المشهد الانتخابي يزداد «سخونة» بين هجوم بن كيران ودفاع أخنوش وتحذيرات اليسار


الرباط – «القدس العربي»: مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في المغرب، المقرر إجراؤها في 23 أيلول/ سبتمبر، ارتفع لهيب السجالات والتراشقات الكلامية بين الأحزاب السياسية، وتصاعدت حدة الانتقادات المتبادلة بينها. فبين تصعيد عبد الإله بن كيران ضد الحكومة الحالية، ودفاع عزيز أخنوش عن حزبه وقياداته، وانتقادات «الأصالة والمعاصرة» لبعض الاختلالات الاقتصادية، وتحذيرات اليسار من حالة الانحباس السياسي والاجتماعي، يبدو أن المشهد الحزبي المغربي دخل فعليًا مرحلة ما قبل الاستحقاقات الانتخابية. غير أن السؤال الذي يطرحه المواطن: هل الأحزاب قادرة على تقديم أجوبة عملية عن أسئلة المعيشة والعدالة الاجتماعية والتنمية، وهي القضايا التي تهم المعيش اليومي للمغاربة أكثر من السجالات السياسية المتبادلة.

وإذا كان حزب «الأصالة والمعاصرة» قد اختار أخذ مسافة نسبية عن التحالف الحكومي من خلال انتقاد عدد من الملفات، من بينها قضية استيراد الأغنام وما بات يعرف إعلاميًا بـ «الفراقشية» ــ وهو وصف انتقل من معناه الأصلي المرتبط بلصوص الماشية إلى توصيف مستغلي الأزمات ومنتهزي الفرص ــ فإن أحزابًا أخرى واصلت السير في طريقها المعتاد نحو صناديق الاقتراع.
أما الأمين العام لحزب «العدالة والتنمية»، عبد الإله بن كيران، فقد صعّد من لهجته تجاه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ملوحًا إلى أن «مصيره هو المحكمة والسجن». وقال في لقاء مع أنصار حزبه في مدينة بوزنيقة (حوالي 40 كلم عن العاصمة الرباط) إن أخنوش يجب أن يكون متأكدًا من أن «مصيره هو المحكمة ومصيره هو السجن»، رابطًا هذا الموقف بملف مالي يتعلق بمبلغ 2.6 مليار درهم (ما يعادل نحو 260 مليون دولار أمريكي).
ولم يقتصر هجوم ابن كيران على هذا الملف، بل انتقد أيضًا غياب رئيس الحكومة وسفره إلى جزيرة مايوركا الإسبانية لحضور مناسبة خاصة، في وقت كانت فيه أحداث سبتة المحتلة تستأثر باهتمام الرأي العام، معتبرًا أن ذلك يعكس تغليبًا للمصالح الشخصية على المسؤولية السياسية. كما انتقد زعيم الحزب الإسلامي التفاوت الاجتماعي واتساع الفوارق الطبقية وتضخم ثروات بعض رجال الأعمال والمسؤولين، موجهًا تحذيرًا من محاولات تخويف الفاعلين السياسيين عبر الإيحاء بالقرب من دوائر النفوذ. وأكد أن الملك يمثل رمزًا لجميع المغاربة، في حين يظل المسؤولون السياسيون خاضعين للمحاسبة والنقد والنقاش العمومي.
ولم تتوقف انتقادات ابن كيران عند رئيس الحكومة، بل وسع دائرة هجومه لتشمل أحزاب التحالف الحكومي، محمّلاً حزب «الأصالة والمعاصرة» جانباً من المسؤولية عن الأزمات والتوترات السياسية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش الدفاع عن حزبه وقياداته، حيث خرج بتصريحات مساندة لرئيس مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي) والقيادي في حزب «التجمع الوطني للأحرار» رشيد الطالبي العلمي، على خلفية الجدل الذي أثاره تسريب تسجيل صوتي منسوب إليه خلال اجتماع مغلق للمكتب السياسي للحزب.
ولم ينتقد أخنوش خلال لقاء حزبي في مدينة وجدة (شرق البلاد) مضمون التسجيل بقدر ما انتقد عملية التسريب نفسها، معتبراً أنها تمثل انتهاكاً لحرمة النقاش الحزبي الداخلي ولأخلاقيات العمل التنظيمي. وشدد على أن الاجتماعات الحزبية ينبغي أن تبقى فضاء آمناً يسمح بحرية التعبير وتبادل الآراء دون خوف من التوظيف السياسي. كما برر ما ورد في التسجيل الصوتي بالقول إن تطلع القيادات السياسية إلى الاستحقاقات المقبلة، ومناقشة التحالفات والحقائب الوزارية المحتملة، يدخلان ضمن طبيعة العمل الحزبي والتدافع الديمقراطي. وأوضح أن الأحزاب تتنافس أولاً من أجل تحقيق نتائج متقدمة في الانتخابات، ثم تدخل في مشاورات لتشكيل الأغلبية الحكومية وفق برامجها وتصوراتها السياسية. وأضاف أن القرار النهائي بشأن تعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة يظل اختصاصاً دستورياً حصرياً للملك، مهما بلغت تطلعات الأحزاب أو تقديراتها السياسية.
غير أن تصريحات أخنوش، التي بدت موجهة لاحتواء تداعيات التسريب الصوتي والحفاظ على تماسك الحزب، لم تنجح بالقدر نفسه في إقناع جزء من الرأي العام بأن الحديث عن توزيع الحقائب الوزارية وترتيب المواقع السياسية قبل إجراء الانتخابات أمر طبيعي، خاصة عندما يصدر عن مسؤولين يتولون في الوقت نفسه رئاسة مؤسسات دستورية مهمة.
ومن جهة أخرى، برز موقف فوزي لقجع، الملتحق حديثاً بحزب «الأصالة والمعاصرة»، الذي اختار التركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية. فرغم مسؤوليته الحكومية كوزير منتدب مكلف بالميزانية، انتقد موجة الغلاء وارتفاع أسعار اللحوم والمواشي، وهاجم الاحتكار والمضاربات التي أثرت في القدرة الشرائية للأسر المغربية، واصفاً هذه الممارسات بأنها شكل من أشكال «الإرهاب الحقيقي» الذي يستهدف المواطنين.
أما في ضفة اليسار، فقد اختار عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب «فدرالية اليسار الديمقراطي»، إثارة موضوع ما وصفه بـ «الانحباس السياسي والاجتماعي» الذي يمر منه المغرب. وخلال مشاركته في لقاء نظمته مؤسسة الفقيه التطواني الخميس الماضي، اعتبر أن البلاد تشهد تراجعاً في الثقة بالمؤسسات وبجدوى العمل الحزبي والسياسي. وجمع العزيز في انتقاداته مختلف التجارب الحكومية المتعاقبة، بما فيها الحكومات التي شاركت فيها أحزاب اليسار وحزب «العدالة والتنمية»، معتبراً أن تعاقب الحكومات وتغير الوجوه لم يؤديا إلى تغيير جوهري في السياسات العمومية أو إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية القائمة. كما شدد على أن قطاعي التعليم والصحة أصبحا يشكلان عبئاً متزايداً على الطبقات المتوسطة والفقيرة، داعياً إلى إعادة الاعتبار للمرفق العمومي. وفي هذا السياق، اقترح إحداث «سجل خاص بالأثرياء» باعتباره آلية لتحقيق قدر أكبر من العدالة الضريبية وتوفير موارد إضافية لتمويل الخدمات الأساسية وتقليص الفوارق الاجتماعية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *