع».
وجاء موقف المنفي على خلفية مقابلة أجراها اللافي مع قناة «ليبيا الأحرار»، تحدث خلالها عن مسار الاجتماع المصغر «4+4»، معتبراً أنه يمثل تفاوضاً مباشراً بين سلطات الأمر الواقع في شرق البلاد وغربها، وأن هذه الصيغة تجبر الأطراف الرئيسية على تحمل مسؤولياتها بدلاً من التخفي خلف واجهات أخرى لتعطيل المسار السياسي.
وقال اللافي إن ليبيا باتت أمام «سلطة أمر واقع في الشرق والغرب»، وحين سئل بشكل مباشر عما إذا كان هذا الوصف ينطبق كذلك على حكومة الوحدة الوطنية التي يشغل منصباً فيها، أكد أنه يتحدث «بكثير من التجرد».
ووصف حكومة الوحدة بأنها مؤسسة خدمية استطاعت خلال السنوات الماضية أن تصبح طرفاً أساسياً في المعادلة السياسية، معتبراً أن ذلك يمثل عبئاً عليها أكثر منه فرصة، لأنها أصبحت مطالبة بالمشاركة في الوصول إلى نتائج تدفع البلاد إلى الأمام.
وعندما أعيد سؤاله عما إذا كان وصف «سلطة أمر واقع يعني أن الحكومة تفرض وجودها، أجاب بالإيجاب، قبل أن يشير إلى أن كيفية فرض السلطة وجودها، سواء بالعنف أو الاحتواء، مسألة أخرى، لافتاً إلى أن الحكومة استطاعت بناء تحالفات وأرضية سياسية في المنطقة الغربية.
لكن المنفي التقط من حديث اللافي ما اعتبره إقراراً من داخل الحكومة بسقوط الأساس الذي تستمد منه شرعيتها، لينتقل النقاش بذلك من توصيف ميزان القوى القائم إلى السؤال عن الوضع القانوني والسياسي لحكومة الدبيبة نفسها.
وبالتوازي مع التصعيد السياسي، أعلنت شركة البريقة لتسويق النفط أن مستودع طرابلس النفطي تعرض فجر الخميس 3 سبتمبر لاعتداء، بعد دخول جسم طائر يشتبه في كونه طائرة مسيرة إلى أجواء المستودع وسقوطه بجوار أحد الخزانات.
وأكدت الشركة عدم وقوع إصابات بشرية، مشيرة إلى مباشرة الفرق المختصة والجهات المعنية إجراءاتها وتأمين موقع الحادث، وسط استجابة من الجهات الأمنية والعسكرية التي توجهت إلى المستودع عقب الإبلاغ بالواقعة.
ورغم حساسية الموقع المستهدف، طمأنت البريقة المواطنين بأن عمليات التشغيل وتوزيع وإمداد الوقود استمرت بصورة طبيعية ودون توقف، وأن الواقعة لم تؤثر في تنفيذ الطلبيات المقررة لمحطات الوقود.
ودعت الشركة الجهات المختصة إلى فتح تحقيق شامل لكشف ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مشددة على ضرورة تكثيف حماية المستودعات والمنشآت النفطية باعتبارها مرافق وطنية وحيوية.
ولا توجد حتى الآن معلومات معلنة تربط واقعة المستودع بالصراع السياسي الدائر بين المؤسسات في طرابلس، إلا أن حدوثها في هذا التوقيت يضيف تحدياً أمنياً جديداً إلى المشهد المضطرب في العاصمة، خصوصاً مع ارتباط منشآت البريقة المباشر بمنظومة توفير الوقود واستمرار الخدمات الأساسية.