متان غولان
واجه قضاة المحكمة العليا صعوبة في إخفاء الاستياء في جلسة استماع عقدت الخميس الماضي للنظر في التماس عائلة طوباسي، التي أجبرها المستوطنون على إخلاء بيتها. سأل القاضي اليكس شتاين، الذي كان من هيئة المحكمة إلى جانب رئيس المحكمة إسحق عميت والقاضي يحيئيل كشير، ممثل الدولة: “لماذا لا نرى الناس خلف القضبان؟ نشاهد فيديو لجريمة تتعلق بسيارة، وبعد ذلك تتخلى الشرطة عن القضية، لماذا لا تقوم بمصادرتها؟ هل يلعبون كرة القدم مع هؤلاء الناس”. وأضاف شتاين وهو يشير إلى فيديو يوثق جنوداً يلعبون إلى جانب مستوطنين في ساحة منزل العائلة، وسط عملية عسكرية لإخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية في قريتي جالود وقصرة.
في هذه الأثناء، استولى الجيش على المنزل، ولم تعد العائلة إليه حتى الآن. “ما دور الجيش هنا؟ هل يحمي السكان أم يحمي المعتدين؟”، تساءل القاضي عميت. “لماذا نحتاج إلى تنسيق عودة؟ علينا طرد هؤلاء (المستوطنين) من هناك. ثمة شيء غير منطقي في رغبة الجيش الاسرائيلي في حماية السكان، في حين يحتل الجنود بيتهم”.
لم تغادر عائلة طوباسي بيتها، بل طردت منه أمام طاقم صحيفة “هآرتس” وبحضور عناصر من حرس الحدود في 22 تموز. حوصرت العائلة شهراً تقريباً بين موقعين أقامهما المستوطنون على جانبي أرضهم في قرية جالود، على مشارف المنطقة “ب”. هناك على تلة معزولة، بنى رب العائلة بيتين لأولاده. في نيسان، أقام المستوطنون كوخاً في ساحة البيتين، وبعد أسبوع ونصف أحدثوا ثغرة في سور أحد البيوت وأشعلوا النار في سكانه. ورغم ذلك، ورغم أمر إغلاق المكان أمام الإسرائيليين، استمر الموقع الاستيطاني في الساحة أمام البيت لأسابيع.
في حزيران، استولى المستوطنون أيضاً على مبنى قيد البناء عند سفح بيوت العائلة وأغلقوا المداخل بالحجارة وبدأوا يهاجمون أي سيارة تحاول الوصول إليه. “هل جئتم إلى البؤرة الاستيطانية”، هكذا سأل ضابط من حرس الحدود طاقم “هآرتس” في ذلك اليوم الذي جاءوا فيه لزيارة العائلة المحاصرة. بالنسبة لها، كان تواجد المستوطنين أمراً واقعاً. على طول الوادي وفي قلب الأراضي الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، كانت السيارات الإسرائيلية تسافر ذهاباً وإياباً بين جالود وقمة جبل قصرة.
لم تغادر عائلة طوباسي بيتها، بل طردت منه أمام طاقم صحيفة “هآرتس” وبحضور عناصر من حرس الحدود في 22 تموز
قبل ذلك بساعة تقريباً، تعرف مستوطنون يطلون على القرية على مراسلي “هآرتس” الذين كانوا على وشك عبور الوادي، فانقض عليهم ملثمون يحملون العصي. بعد التواصل مع المسؤولين الأمنيين، وصلت قوة لحرس الحدود إلى المكان. بعد ذلك، تبين أنها لم تأت لمرافقة المراسلين، بل تم استدعاؤها بعد بلاغ عن سيارة عربية. أغلق المستوطنون الطريق بالحجارة، لكن لم يُعتقل أحد. رافقت القوة المكلفة بحماية طاقم “هآرتس” إلى أعلى التلة، إلى حاجز حجري آخر، حيث خرج رجال الشرطة للتحدث مع المستوطنين الذين بدأوا يتحركون بتحد حول السيارة. بعد نقاش قصير بين رجال الشرطة والمستوطنين، خرج المستوطنون وهم يبتسمون. بعد ذلك، اقترب اثنان من رجال الشرطة من السيارة، قال أحدهما إنه لا توجد عائلات في البيوت الموجودة على قمة التلة. وأضاف الآخر بأن الوقت قد فات وأن الصعود إلى البؤرة الاستيطانية سيكون بمثابة استفزاز. في هذه الأثناء، سمح لسيارة مستوطن بالعبور. وأوضح جندي من حرس الحدود أنهم لا يحتاجون إلى نفس مستوى الحماية الذي يحتاجه المراسلون.
بعد ساعتين، قدمت الشرطة أمر إغلاق للموقع صدر في أيار، وتعهدت بتنفيذه ضد كل الإسرائيليين. عاد طاقم “هآرتس” إلى مركز القرية على التلة المقابلة، لكن المستوطنين ابتعدوا عن قوة حرس الحدود وانتقلوا إلى المنطقة المفتوحة الموجودة بين البؤرة الاستيطانية السفلى، وبيت عائلة طوباسي، الذي كان يخضع لأمر إغلاق، وبدأوا يتسلقون إلى ساحة البيت. الشرطة لم تتحرك. بعد ذلك، وثق فلسطينيون سيارة العائلة وهي تنزل من الجبل بمرافقة مستوطنين. ثم دخل المستوطنون إلى البيت.
للوصول الى بيت الأجداد في مركز القرية على بعد نصف كم، اضطرت العائلة الى السفر في شارع التفافي طويل عبر حظائر الدواجن على أطراف قرية قصرة. وعندما وصلوا كان الرجال الذين يجلسون في الخلف يبكون، وكانت الجدة التي تجلس في الكرسي الأمامي هي الوحيدة التي لم تبك. قال أحد أبناء العائلة للصحيفة: “الجيش لم يسمح للناس بالدخول، لذلك فقدنا كل أمل في وصول الطعام أو الماء. بعد ذلك، وصل اثنان من المستوطنين المسلحين وقالا لنا بلغة عربية طليقة: هذه فرصتكم، إذا تركتم الآن فسنؤمن طريقكم، وإلا فلن نكون مسؤولين إذا قتلوكم أو أحرقوكم في بيتكم. لذلك، غادرنا”.
يسعى الالتماس الذي قدمه المحامي غياث ناصر إلى إصدار أمر يسمح للعائلات بالعودة الى بيوتهم وحمايتها وفتح الطرق التي تم إغلاقها وإخلاء البيوت ومحطيها من المستوطنين.
وفي ردها على الالتماس، قالت الدولة إن القوات تجمع أرقام بطاقات هوية المستوطنين وتنقلها للشرطة الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه، يتفرق المستوطنون قبل أن تتحقق قوات الأمن من بطاقات هوياتهم، ما يفسر إغلاق قضايا كثيرة. وقد أرفقت بالالتماس صور للمستوطنين في ساحة بيت عائلة طوباسي ولوحات سياراتهم. وعندما أشار القاضي كيشر إلى التناقض في موقف الدولة، أقر ممثلها أن “السكان المحميين لا يحصلون على الحماية الكافية”، لكنه جادل بأن تطبيق القانون لا يتم في ظروف مختبر.
وتحدث ممثل الدولة عن “8 حالات من لعبة القط والفأر”. ولكن رد الدولة ينص على أن تطبيق القانون في هذه الحالات كان “تجاه البناء غير القانوني” وليس ضد المستوطنين. عند إخلاء البؤر الاستيطانية، يكتفي الجيش الإسرائيلي بهدم الأكواخ ويمتنع عن الاعتقال. في البؤر الاستيطانية في المنطقة “ب” لا فائدة من هدم البنية التحتية والمنشآت المؤقتة، حيث يستخدم المستوطنون أيضاً منشآت فلسطينية مهجورة أو توقف بنائها منذ عزوهم للمنطقة. المراسل شكيد غرين عرف من صحيفة “كالكلسيت”، الذي كان موجوداً في المنطقة في خدمة الاحتياط، وصف في مقال نشره كيف يبلغ الجنود عادة سكان البؤر الاستيطانية بقرار الإغلاق من خلال مرسوم، ثم يغادرون، ويتركون المستوطنين في المكان. وأضاف بأن الجنود حصلوا على تعليمات بعدم منع إعادة إقامة البؤرة الاستيطانية الموجودة أمامهم.
قال القاضي كشير لممثل شرطة شاي: “مسيرتك المهنية أن تصبح ضابطاً في الشرطة. وأنا أفترض أنك تريد النجاح”. “هناك اشتباه وقوع جريمة في أماكن معروفة، حيث يقوم أشخاص لا صلة لهم بالمكان، بدخول بيت ليس بملكيتهم. وقد أصبح هذا الأمر ظاهرة تتكرر منذ شهر. كيف تتعايش مع هذا الوضع؟ جد طريقة تمنعهم من الهرب منك. كان من المفروض أن تتحدث أنت بهذه اللهجة وليس أنا. هم يسخرون منك، ومنا أيضاً. سيدي، كان من المفروض أن ينقلب العالم رأساً على عقب. أتوقع منك هذا الشعور”. وأنهى القاضي عميت حديثه بالقول: “الشعور غير جيد، سنفكر فيما يجب فعله”.
هآرتس 30/8/2026