اطلعت على المقالة التي كتبها عبد السلام بنعبد العالي: «عن كلمة «سردية» الأكثر تداولا في الإعلام والسياسة» باهتمام بالغ لأنها تطرح فعلا مشكلا عويصا في خطابنا الثقافي والإعلامي العربي عامة، والمغربي خاصة. لقد انطلق أولا من أنها متداولة في النقد والفلسفة والإعلام، واستدرك ثانيا: «لكنها في الوقت نفسه من أكثرها التباسا». تتبع ظهور كلمة «سردية» على أنها (Narrative) منذ ظهورها في النقد الأدبي في الستينيات، مع بارث وجينيت، لتتصل بتحليل الخطاب السردي الأدبي.وفي السبعينيات مع ليوتار اتخذت معنى جديدا: «السرديات الكبرى» (grands récits)، مثل سردية التقدم، وسردية التحرر، وغيرهما. وبذلك انتقلت من علم السرد (Narratology) إلى الفلسفة حيث أصبحت السردية «منظومة تفسير للعالم». ثم بعد التسعينيات انتقل المصطلح إلى الإعلام والسياسة فصارت عبارات مثل: «السردية الغربية» أو «السردية الرسمية» لا تعني «مجرد رواية الأحداث، بل الطريقة التي يعاد بها تنظيم الوقائع لإنتاج معنى معين يخدم رؤية أو هوية أو مصلحة».
يخلص بنعبد العالي بعد رصد التطور الذي عرفته الكلمة، وانتقالها من الأدب إلى الفلسفة والسياسة، إلى أن «السردية تنظم الذاكرة والتاريخ والهوية، وتمنح الأحداث اتجاها ومعنى. ولذلك أصبحت من المفهومات المركزية في الفلسفة المعاصرة والعلوم الإنسانية، بعدما تجاوزت مجالها الأصلي: «علم السرد الأدبي». نتوقف عند هذا الحد للإشارة إلى «الإطار المرجعي» الذي يخصصه لتنظيم التفكير العلمي، والذي دفعه أولا إلى جعل مفهوم «السردية» يقرب منه، لكن اتصاله فقط بالتفكير العلمي جعله ثانيا يستبعده ليرى «السردية» في تحولها تنظيما للذاكرة والتاريخ والهوية، ولذلك يستنتج أنها تجاوزت مجال علم السرد الأدبي، لتتربع على عرش المتداول في الإنسانيات بصفة عامة.
نستخلص مما تقدم أننا أمام مصطلح جديد (السردية) تحول في الزمان وفي الدلالة. وانتقل من مجال علمي (السرديات) إلى الإنسانيات. وطبيعي أن يطرأ عليه ما يطرأ على أي مصطلح حين ينتقل من حاضنته الأصلية إلى غيره من المجالات التي تستعيره، علما أن عملية الاقتراض بين العلوم المختلفة والتفاعل بينها مسألة طبيعية وتاريخية. لكن المشكل العويص الذي مهدت به حديثي يكمن في عملية الاقتراض من لغة وثقافة إلى ثقافة ولغة أخرى. وهنا نصبح فعلا أمام الالتباسات الجوهرية التي يمكن أن ينجم عنها بناء «تصورات جديدة» تحت ذريعة التحولات التي عرفها هذا المصطلح الجديد. تتجلى هذه الالتباسات حين تغيب الملاءمة في عملية الاقتراض بين الفضاء الأصلي الذي أنتجت فيه (الغربي)، والفضاء الذي رُحِّلت إليه (العربي). وهنا تتبدى لي المشكلة المركزية في علاقتنا بالثقافة الغربية في العصر الحديث. إننا لا ننتج المصطلحات، وحين ننقلها إلى لغتنا لا ننطلق من إطار تصوري يحقق نوعا من الملاءمة العلمية مع ما نقترضه من الآخر، فيكون اقتراضنا ناقصا ومشوها.
