عندما تأسست الجمهورية التركية عام 1923، بدا أن مشروع كمال أتاتورك لن يقتصر فحسب على تغيير نظام الحكم، وإنما على إعادة تعريف المجتمع، واللغة، والملابس والعلاقة بالدين، ومعنى أن يكون المرء تركيا.
وكان لا بد لإكمال لهذا المشروع وتحقيقه، من وجود شخصيات تمثل الصورة المضادة لصورة التركي الجديدة، وهنا برزت شخصية العربي في الذهنية التركية ليعاد رسمها لتكون بمثابة صورة مضادة للشخصية التركية. كان العرب قد عاشوا قرونا، لكنهم مع انهيار الدولة أصبحوا خارج الحدود. ومع مرور الوقت لم تعد المسألة تتعلق بالانفصال السياسي وحده، أخذ العربي يظهر في الرسوم السياسية التركية، خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، بوصفه نقيضا بصريا وثقافيا للتركي الجديد، فهو البدوي مقابل التركي الحضري، داكن البشرة مقابل التركي الأبيض، الخاضع للاستعمار مقابل التركي الذي حرر بلاده. هذه الرحلة الطويلة لصورة العربي في المخيال التركي هو موضوع كتاب الباحثة التركية الكيم بوكي أوكيار، أستاذة مشاركة في العلوم السياسية في جامعة يدي تبه في إسطنبول.
اذ نعثر في هذا الكتاب، والذي يضم 98 رسما وصورة، على تتبع دقيق لصورة العربي منذ أواخر الفترة العثمانية وصولا إلى العقد الأول للجمهورية، ويقوم على مادة واسعة من الصحافة التركية الساخرة والمصورة، بينها كراكوز وكاريكاتير إضافة غلى صحف مثل الجمهورية.
الجار العثماني..
عاش العرب والأتراك قرونا داخل الإمبراطورية نفسها، وكانت شخصية العربي موجودة منذ وقت مبكر في مسرح الظل العثماني، ولا سيما في عروض كراكوز، التي رسمت صورة عن شخصيتين عربيتين، «العربي الأبيض» و»العربي الأسود»، وكانت هذه الشخصيات، مثل اليوناني والأرمني والكردي واليهودي، جزءا من عالم ساخر يسخر من المجموعات المختلفة داخل الإمبراطورية. ولعل هذه الملاحظة مهمة لفهم ما جرى بعد 1923، فالجمهورية التركية لم تخترع صورة العربي من الصفر. أخذت مخزونا قديما من الصور والنكات والملابس واللهجات، ثم أعادت توظيفه في سياق قومي جديد. كان الحدث الذي ترك أثرا عميقا في هذا التحول هو الحرب العالمية الأولى والثورة العربية عام 1916. إذ تحولت شخصية العربي من صورة شخصية مألوفة في الوسط العثماني، إلى شخصية متمردة وخائنة وداكنة البشرة، وأخذت صورة ورسوم الصحف التركية في العشرينيات ترسم العربي وهو يظهر مرتبطا بالحلفاء، وخيانة العثمانيين أثناء الحرب. وهكذا غدت الكوفية والعباءة جزءا من قاموس بصري يشير إلى عالم آخر يقع خارج تركيا الحديثة.

ما تتنبه له المؤلفة، أن الأمر لن يتوقف عند حدود كراهية العرب بسبب الحرب العالمية الأولى، وإنما سرعان ما أخذت صورة العربي تؤدي وظيفة داخلية في بناء الهوية التركية الجديدة. فالعربي بات يظهر في الرسوم بوصفه داكن البشرة، وهو ما حول لون البشرة ذاتها إلى جزء من السياسة والهندسة الاجتماعية. أخذت الرسوم التركية منذ الثلاثينيات، تدخل بصورة أوضح في عالم التصنيفات العرقية الذي كان منتشرا في أوروبا. بدأ الرسامون الأتراك يغيرون من ملامح الجسد لـ»آخر». ولذلك نرى أن العربي الذي لم يكن لون بشرته في الرسوم العثمانية القديمة مختلفة بالضرورة عن التركي، أخذ يحصل تدريجيا على بشرة أغمق. ولم يقتصر الأمر على اللون، إذ ظهرت مجموعة من العلامات الجسدية المتكررة مثل «البشرة السوداء، والشعر المجعد وغير المرتب، والأنف العريض، والشفاه الغليظة»، وكانت هذه الصفات مستخدمة لتكوين علاقة بين الشكل الجسدي والصفات الأخلاقية المفترضة. وتقدم الباحثة مثالا لافتا من مجلة «الجريدة المصورة» في 14 حزيران /يونيو 1924، فقد خصص غلاف العدد لمادة تربط السود بالقردة في إطار ما كان يقدم، باعتباره تسلسلا تطوريا. ظهرت صورة قرد مع عبارة تعني «رجل الغابة». كما ظهرت صورة لقرد يقوم بتدخين السيجار وركوب الدراجة وحتى قيادة السيارة. وترى أوكيار في هذا الغلاف نموذجا مبكرا لدخول خطاب عرقي بصري إلى الصحافة الجمهورية.
وهنا تتجاوز المسألة مجرد لون البشرة، فالسواد في الرسوم الكاريكاتيرية أصبح يحمل معنى سياسيا وثقافيا. أخذ يشير إلى المستعمر والمتخلف والبدئي، أما تركيا فكانت تريد وضع نفسها خارج هذا التصنيف، والمفارقة أن الجمهورية التركية التي كانت خارجة لتوها من انهيار إمبراطورية شرقية بسبب هزيمتها من قبل الأوروبيين، أخذت تستخدم بعض أدوات الاستشراق الأوروبي لتضع مسافة بينها وبين الشرق العربي.
كانت أوروبا قد رسمت العثماني نفسه طوال القرن التاسع عشر بوصفه «التركي الشرقي» والغريب وغير الأوروبي، لكن النخبة التركية الجديدة، في عملية إعادة تعريف ذاتها، أعادت توجيه النظرة نحو الجنوب. وتشير أوكيار إلى أن صورة العربي في الجمهورية تشكلت في مواجهة صورة تركية حديثة تقول: نحن لسنا هؤلاء..
السوري.. «تاجر رقيق»
من اللقطات المهمة التي تتوقف عندها المؤلفة، هي الصراع السوري التركي على لواء الإسكندورن. كان اللواء تحت حكم الانتداب الفرنسي، وأخذت أنقرة تطالب به. ومع تصاعد النزاع خلال الأعوام 1936_1939، ازدادت الحاجة في الصحافة التركية إلى تقديم السكان الأتراك في المنطقة بوصفهم جماعة تحتاج إلى الإنقاذ، وفي المقابل تصوير العرب السوريين بوصفهم عاجزين عن الحكم أو قساة أو متخلفين. ولذلك نرى أن أنماط التمييز العرقي أصبحت واضحة، بصورة خاصة في رسوم أواخر الثلاثينيات أثناء استخدام تركيا للظروف الأوروبية والقلق من صعود ألمانيا للضغط على فرنسا في قضية الإسكندرون. وفي هذا الرسوم تحول العربي إلى كائن هجين، أقل إنسانية، في مواجهة ذات تركية واضحة المعالم، وهو ما يظهر بشكل واضح من خلال صورة «العربي السوري»، إذ لم يعد الأمر يدور حول عربي صحراوي بعيد في الجزيرة العربية، بل عن الجار السوري، الذي ينازع تركيا على الإسكندرون، ولذلك أصبح هدفا مباشرا للرسم. ومن أكثر الرسوم قسوة هي الرسوم التي نشرها الرسام الجمهوري نجمي رضا في مجلة «آق بابا» عام 1936. كان رضا من رسامي الجمهورية المعروفين، وفي هذه الرسوم ظهر العربي السوري بوصفه «تاجر رقيق داكن البشرة»، يقف حسب وصف أوكيار عند «بوابات الحضارة». وقد حمل أحد الرسوم عنوان «العبودية في القرن العشرين»، صور فيها نجمي تاجرا عربيا يتفاوض مع المستعمر الفرنسي حول فتاتين بيضاوين، وهنا تتداخل مجموعة كاملة من الرموز، تتمثل في العربي الداكن، والفرنسي، والتاجر السوري الذي يظهر بوصفه مشاركا في تجارة الرقيق، وهذا ما تسميه أوكيار بـ»الصورة الهجينة الجديدة»، فالعربي هنا لم يعد هو ذاك العربي التقليدي الذي عرفه كراكوز، بل تغير دوره، ولباسه، وجسده/بشرته، وأصبح السوري يحمل صفات «السواد» المرتبطة في المخيال الاستعماري بالعبد، ويحمل في الوقت نفسه صورة المستعمر القاسي وتاجر الرقيق، والغاية السياسية من ذلك، القول إن السوري غير قادر على حكم السكان الأتراك في الإسكندرون.
في النهاية، ما يجعل دراسة أوكيار مهمة ومختلفة في دراسة العلاقات العربية التركية، هو أنها لا تبحث في ما قاله أتاتورك، أو ذكره العرب عن الأتراك قبيل وبعيد الحرب العالمية الأولى، وإنما تبحث عن العربي الذي كان يراه المواطن التركي عندما يفتح صحيفة أو مجلة ساخرة، كما أنه من خلال قراءتها لخلفية الصور السياسية، تتيح لنا فرصة لنفهم كيف تشكلت صورة العربي/السوري في تركيا في العقدين الأخيرين، من صورة سائح عربي، إلى لاجئ مرحب به، ثم إلى لاجئ يعيش في منزل تنبعث منه روائح كريهة، وبالأخص مع تفاقم الخطاب العنصري في تركيا وأوروبا عموما بعيد 2016.. ولذلك فهو كتاب يستحق الترجمة.
كاتب سوري