طرابلس – «القدس العربي»: يتواصل الزخم الدولي والعربي الداعم للتفاهم السياسي الجديد في ليبيا، عقب توقيع لجنة الحوار المصغرة «4+4» اتفاقها النهائي بشأن القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وسط آمال خارجية بأن يشكل الاتفاق مدخلاً لإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة، في وقت ترسم فيه الأوضاع الخدمية داخل البلاد صورة مغايرة، مع استمرار أزمات الكهرباء والوقود والمياه، ووصول الاحتجاجات إلى منشآت حيوية مرتبطة بقطاع الطاقة.
وأضيف الثلاثاء موقف جديد إلى سلسلة المواقف الدولية المرحبة، بعدما اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتريتش، الاتفاق «خطوة مهمة» للدفع بليبيا نحو الانتخابات الوطنية وإنهاء المرحلة الانتقالية، داعياً المؤسسات والأطراف الليبية المعنية إلى الانخراط بحسن نية في تنفيذه. وقال المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، إن الاتفاق يعالج أول محطتين في خارطة الطريق السياسية التي تيسرها بعثة الأمم المتحدة، والمتعلقتين بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة المسائل الخلافية في الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
ورأى غوتريتش أن ما تحقق يثبت إمكانية إحراز تقدم من خلال الحوار، في موقف يمنح التفاهم الأخير دفعة أممية إضافية، بعد أيام من إعلان عشر دول، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، دعمها للتفاهم الذي سبق توقيعه بالأحرف الأولى في تونس في 20 آب/ أغسطس، ووصفها له بأنه خطوة مهمة وموثوقة باتجاه انتخابات وطنية شفافة ومؤسسات ليبية موحدة.
والأربعاء، دخلت جامعة الدول العربية على خط المواقف الداعمة للمسار، معلنة أنها تتابع باهتمام التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها اتفاق «4+4»، ومؤكدة أنها ستكثف خلال المرحلة المقبلة اتصالاتها ومشاوراتها مع الأطراف الليبية والدول العربية المعنية وبعثة الأمم المتحدة وغيرها من الأطراف، بهدف تعزيز فرص الوفاق وتقريب وجهات النظر بين الليبيين.
وقالت الجامعة إن المرحلة الراهنة تستوجب البناء على كل ما من شأنه تقريب المواقف وتهيئة الظروف للانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً، بما يقود إلى إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات والوصول إلى الاستحقاقات السياسية والانتخابية، مشددة في الوقت نفسه على ضرورة أن تظل العملية السياسية ليبية القيادة والملكية، وأن تستند إلى توافق وطني واسع يحفظ وحدة البلاد وسيادتها واستقلال قرارها.
لكن وبينما تراكمت رسائل الترحيب الخارجية بالتقدم على المسار السياسي، شهد الداخل الليبي خلال الساعات نفسها تصعيداً جديداً لأزمات خدمية مزمنة، أعاد تسليط الضوء على الفجوة بين التسويات السياسية التي تناقش مستقبل السلطة ومؤسسات الدولة، وبين الضغوط اليومية التي يعيشها المواطنون بسبب تراجع الخدمات الأساسية.
وكان المشهد الأكثر دلالة في مجمع مليتة للنفط والغاز غرب البلاد، حيث تجمع محتجون من زوارة والجميل ورقدالين الثلاثاء اعتراضاً على الانقطاعات الطويلة للكهرباء وعدم العدالة في توزيع ساعات طرح الأحمال، بعد وصول فترات انقطاع التيار في بعض المناطق إلى أكثر من 40 ساعة.
وتحول الاحتجاج سريعاً إلى ضغط مباشر على واحدة من أهم منشآت الطاقة في البلاد، إذ أغلق المحتجون مداخل المجمع قبل أن يغادروه ويمنحوا السلطات مهلة مدتها 48 ساعة لمعالجة أزمة الكهرباء، مؤكدين أن انتهاء وجودهم في الموقع لا يعني إنهاء التحرك، ومهددين بالعودة إلى التصعيد في حال عدم معالجة المشكلة.
وتكتسب الاحتجاجات حساسية مضاعفة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لمجمع مليتة، الذي يعد من أبرز مراكز معالجة وإنتاج الغاز في ليبيا، كما يمثل نقطة انطلاق خط «غرين ستريم» الرابط بين الساحل الليبي وإيطاليا، فضلاً عن ارتباط إنتاج الغاز في المنطقة بإمدادات محطات توليد الكهرباء داخل البلاد، ما يجعل امتداد الاحتجاجات إلى المنشآت النفطية والغازية تهديداً يتجاوز حدود المدن المتضررة من انقطاع التيار إلى منظومة الطاقة بصورة أوسع.
ولم تقتصر اضطرابات الشبكة على الغرب الليبي، إذ عانت سرت وهراوة أيضاً انقطاعاً كاملاً للتيار الكهربائي للمرة الثالثة خلال أسبوع. وأعلنت إدارة محطة الخليج البخارية مساء الثلاثاء إعادة الوحدة الأولى إلى الشبكة بعد خروجها عن الخدمة، لتعود الكهرباء تدريجياً إلى عدد من مناطق سرت، بما فيها الخط الذي يغذي مستشفى ابن سينا، بينما استمرت الاستعدادات لإعادة الوحدة الثانية.
ويبرز وصول الانقطاع إلى خط يغذي واحداً من أبرز المرافق الصحية في المدينة اتساع تأثير الأزمة من المنازل والأنشطة التجارية إلى المؤسسات الحيوية، في وقت ارتبط فيه تذبذب الكهرباء خلال الأسابيع الماضية بتعطل خدمات أخرى تعتمد بصورة مباشرة على استقرار الشبكة، من ضخ المياه وتشغيل المخابز إلى الاتصالات وبعض الأنشطة الإنتاجية.
وفي مؤشر آخر إلى تشابك أزمات الخدمات، عقدت حكومة الوحدة الوطنية الثلاثاء اجتماعاً موسعاً لمراجعة احتياجات السوق المحلية من الوقود، مع إعطاء أولوية خاصة لتزويد الشركة العامة للكهرباء بالكميات التي تحتاج إليها لضمان استقرار الشبكة. كما تناول الاجتماع تأمين الوقود للمخابز والمصانع والوحدات الإنتاجية والصيادين، وهو ما يكشف حجم الاعتماد المتبادل بين أزمة المحروقات واستمرار عمل قطاعات أساسية في البلاد.
وفي اليوم التالي، أعلنت السلطات عن اجتماع آخر ضم ممثلين عن جهات أمنية وتنفيذية لمتابعة توفر احتياجات المواطنين الأساسية، وركز بصورة خاصة على أسعار الخبز وعمل مصانع المياه، إلى جانب مواجهة احتكار السلع أو التلاعب بتوفرها وأسعارها ومنع افتعال أزمات في الأسواق.
وتظهر الاجتماعات الحكومية المتلاحقة أن أزمة الكهرباء لم تعد ملفاً مستقلاً يمكن التعامل معه بمعزل عن بقية القطاعات؛ فاستقرار الشبكة يحتاج إلى تدفقات منتظمة من الغاز والوقود، فيما تحتاج المخابز ومصانع المياه والأنشطة التجارية والإنتاجية بدورها إلى الكهرباء والمحروقات للاستمرار في العمل، الأمر الذي يجعل أي خلل في أحد هذه المفاصل قابلاً للانتقال بشكل سريع إلى بقية الخدمات.