30 بؤرة استيطانية في السنتين والنصف الأخيرتين بمناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية: ظاهرة منظمة ومدبرة


متان غولان

قبل بضع سنوات غادر ف. بيته في قصرة وانتقل مع عائلته إلى جبل عين عينا. البيت السابق كان يقع في حدود المنطقة ج، وأوضح أنهم أرادوا الابتعاد عن الاحتكاكات مع المستوطنين على أراضي القرية في الجبل. على بعد 2 كيلومتر داخل المنطقة “ب” كانوا يأملون الحصول على بعض الهدوء، لكن المستوطنون وصل إلى هناك أيضاً منذ كانون الثاني الماضي.

يقف ف. الآن في الساحة وينظر بالمنظار إلى بؤرة تل “تلبيوت” الاستيطانية على قمة الجبل، حيث سيارة الجيب وفيها مستوطنون ينزلون منها. يقول: “إذا وصل المستوطن إلى عامود الكهرباء ونزل من هناك فهذه دورية روتينية. في النهاية، سيتوجه نحو البيت”، مشيراً إلى ثلاثة منازل “ثم يعود أدراجه”. في الأسابيع الأخيرة، بعد حصار المستوطنين، أصبحت هذه المنازل معروفة في إسرائيل وفي العالم، لكن المضايقات اليومية التي يتعرض لها سكانها والقرويون بدأت منذ أشهر كثيرة.

ويضيف ف.: “إذا وجد المستوطنون شخصاً يمشي وحده يضربونه. إذا نزلوا إلى هنا ملثمين فسنكون في ورطة كبيرة”. ويقصد بـ “ورطة كبيرة” ما حدث في آذار الماضي مثلاً، عندما قتل أمير عودة، وهو أحد سكان القرية، برصاص مستوطن مسلح بسلاح عسكري. أيضاً تم طعن والد أمير في ساقه على يد المستوطنين. قبل أسبوعين تعرض ثلاثة نشطاء من منظمة “النظر إلى الاحتلال بعينه” للضرب المبرح، نقل أحدهم إلى العناية المركزة واحتاج إلى فترة نقاهة طويلة. في اليوم التالي، في نفس المكان، هاجم مستوطنون فلسطينياً وأصابوه في رأسه.

بعد سبعة أشهر على إقامة المستوطنة، ما زال الجبل ومحيطه تحت سيطرة كاملة من المستوطنين. وبين حين وآخر تقوم قوات الأمن الموجودة في الجبل منذ أسبوعين بإبعاد المستوطنين قليلاً عن البيوت، لكنها لا تمنعهم من العودة. أما المستوطنون فيعانقون الجنود ويصافحونهم ويتبادلون معهم النكت.

يراقب ف. وعائلته البؤرة الاستيطانية طوال اليوم وهم خائفون من المستوطنين. وقد هرب بعض الجيران بالفعل، ممن بيتهم في الخط الأمامي. وبينما هو يتحدث، كما توقع، تمر سيارة الجيب التي أنهت جولتها في البيوت الموجودة على أطراف القرية، ثم تصعد إلى البؤرة الاستيطانية مرة أخرى.

ما يحدث في قصرة بات مألوفاً. ففي السنتين والنصف الأخيرتين، أقيمت 30 بؤرة استيطانية على الأقل في مناطق تابعة للسلطة الفلسطينية، معظمها في المنطقة ب، وبؤرة واحدة على الأقل في المنطقة أ. وقد أقيمت هذه البؤر في مواقع استراتيجية بهدف إعاقة البناء الفلسطيني ومنع حركة الفلسطينيين في المنطقة.

على الرغم من الصورة الخارجية التي تحاول إسرائيل إظهارها، فإن كل ما يحدث هو بتعاون الجيش ودعم كامل من المسؤولين المنتخبين. بعد شهر على حل الكنيست ومع اقتراب اكتمال التطهير العرقي في المنطقة ج، ينفذ المستوطنون ووكلاؤهم في الحكومة المرحلة التالية في الخطة بقوة: التوسع في عمليات التهجير، في عمق مناطق السلطة الفلسطينية.

أحداث مؤسفة

تشغل المنطقة “أ” والمنطقة “ب” حوالي 40 في المئة من الضفة الغربية، ومنذ اتفاق أوسلو أصبحت السلطة المدنية فيها تابعة للسلطة الفلسطينية، وحتى العام 2024 لم تتم إقامة أي بؤرة استيطانية فيها، وقد أحبطت محاولات توسيع البؤر الاستيطانية من حدود المنطقة “ج” إلى المنطقة “ب” بأمر من الإدارة المدنية. ولكن كل ذلك تغير في حكومة نتنياهو الأخيرة.

في البداية، أقيمت بؤر استيطانية في المنطقة “ب” على خط التماس مع المنطقة “ج”، وبعد ذلك توغلت بالتدريج داخل الأراضي الفلسطينية، وفي بداية العام 2025 حددت منظمات أبحاث حوالي 10 بؤر استيطانية في مناطق تخضع للسلطة الفلسطينية، معظمها في منطقة المحمية المتفق عليها، التي نقلت إلى صلاحيات السلطة بموجب اتفاق “واي ريفر”، ووصفت بأنها محمية طبيعية، حيث تم الاتفاق على عدم السماح بأي بناء فيها. وإلى جانب ذلك، صادرت إسرائيل صلاحيات التخطيط وإنفاذ قوانين البناء من يد السلطة في المحمية، وفي هذه السنة نقلت إلى يد الإدارة المدنية أيضاً صلاحيات إنفاذ القانون في مناطق “أ” و”ب”، في مواضيع الإضرار بالبيئة والآثار والمياه.

