بغداد ـ «القدس العربي»: أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي، أمس الثلاثاء، استكمال مرحلة الاستجواب في ملف 5704 متهمين بالانتماء لتنظيم «الدولة الإسلامية»، سبق أن تم نقلهم إلى العراق من سوريا، والبدء بمرحلة محاكمتهم، وفيما أكد انتماء هؤلاء لأكثر من 67 جنسية عربية وأوروبية وأجنبية، كشف عن استكمال إجراءات إطلاق سراح 457 محتجزاً من الجنسية السورية، لم تثبت إدانتهم، تمهيداً لتسليمهم إلى سلطات بلادهم.
وذكر في بيان صحافي أن «محكمة تحقيق الكرخ الأولى (في بغداد) أعلنت استكمال مرحلة الاستجواب في ملف 5704 متهمين من عناصر عصابات «داعش» الإرهابية المنقولين من شمال شرق سوريا إلى العراق، والانتقال إلى المرحلة القضائية التالية المتمثلة في إحالتهم على محكمة الموضوع، كل وفق الأدلة والوقائع المتحصلة في قضيته».
وأضاف: «يمثل ذلك انتقالاً رئيسياً في مسار أحد أكبر الملفات القضائية والتحقيقية المتعلقة بعصابات داعش الإرهابية، والذي تولى القضاء العراقي إدارته بوصفه ملفاً قضائيا متكاملا يخضع لسلطته، بإشراف مباشر من رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان الذي أوكل مهمة الملف إلى محكمة تحقيق الكرخ الأولى المختصة بقضايا الإرهاب، وبمشاركة عدد من القضاة ونواب الادعاء العام والمحققين القضائيين وقوات انفاذ القانون».
ووفق البيان فإن التحقيقات الأولية مع هؤلاء بدأت في شباط/ فبراير 2026 «واستمر العمل التحقيقي من خلال الاستجواب وجمع الأدلة والتدقيق وصولا إلى استكمال التحقيقات مع جميع المتهمين البالغ عددهم 5704، تمهيداً لحسم قضاياهم وفق الإجراءات القانونية».
وأكد أن عمليات التدقيق أظهرت أن «الملف يضم أشخاصاً من 67 جنسية، بينها 16 جنسية عربية و19 جنسية من دول الاتحاد الاوروبي و32 جنسية أجنبية أخرى، فيما بلغ عدد العراقيين 474 وعدد السوريين 3497، الأمر الذي يعكس الطبيعة الدولية للملف وتشعب الوقائع والأدلة ومسارات الأشخاص المشمولين به».
وأشار إلى التحقيقات وجمع الأدلة والتحليلات أسفرت عن «كشف عدد من العناصر شديدة الخطورة ممن شغلوا مناصب قيادية، أو أمنية، أو شرعية، أو عسكرية، أو إعلامية، أو ارتبطوا بعمليات نوعية وجرائم ذات بعد دولي وقيادات من الصف الأول في عصابات «داعش» الإرهابية. كما أظهرت التحقيقات تعدد الأدوار داخل التنظيم، وعدم اقتصارها على النشاط القتالي، إذ شملت أعمالاً عسكرية وأمنية ومالية ولوجستية وإدارية، وصحية، وتقنية، وإعلامية».
ووفق البيان فإن المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي أدى «دوراً في توثيق وتنظيم المعلومات الناتجة عن التحقيقات وربطها بقواعد البيانات وتحويل المعلومات المتفرقة إلى بيانات قابلة للتحليل والمقارنة، فضلا عن الإشراف على عمل مركز التحليل الاستخباري الذي يضم في تشكيله المحققين القضائيين وكوادر مختصة من وزارة الداخلية العراقية وجهاز المخابرات الوطني وجهاز الأمن الوطني ومديرية الاستخبارات العسكرية ضمن بيئة مشتركة لتدقيق بيانات المتهمين وربط المعلومات والأدلة ودعم الجهات القضائية والتحقيقية بالوثائق والتقارير الفنية».
بدأ إجراءات محاكمتهم… ينتمون لـ67 دولة عربية وأوروبية
وشملت إجراءات توثيق الأدلة الجنائية من قبل مديرية تحقيق الأدلة الجنائية التابعة الى وزارة الداخلية، «تسجيل البيانات البايومترية للمحتجزين، بما في ذلك بصمات الأصابع وبصمة قزحية العين وعينات الحمض النووي وطبعات الكف»، حسب البيان الذي لفت إلى أنه «في الجانب التنفيذي المتعلق بإدارة أوضاع المحتجزين، تولت وزارة العدل من خلال سجن الكرخ المركزي الذي أودع فيه المتهمون بدور في تنفيذ القرارات والأوامر القضائية المتعلقة بإيداعهم، وتأمين احتجازهم وفق الأطر القانونية المعتمدة، وتوفير المتطلبات الخدمية والصحية والإنسانية اللازمة».
