في تزامن قريب مع حفلة محمد رمضان الغنائية التي أقامها في الساحل الشمالي وأدت إلى ردود أفعال مُتباينة، جاء الاحتفال بالدورة 23 لمهرجان الصيف الموسيقي بمدينة الإسكندرية، ولعل المُقارنة الفنية هنا تفرض نفسها بين نوعين من الإبداع، النوع الأول حقيقي ينتمي إلى الموسيقى العربية المتطورة التي أكسبها الموسيقار الكبير عُمر خيرت طابعاً عالمياً بما أضفاه من تحديث وتجديد وذوق رفيع، والنوع الثاني يتسم بالخفة التي تصل إلى حد الفوضى بوصفه نوعا لا يرتكز إلى قواعد، بل يُمثل اتجاهاً عبثياً يعتمد على عنصر الإثارة بابتداع تقاليع غريبة في الشكل والمظهر واستخدام الملابس والإكسسوارات للفت النظر بعيداً عن ماهية ما يُقدم من أنماط غنائية وموسيقية يختلف الجمهور أو يتفق عليها.
في البداية وقبل الدخول في التفاصيل لابد من التفرقة بين الفن والدعاية، حيث ما يقدمه محمد رمضان وهو مُمثل موهوب جرأة النجاح في السينما والتلفزيون على لعبة الغناء فتحول بفعل الشهرة إلى مُغن مُنافس يتم التعاقد معه وتسوق حفلاته وتُباع التذاكر فيها بمئات الألوف من الجنيهات، تلك هي لعبة الدعاية الذكية التي مارسها رمضان لفترة وتمادى فيها إلى أن صدق نفسه وتوهم أنه فنان مُحترف.
وفي ظل الفوضى وغياب المعايير الفنية الدقيقة صار الفتى الأسمر الطموح نمطاً غنائياً بنفوذه وسطوته وشهرته، ولم تنتبه نقابة الموسيقيين إلى تأثيره الجماهيري وخطورة ما يبتدعه إلا بعد تمكنه من لعبته ورسوخ أقدامه فوق مسرح الغناء الاستعراضي وفرض أدائه بطريقته الخاصة دونما أدنى اعتراض من رقابة المُصنفات الفنية أو أي جهة أخرى معنية.
وبحكم الظروف المُتشابهة والمُتزامنة بين حفلة المُمثل محمد رمضان في الساحل الشمالي، وحفلات الموسيقار والفنان العالمي الكبير عُمر خيرت في الإسكندرية، نعود للتنويه عن الفروق الشاسعة بين موسيقى وأخرى، ونمط إبداعي مُتفق علية ذوقياً وفنياً وعلمياً، ونمط آخر مُختلف عليه شكلاً وموضوعاً.
وهنا يكون الاحتكام إلى العلم والذائقة والفطرة أمراً مهماً للغاية، فموسيقى عُمر خيرت تنتمي إلى الحداثة وتتسم بالمُعاصرة، ومع ذلك لم يُسجل عليها أحد من الجمهور أو النُقاد خروجاً على القواعد الموسيقية العربية والعالمية، بل على العكس هناك تأييد كامل وإجماع على التزام الموسيقار الكبير بقواعد التأثير الإيجابي من رقي وتجديد وتجويد وإمتاع، فالحفلات لم تتم بشكل عشوائي وإنما قادها مايسترو قدير هو ناير ناجي الذي ضبط إيقاع الفرقة الموسيقية بالمازورة، وأبرز مواطن القوة والجمال في المعزوفات فتحركت مشاعر الآلاف من عشاق الموسيقى ومُحبيها بدون هرج أو مرج أو ابتذال. وبامتداد الخط الإبداعي على استقامته عزفت الفرقة بعضاً من مقطوعات الموسيقى التصويرية الشهيرة لخيرت فزاد التفاعل وزادت المتعة، وغابت بالضرورة عبارات النقد السلبية لوضوح التميز وجلاء الصورة البديعة التي مثلت نموذجاً مثالياً يشهد برهافة الحس الفني وحُسن الاستقبال من الجمهور المؤهل ثقافياً لسماع الموسيقى المجردة بغير أصوات النشوز من الآلات والأشخاص. وبالقطع يُحسب لمكتبة الإسكندرية حرصها على رعاية مهرجان من هذا النوع الاستثنائي الراقي وتنميته، بما يؤكد عراقة الموسيقى الشرقية والعربية وتفردهما، فضلاً عن المردود الإيجابي للمُستمع العربي الحريص على نقاء أذنيه والمُحافظة عليهما من رداءة وصخب الوافد العشوائي من نوعيات صوتية صناعية تنتسب بالاسم فقط للموسيقى، بغير صلة حقيقية بالألحان والمعزوفات والمقطوعات التي تمس الروح والوجدان. إن الإقبال الشديد على حفلات عُمر خيرت وردود الأفعال المحلية والدولية لاشك أنها جددت الثقة في الفن الموسيقي الراقي بنوعيه، الكلاسيكي والمُعاصر ودحضت مزاعم المُغالطين المُدعين بأن موجات الحداثة قد ألغت القديم من ألوان الفنون وأدت إلى تراجع الشغف بالتراث، وهذا بالطبع زعم باطل على غير الحقيقة المُثبتة بنسب المُشاهدة والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الثقافية، والحضور الجماهيري المُباشر للحفلات الذي تخطت نسبه المُعدلات المتوقعة.
بينما لم تحظ الحفلات الغنائية التي يختلط فيها الغناء بالرقص بتأييد كل القاعدة الشعبية العريضة، بل أن الغالبية العُظمى منها أعربت عن رفضها واستهجانها لصور التجاوب السلبي ودلالات الإسفاف التي لا تمت للفن والغناء بصلة، غير أن ما يبدو من مظاهر الإعجاب بالمُغني أو المُغنية لا يعكس غير الانبهار فقط بالحالة والأجواء والأضواء المُسلطة عليهما أثناء وقوفهما على المسرح، فلو أدى أي منهما ما يؤديه من ألوان الاستعراض في أجواء عادية وبدون بروبغاندا لصار شكلاً نمطياً باهتاً وافتقد لكل عناصر الإبهار والجذب والنجومية المصنوعة.