ذكرت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة أن مشروع «المناطق التجريبية» قد فشل، وذلك بعد أن تسببت، عمليا، في فشل الجولة الأخيرة في مفاوضات روما برفضها الانسحاب من مناطق جديدة لتسمح للجيش اللبناني بالانتشار، وذلك بالتزامن مع ازدياد مؤشرات حصول تصعيد عسكري ضد قوات «حزب الله» المتحصنة في جبل علي الطاهر، ومن دون أن تتوقف عن الاعتداءات والتفجيرات والانتهاكات اليومية ضد اللبنانيين.
تجري هذه الأحداث أيضا على خلفية الاستعصاء الكبير في مسألة الصراع الأمريكي – الإيراني وانسداد الآفاق حتى الآن في الوصول إلى تسوية تفتح مضيق هرمز وتوقف الحرب الاقتصادية الأمريكية على إيران، وهو ما أدى إلى تطوّرات في المناطق التي تتمتع بها طهران بنفوذ عسكري وسياسي، كحال العراق الذي تراجعت فيه خطط الحكومة لحصر سلاح الفصائل بعد إعلان الأخيرة رفض المهلة المحددة آخر شهر أيلول/ سبتمبر وساهم التوتر الحاصل في اشتباك أدى لمقتل ضابط وشرطي، وكحال اليمن الذي أشعل فيه الحوثيون كل الجبهات، وصولا إلى لبنان، بطبيعة الحال، ولكن مع تعقيد أكبر نتيجة الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء كبرى من الجنوب، واستخدامه الضغط على الحزب، بدوره، كورقة في توتير المنطقة، وفي الضغط على إيران وعلى الدولة اللبنانية، الواقعة بين المطرقة والسندان.
تعزو إسرائيل استمرار هجماتها بأنها غير راضية عن أداء الجيش اللبناني في التعامل مع البنية العسكرية لـ»حزب الله»، معتبرة أنه فشل في تنفيذ آلية المناطق التجريبية لتحقيق النتائج المتفق عليها. في المقابل، يصرّ الموقف الرسمي اللبناني، ممثلا في الرئيس جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، أن التفاوض يظل البديل الأقل كلفة مقارنة بالحرب، وأن استعادة الأرض ونشر الجيش يجب أن يحصلا ضمن مسار سياسي تدعمه واشنطن ودول عربية رئيسية.
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، وتزايد المؤشرات على إمكانية خسارة نتنياهو أغلبيته الحكومية، يعتقد كثيرون أنه قد يلجأ إلى التصعيد العسكريّ في لبنان، كما يفعل في الضفة الغربية وغزة، ليشد أركان جمهوره اليميني المتطرّف وليعزز أوراقه الانتخابية. إذا حصل هذا التصعيد فإنه قد يغيّر حسابات عديدة، فإذا تمكنت إسرائيل من السيطرة الفعلية على علي الطاهر، وبالتالي، إضعاف قدرات «حزب الله» بشكل أكبر، فإنها ستسعى لفرض شروط أكثر صرامة على لبنان، وستطالب بربط أي انسحاب لاحق بنزع سلاح شامل للحزب.
أما إذا طال القتال وارتفعت كلفته على إسرائيل، فقد تعود الولايات المتحدة والأطراف الإقليمية إلى الضغط باتجاه احتواء التصعيد والحفاظ على «اتفاق الإطار»، وربما تؤدي هذه التداعيات، معطوفة على خسارة نتنياهو في الانتخابات، إلى الدفع باتجاه إدخال تعديلات على «اتفاق الإطار» تجعله أكثر قابلية للتطبيق في الظروف اللبنانية من دون جرّ الجيش إلى قتال «حزب الله»، او حتى استبداله، كما اقترح الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، باتفاقية الهدنة التي أشار اليها اتفاق الطائف والقرار 1701، فاتفاق الإطار، في الحصيلة، كان نتيجة للوضعية الهشّة للدولة اللبنانية، وللغطرسة الإسرائيلية الفائضة على المنطقة.
يواجه عون وسلام ضغوطا من خصوم الاتفاق مع مواصلة جيش الاحتلال اعتداءاته، لأن استمرار الانتهاكات يضعف الحجة القائلة إن التفاوض يحقق نتائج، كما أن خصوم «حزب الله»، يرفعون أمامه سؤالا معاكسا: هل يستطيع الدفاع عن سلاحه باعتباره وسيلة لحماية موقعه في المعادلة اللبنانية إذا أدى الاحتفاظ به إلى مزيد من القتل والدمار والاحتلال؟ وبين هذين الموقفين يمكن أن تتسع مساحة القوى التي تطالب بإعادة النظر في الاتفاق من دون العودة في الوقت نفسه إلى خيار الحرب المفتوحة، الذي لا يوجد أي طرف، قادر على دفع أكلافها أو مواصلتها.