يبدو لي غياب هذه الملاءمة في ثقافتنا العربية الحديثة كامنا في أننا نتعامل مع مصطلحات أجنبية ولدت من رحم اختصاصات غربية، ونحن بلا اختصاص. فكيف يمكنني توظيف مصطلح «السردية»، وليس عندي اختصاص اسمه السرديات؟ وقس على ذلك. وكيف لي أن أفهم تطور تلك «السردية»، وتحولها تاريخيا، من دون وضعها في نطاق تداخل الاختصاصات وتعددها، وأنا لا أملك أي اختصاص أدبي أو فلسفي أو سياسي؟ هنا تصبح الترجمة عندنا مقتصرة على وضع مقابلات معجمية خلوا من أي محتوى معرفي. ليست الترجمة عندنا خيانة أخلاقية فقط، بل إنها جريمة معرفية.
ولد علم السرد (السرديات) في نطاق البنيوية المؤسسة على اللسانيات. وكان المنطلق في ذلك قولة بارت المشهورة: «السرد موجود في كل شيء». وكان اللفظ المستعمل للسرد قبل شيوعه في الفرنسية هو) Récit) الذي كان خالصا لنوع سردي معين. وبعدما ميز جينيت بين ثلاثة استعمالات له، صار «السرد» (Narratologie). (Narration) بديلا، ومنه صاغ تودوروف اسم الاختصاص، وأي اختصاص جديد لا بد له من موضوع فكان هو «السردية» Narrativité. إن السردية، باعتبارها ما يميز العمل السردي عن غيره موضوع «السرديات» المركزة على الشكل عند جينيت، وهي نفسها موضوع «السيميائيات» التي تنبني على المحتوى لدى غريماس.
إن ترجمة «السردية» إلى (Narrative) ليس المسؤول عنها هو بنعبد العالي. فهي متداولة. والمقابل الفرنسي لها هو (Récit). ما ألاحظه على بنعبد العالي هو أنه عندما عاد إلى ليوتار الذي استعمل ((Grands Récits نجده يقابلها بـ»السرديات الكبرى». وهو أيضا ليس مسؤولا عن هذه الترجمة التي تبناها. إن هذا المصطلح الفرنسي كان شائعا في الكتابات الفرنسية، باعتباره نوعا سرديا مثل القصة والرواية. والجديد الذي جاء به جينيت هو أنه اعتمد صيغة الخطاب (السرد) لتحل محل الكلمة المتداولة لأنها أعم وأشمل. ولذلك أراني متفقا مع عبد الله العروي عندما ترجمها بالخبر. وهذا ما سرت عليه عندما اعتبرت الخبر نواة أي عمل سردي، ورأيت صيغة السرد أعم وأشمل كمقابل لـ (Narration)، والذي صغت منه السرديات، وليس «الخبريات». وبعض الفرنسيين اقترح (Récitologie)، ولكنه لم ينتشر.
إن المعنى الثاني الذي وظفه ليوتار تحت تأثير البنيوية، واعتبار السرد موجودا في كل شيء، أو ذهاب حنة أرنت إلى أن الحياة قصة لا علاقة له لا بالسردية، ولا بالسرديات، كما هو متداول في الاستعمال العربي. لقد استعمل ((Grands récits بالجمع للدلالة على نوع من التمثلات الخيالية والعقلية والثقافية، التي تتحقق من خلال ما يضفي عليها بعدا حكائيا، أو قصصيا، وفق ما يبنى عليه أي عمل سردي كيفما كان نوعه. إن «السردية»، مفردا وجمعا في العربية، ليست ملائمة لـ»Récit»، ولا لـ»Narrative» لأن مقابلها الأنسب هو «Narrativity». وكان ليوتار دقيقا في توظيفه الخاص لكلمة (Récits) وأدق لوصفه إياها بـ»الكبرى» وبالجمع لأنه أعطاها معنى مختلفا لغويا وبالتالي معرفيا.
لم يتم نهائيا تجاوز «السردية» بمعناها «الإطار المرجعي» الخاضع للتفكير العلمي. لقد تطورت السرديات، وانتقلت من الكلاسيكية إلى السرديات ما بعد الكلاسيكية، وقد صارت عالمية منذ الألفية الجديدة. توظِّف اختصاصات كثيرة منجزات السرديات وموضوعها بطريقة ملائمة، لكنها عندنا صارت مسميات لا دلالة لها، إن الحديث عن «سردية»، و»سرديات» خارج الاختصاص وتعدد الاختصاصات، لا يخلق سوى التسيب والالتباس.
كاتب مغربي