كما كشفت التحقيقات «معلومات مرتبطة بجرائم جسيمة ذات بعد دولي ارتكبت بحق المجتمع الإيزيدي، وجرى تحديد ستة متهمين وردت في ملفاتهم أدوار مرتبطة بصورة مباشرة بملف سبي الإيزيديات أو الاحتجاز، أو النقل أو البيع، أو الإشراف، أو الاستفادة من نظام الاسترقاق الذي أقامته عصابات داعش الإرهابية».
وخصص القضاء، وفق البيان، «مساراً مستقلا للتعامل مع الأحداث، تضمن تقدير العمر بواسطة فريق متخصص من دائرة الطب العدلي، والاستعانة بضباط تحقيق متخصصين، إلى جانب دراسة أوضاعهم الاجتماعية والنفسية من قبل مكتب الدراسات الشخصية»، مبيناً أن نتائج التحقيقات أكدت «عدم ثبوت الأدلة في بعض الحالات أدت إلى إطلاق سراح وتسليم محتجز فنلندي إلى السلطات الفنلندية ومحتجز أمريكي إلى السلطات الأمريكية، وإطلاق سراح سبعة محتجزين عراقيين».
وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى «استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح 457 محتجزاً من الجنسية السورية ممن لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية بحقهم، تمهيداً لتسليمهم إلى الجانب السوري. ولهذا الغرض، جرى التنسيق مع السفارة السورية في بغداد عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية لوزارة الخارجية العراقية، لتنظيم إجراءات تسليمهم إلى سوريا بعد استكمال المتطلبات القضائية والقانونية الخاصة بكل حالة».
وتابع: «رافقت التحقيقات ضمانات قانونية وإنسانية، إذ تم انتداب محام لكل متهم بالتنسيق مع نقابة المحامين، إلى جانب إجراء الفحوصات الطبية وتوفير الرعاية الصحية من قبل كوادر وزارة الصحة العراقية، فيما أجرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارات مستمرة للمحتجزين، وتم تمكينهم من التواصل مع ذويهم ضمن الضوابط القانونية والأمنية».
وفي إطار متابعة أوضاع الرعايا الأجانب، أفاد البيان بأنه «تم تنظيم زيارات لبعثات دبلوماسية وقنصلية لعدد من الدول إلى رعاياها، بما أتاح للبعثات المعنية متابعة أوضاعهم، وذلك بالتنسيق مع المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي والجهات العراقية المختصة ووفق السياقات القانونية والدبلوماسية المعتمدة».
وأوضح أنه «مع الانتقال إلى مرحلة المحاكمة، تم تجهيز قاعة للمحاكمة عن بعد بدائرة تلفزيونية مغلقة واتصال مرئي مباشر لتمكين مشاركة المتهمين ذوي الأهمية الأمنية العالية في جلسات محكمة الجنايات وتقليل مخاطر نقلهم».
وأكد القضاء العراقي أن هذا الملف يخضع «للاختصاص القضائي العراقي والتشريعات الوطنية النافذة، وفي مقدمتها قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 وقانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل، إلى جانب التشريعات المتعلقة بالأحداث وحماية الشهود والضحايا».
وشدد على أن «استكمال استجواب وتحقيق جميع المتهمين الـ 5704 يمثل انتهاء المرحلة التحقيقية والانتقال إلى المباشرة بمرحلة المحاكمة، إذ ستتم إحالة المتهمين إلى المحاكم المختصة على دفعات، ويكون النظر في كل قضية والحكم فيها قائماً على الأدلة والوقائع الخاصة بالمتهم، دون إعمام نتيجة ملف على آخر».
كما حثّ المجلس على أن «إدارة هذا الملف تمت بكوادر عراقية وطنية ضمن منظومة ربطت التحقيق القضائي بجمع الأدلة والتحليل والتوثيق وقواعد البيانات، فيما تقتضي الطبيعة الدولية للملف وتعدد جنسيات المشمولين به استمرار التعاون القضائي مع الدول المعنية وتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته في استكمال الإجراءات المرتبطة بالملف، بما يدعم تحقيق العدالة ويحفظ حقوق الضحايا ويعزز مبدأ عدم الإفلات من المساءلة».