تمثل المجموعة القصصية «المرأة التي فقدت ظلها» للكاتب السوري أحمد حسين حميدان، الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، تجربة سردية تتجاوز تسجيل آثار الحرب السورية إلى مساءلة الكيفية التي تُكتب بها هذه التجربة. فالنصوص لا تنشغل برصد الخراب وحده، بل تتأمل أدوات السرد نفسها، مستثمرةً تقنيات الميتا-السرد بوصفها وسيلة فنية للتعبير عن واقع فقد كثيراً من يقينياته.
ويحضر الميتا-السرد في المجموعة من خلال وعي النص بذاته، وإظهار عملية الكتابة بوصفها جزءاً من الحكاية. فالسرد لا يكتفي بتمثيل الواقع، بل يكشف للقارئ آليات بنائه، ويعيد النظر في العلاقة التقليدية بين المؤلف والشخصية، بما يخفف من الإيهام الواقعي، ويفتح المجال أمام قراءة تتجاوز الحدث إلى كيفية تشكله داخل النص.
تتجلى هذه السمة بوضوح في قصة «بطل القصة»، حيث يرفض البطل النهاية التي رسمها له المؤلف، ويغادر المسار الذي خُطِّط له باحثاً عن طفولته وذاكرته. ولا يبدو هذا التمرد مجرد مفارقة سردية، بل يحمل دلالة أعمق؛ إذ يعكس رغبة الشخصية في استعادة إرادتها داخل عالم تحكمه قوى تتجاوزها. فالشخصية هنا لا تؤدي دوراً مرسوماً سلفاً، وإنما تدخل في حوار ضمني مع كاتبها، بما يجعل العلاقة بينهما جزءاً من البنية السردية نفسها.وتتواصل هذه الرؤية في قصة «اختفاء»، التي توحي بأن الإنسان المفجوع بالحرب يصعب احتواؤه داخل بناء حكائي مغلق. فالشخصية تبدو أكبر من التعريفات الجاهزة، وأكثر تعقيداً من أن تختزلها نهاية واحدة، وهو ما ينسجم مع طبيعة التجربة التي تتناولها المجموعة.
ويمتد هذا التمرد إلى رفض الشخصيات للصور المفروضة عليها. ففي «فوتوشوب»، لا يقتصر الأمر على نقد التزييف الرقمي، بل يلامس أزمة الهوية في عالم تتداخل فيه الحقيقة بالصورة. فرفض البطل المشاركة في مشهد مصطنع يكشف عن رفض أوسع للروايات التي تعيد تشكيل الواقع، قبل أن يعود حاملاً رأساً لا يشبهه، في صورة رمزية تعبر عن اغتراب الإنسان عن ذاته. ولا تقتصر دلالة المجموعة على تمرد الشخصيات، بل تتجلى أيضاً في إعادة تشكيل الزمن والمكان. ففي «ساعة جدي»، تفقد الساعة وظيفتها التقليدية، لأن الحرب جعلت الزمن دائرياً، تتكرر فيه الأيام والانتظارات من دون أفق واضح. أما في «المفتاح»، فيتحول المفتاح إلى أثر لذاكرة المكان أكثر من كونه وسيلة لفتح باب، فيغدو رمزاً لبيت غائب وعودة مؤجلة، ويختزن علاقة الشخصية بماضيها أكثر مما يحيل إلى وظيفته المادية. ومن المهم التمييز هنا بين الميتا-السرد بوصفه وعياً بالنص وآليات بنائه، وبين البنية الرمزية التي تتجسد في عناصر مثل المفتاح والمرآة والساعة. فهذه الرموز تؤدي دوراً أساسياً في إنتاج الدلالة، لكنها لا تنتمي جميعها إلى الميتا-السرد بالمعنى الاصطلاحي، وإنما تتكامل معه في بناء عالم يقوم على التشظي وفقدان الاستقرار.
ويتضح هذا التشظي في قصتي «مرايا الغياب» و«المرأة التي فقدت ظلها»، حيث تتحول المرآة إلى أداة تكشف غياب الهوية أكثر مما تعكسها، بينما يغدو فقدان الظل استعارة لفقدان الشعور بالأمان والانتماء. فالذات لم تعد ترى صورتها كاملة، كما لم يعد المكان قادراً على احتضانها بعد أن غيّرته الحرب. وتبرز العلاقة بين الإنسان والمكان أيضاً في «مقبرة هنا مقبرة هناك»، حيث يفقد المكان الأليف معناه الأول، لتتحول الحديقة إلى مدفن، ويغدو البيت شاهداً على الغياب أكثر منه فضاءً للحياة. أما في قصص اللجوء والمنفى، مثل «جواز سفر»، فيتحول الجواز من وثيقة عبور إلى علامة على اقتلاع الإنسان من بيئته الأولى، بما يحمله ذلك من أسئلة حول الهوية والانتماء.
ولا تنفصل هذه التحولات عن لغة المجموعة، التي تميل إلى التكثيف والإيحاء، وتستثمر الرمز بوصفه جزءاً من البناء السردي. فالمرآة، والمفتاح، والساعة، والبيت، ليست مجرد تفاصيل وصفية، بل عناصر تتكرر لتشكّل شبكة دلالية تعكس تفتت الذاكرة والعلاقة المضطربة بين الإنسان وعالمه. وتطرح بعض القصص سؤالاً آخر يتعلق بقدرة اللغة على مقاربة الكارثة. ففي «زلزال في دفتر مذكرات»، تبدو الكتابة محاولة للحفاظ على الذاكرة، أكثر من كونها تفسيراً لما حدث، بينما تكشف قصة «آخر ما قاله الطبيب» عن فجوة بين الخطاب الواقعي وتجربة الشخصية الداخلية، بما يعكس حدود اللغة أمام الصدمات الكبرى.
ومن خلال هذه التقنيات، لا تقدم المجموعة الحرب بوصفها موضوعاً خارجياً فحسب، بل باعتبارها قوة أعادت تشكيل الزمن والهوية والعلاقة بين الإنسان ونفسه. لذلك، لا يبدو توظيف الميتا-السرد منفصلاً عن موضوع القصص، وإنما ينسجم مع عالم فقد انتظامه، وأصبح بحاجة إلى أشكال سردية قادرة على التعبير عن هذا الاضطراب. وتكشف قراءة المجموعة أن أحمد حسين حميدان لا يستخدم الميتا-السرد بوصفه تقنية تجريبية قائمة بذاتها، وإنما يوظفه لخدمة رؤيته الفنية، حيث تتقاطع مساءلة النص مع مساءلة الواقع، ويصبح تمرد الشخصية على مؤلفها معادلاً رمزياً لمحاولة الإنسان استعادة صوته في مواجهة الحرب والفقد.
وفي المحصلة، تقدم «المرأة التي فقدت ظلها» تجربة سردية تجمع بين الوعي ببنية النص والانشغال بالأسئلة الإنسانية التي تثيرها الحرب. فهي لا تدعي الإحاطة بالمأساة، بقدر ما تحاول مقاربتها عبر أشكال سردية تتيح للقارئ أن يشارك في بناء المعنى، وأن يتأمل العلاقة بين الحكاية ووسائل إنتاجها، وبين الواقع وتمثيله الأدبي.
كاتبة عراقية