الخلاصة هي وجود 30 بؤرة استيطانية، حيث يظهر أن المستوطنين يفعلون ما يحلو لهم دون أي تدخل حقيقي من قوات الأمن. فمثلاً في شمال قرية قصرة قرب نابلس وعلى الشارع الوحيد الذي يؤدي إلى الموقع العسكري قرب قرية تل، توجد لافتة تشير إلى بؤرة “مغين يهودا” الاستيطانية. يمر الجنود من هناك كل يوم، وأي شخص ينظر من جبل قصرة جنوباً سيرى على تلة قريبة بيوت عائلة الطوباسي، التي تم طردها من جالود بعد محاصرة المستوطنين لها لمدة شهر تقريباً. وإلى الجنوب من هناك أحبطت بؤرة “اور نحمان” الاستيطانية مشروعاً فلسطينياً للبناء في قرية ترمسعيّا، حيث أقيمت البؤرة على أراضيها في العام 2024، على عمق نصف كم داخل المنطقة “ب”. وقد أدت الهجمات المتكررة من قبل سكان البؤرة إلى قطع الطريق المباشرة بين القرية وقرية المغير.

بعض البؤر الاستيطانية في المنطقة لا تعمل على إظهار نفسها أمام وسائل الإعلام. وفي بعضها تعيش عائلات شابة، وقد أقيمت بعيداً عن المناطق المأهولة. بينما تتصرف بؤر أخرى بشكل مختلف كلياً. في بيان صحفي صدر في كانون الثاني، ذكر الجيش الإسرائيلي أن 42 بؤرة استيطانية أقيمت دون موافقة القيادة السياسية هي مسؤولة عن حوالي 90 في المئة من الجرائم القومية في الضفة الغربية. وحسب تقرير صادر عن منظمة “يوجد حكم” في هذه السنة، وقعت معظم هذه الجرائم في المنطقة “أ” و”ب”. وفي نيسان، أعلن أنه تحت ضغط من الولايات المتحدة وفي ضوء موجة الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، قررت الحكومة في آذار تشديد الإجراءات الأمنية ضد البؤر الاستيطانية في المنطقة “ب”. وتم تكثيف عمليات إخلاء الأكواخ، لكن نشاطات المستوطنين في المنطقة استمرت كالمعتاد.

إلى جانب البؤر الاستيطانية في المنطقة “ب” أقيمت في السنة الماضية البؤرة الاستيطانية “ريخس” في جنون سنجل، وهي البؤرة الوحيدة المعروفة حتى الآن في المنطقة “أ”، حيث أعطيت السلطة الأمنية هناك للسلطة الفلسطينية، وبعد بضعة أسابيع على إقامتها، تم إطلاق النار على سيف الله مسلط وقتل، وهو مواطن أمريكي جاء في زيارة عائلية.

دعم من قلب الائتلاف

تتم إقامة البؤر الاستيطانية في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية بشكل متكرر على طول طرق المواصلات وعلى قمم الجبال أو قرب إنشاءات فلسطينية جديدة. وخلافاً للادعاء الرسمي بأن هذه البؤر تقام دون ترخيص أو تنسيق، يبدو أن الأمر ليس بالصدفة، وأن القيادات السياسية تعرف ذلك.

ويتضح هذا أيضاً من مؤتمر منتدى “العودة إلى الوطن” الذي عقد في الكنيست بعنوان “الاستيلاء على المناطق المفتوحة”. ودعا المؤتمر إلى إقامة 100 بؤرة استيطانية أخرى في المناطق “أ” و”ب”. وقد شارك في المؤتمر الكثير من أعضاء الكنيست، بمن فيهم سمحا روتمان وتالي غوتلب ويوآف كيش ودان ايلوز وشلومو قرعي وبوعز بسموت وأوريت ستروك وتسفي سوكوت وغيرهم. “أينما ذهبتم واحتجتم لي سأكون معكم”، هكذا قال رئيس لجنة الأمن القومي تسفيكا فوغل لأعضاء المنتدى، “لأن هذه هي الطريقة الصحيحة (للسيطرة على الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية)، ليس عبر التشريعات أو الأقوال، بل بالأفعال. لا تتوقفوا ولا تتركوا أحداً يوقفكم”.

هذا المنتدى أسسه آباء ثكلى، إلياف ليفي العضو في مجلس إدارة “اتحاد المزارعين” الذي قتل ابنه دافيد في السنة الماضية في غزة أثناء تشغيله لمعدات ميكانيكية هندسية؛ ويهوشع شيرمان الذي قتل ابنه يهودا في آذار الماضي عندما دهسته سيارة فلسطينية أثناء ما سمي بمسح للأراضي في بيت إمرين الواقعة في المنطقة “أ”. وقال شيرمان في جنازة ابنه “الجيل الذي نشأ هنا لا يعرف ما هي مناطق “أ” و”ب” “و”ج – هم يعرفون أن أرض إسرائيل كلها لنا”. وأعلن عن بناء ثلاث بؤر استيطانية جديدة تخليداً لذكراه. وبعد بضعة أيام أقيمت خمس بؤر استيطانية مشابهة، ثلاث في المنطقة “أ”. ورغم إخلاء هذه المواقع الثلاثة في غضون بضعة أيام، أقيمت مواقع أخرى تخليداً لذكرى شيرمان في المنطقة “ب”، بما في ذلك “مغين يهودا” و”نيتسح يهودا”.

هآرتس 28/8/202



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *