يصعب النظر إلى رحيل الممثلة الأمريكية هايدن بانيتيري في السادسة والثلاثين من عمرها من دون العودة إلى طفولتها؛ فقد عاشت أمام الكاميرا زمنا أطول بكثير مما يوحي به عمرها القصير. بدأت العمل وهي رضيعة لم تكمل عامها الأول، ثم دخلت المسلسلات والسينما وهي طفلة، ولهذا لم يكن التمثيل مهنة جاءت إليها بعد أن عرفت الحياة واختارت طريقها، وإنما كان جزءا من طفولتها ومن الطريقة التي اكتشفت بها العالم. وبعد إعلان وفاتها في 17 أغسطس/آب 2026، عادت الصحافة الأمريكية إلى هذه البداية وهي تستعيد مسيرتها وتحاول قراءة حياة امتدت أكثر من ثلاثة عقود داخل صناعة شديدة القسوة والتقلب.
ولدت بانيتيري في نيويورك سنة 1989، وظهرت في «وان لايف تو ليف» و«الضوء الهادي»، ثم شاركت في عدد من الأفلام، ثم جاء تحولها الكبير سنة 2006 مع مسلسل «هيروز» وشخصية كلير بينيت، الفتاة القادرة على ترميم جسدها بعد الإصابات. حقق المسلسل انتشارا عالميا، ثم واصلت حضورها في السينما والتلفزيون، وصولا إلى تجربتها الأهم والأكثر نضجا في «ناشفيل»، حيث أدت شخصية جولييت بارنز وغنت بصوتها، وحصلت عن الدور على ترشيحين لجائزة غولدن غلوب. والمفارقة أن اضطراب جولييت ووحدتها بدوا لاحقا قريبين من بعض ما كانت بانيتيري تعيشه بعيدا عن الشاشة.
وفي مايو/أيار 2026 أصدرت مذكراتها «ذيس إز مي: مواجهة مع الذات»، وكأنها أرادت أخيرا أن تروي حياتها بصوتها، بعيدا عن الصورة التي صنعتها الشهرة. تحدثت عن طفولة لم تكن عادية، وعن الإدمان على الكحول والمواد المخدرة، والاكتئاب، والعلاج، والعلاقات المضطربة. كما كتبت عن علاقتها بالملاكم الأوكراني فلاديمير كليتشكو، وولادة ابنتهما كايا سنة 2014، ثم اكتئاب ما بعد الولادة، وما تبعه من علاج وانكسارات، وصولا إلى انتقال ابنتها للعيش مع والدها.
لهذا لم تنعها الصحافة الأمريكية كنجمة «هيروز» و«ناشفيل» وحدهما. استعادت وكالة أسوشيتد برس بمسيرتها منذ نجومية الطفولة وما رافقها من صراع مع الإدمان والاكتئاب، بينما توقفت «واشنطن بوست» عند قسوة النمو تحت أنظار الجمهور وما كشفته مذكراتها قبل رحيلها بأشهر. وبين الطفلة التي دخلت الكاميرا قبل أن تعرف العالم، والمرأة التي جلست في منتصف الثلاثينيات لتحاسب نفسها، بقيت حياة كاملة تحتاج إلى أن تُقرأ من الداخل. وربما تكون مذكراتها أفضل مكان نبدأ منه هذه القراءة.
«هذه أنا: مواجهة مع الذات»… عندما قررت هايدن بانيتيري أن تنظر إلى حياتها بلا أقنعة
لا تبدو مذكرات هايدن بانيتيري «هذه أنا: مواجهة مع الذات» كتابا عن نجاح نجمة وممثلة عالمية عرفت الشهرة منذ طفولتها، وكأنه كان محاولة متأخرة لاستعادة صاحبة تلك الحياة. فالطفلة التي عملت قبل أن تعرف معنى العمل، ثم أمضت طفولتها ومراهقتها بين مواقع التصوير والاختبارات، كبرت وهي تعرف كيف تؤدي الشخصية المطلوبة منها، لكنها احتاجت سنوات طويلة كي تعرف ماذا تريد هي.
كتبت عن الشهرة من داخلها، ولهذا سقط عنها بريقها المعتاد. كان العمل يمنحها القوة، لكنه دربها أيضا على الاحتمال والكتمان وإرضاء الآخرين. وحين وصلت إلى شبابها، ظلت قادرة على الوقوف أمام الكاميرا حتى عندما كانت حياتها تتفكك بعيدا عنها. لعل أكثر ما يؤلم في الكتاب أن النجاح لم يكن نقيض الانهيار؛ كان الاثنان يحدثان معا. تحدثت بصراحة عن الكحول والأدوية والإدمان والعلاج. وفي أثناء تصوير الموسم الرابع من «ناشفيل» وصلت إلى موقع العمل تحت تأثير دواء قوي، فنامت ولم يتمكن العاملون من إيقاظها، ثم فتحت عينيها بعد ساعتين في المستشفى. عادت إلى العمل في اليوم التالي، لكنها كانت، كما تصف نفسها، تنتظر انتهاء التصوير كي تعود مسرعة إلى الشراب. وتكتب بمرارة عن الوسط المحيط بالنجم عندما يصبح نجاحه مصدر رزق لكثيرين؛ فقد يبدو إبقاؤه واقفا نوعا من المساندة، بينما يكون أحيانا مساعدة له على مواصلة إيذاء نفسه.
وكانت المفارقة الأقسى أن مسلسل «ناشفيل» بدأ يقترب بصورة مخيفة من حياتها. عانت جولييت بارنز اكتئاب ما بعد الولادة ومشكلات الكحول والأدوية والأمومة، وهي الأزمات نفسها التي كانت بانيتيري تواجهها. تقول إن قراءة النص أصبحت مثل النظر إلى نفسها في «مرآة مشوهة»، وإنها كانت تعيش عذابها مرتين: مرة في بيتها بوصفها هايدن، ومرة أمام الملايين بوصفها جولييت. وتبلغ المذكرات أحد أكثر لحظاتها حساسية عند ولادة كايا. تعرضت بانيتيري لنزيف شديد أثناء الولادة القيصرية، وخضعت لجراحة استمرت ثلاث ساعات ونُقل إليها الدم سبع مرات. وفي اللحظة التي اعتقدت فيها أنها قد تموت، لم تفكر إلا في طفلتها. أغمضت عينيها وصلّت: «دع ابنتي تكون بخير… لا تقلق بشأني». ثم استسلمت لفكرة الموت بهدوء غريب، ربما لأنها كانت واثقة أن والد الطفلة سيعتني بها. لكن النجاة من الولادة لم تكن نهاية المحنة. جاء اكتئاب ما بعد الولادة، ثم ازدادت مشكلاتها النفسية والإدمانية. ومن أصدق اعترافاتها قولها لفلاديمير كليتشكو إن مشكلتها ليست في وجود شيء ناقص في حياتها، لديها العمل والطفلة والأصدقاء والرجل الذي تحبه، «ومع ذلك ما زلت تعيسة». كانت تحاول أن تشرح حقيقة يصعب على الآخرين فهمها، لأن الاكتئاب لا يسأل الإنسان عما يملك قبل أن يدخل حياته.
ثم جاءت خسارة مؤلمة أخرى عندما انتقلت كايا إلى حياة مستقرة مع والدها في أوروبا. تصف سفرها إلى كييف بعد أشهر من الغياب عنها بعبارة شديدة البساطة: «اشتقت إليها كأنني فقدت قلبي وروحي». وهناك فوجئت بأوراق الحضانة الكاملة. لم تخف إدمانها وهي تروي المواجهة، لكنها أصرت على أن حبها لطفلتها لم يكن موضع شك.
وفي سنة 2023 مات شقيقها جانسن فجأة. كان سماع الخبر انهيارا آخر وفاجعة مرعبة، لكن شيئا تغير داخلها. وسط الصدمة اكتشفت أثر سنوات العلاج، وكتبت عبارة صغيرة تختصر جانبا مهما من الكتاب: «أستطيع أن أفعل الأشياء الصعبة». لهذا وبعد قراءة أولية للكتاب يمكننا القول إن قيمة هذه المذكرات لا تنتهي عند الإدمان أو الشهرة أو العلاقات. فهي شهادة امرأة حاولت، بعد عمر قضته في أداء أدوار الآخرين، أن تتوقف أخيرا أمام نفسها. لم تقل إنها انتصرت على كل شيء، ولم تمنح حياتها خاتمة مصطنعة. قالت ببساطة ما حدث، وما فعلته بنفسها، وما فعله الآخرون بها، ومن أحبت ومن خسرت. وربما اختصرت بانيتيري معنى مذكراتها منذ صفحاتها الأولى، حين كتبت أن الحياة تستطيع أن «تهزك وتهدمك»، لكن حتى في أسوأ لحظات الإنسان يبقى هناك أمل وفرصة لإعادة البناء. ثم وصلت إلى اعتراف أكثر هدوءا: «الشيء الوحيد الذي أستطيع تغييره هو نفسي، والشخص الذي أريد أن أكونه». وفي الصفحة التالية رأت أن الألم، إذا استطاع الإنسان عبوره، قد يقوده إلى التعاطف والفهم، «والأهم من ذلك، إلى فهم نفسي». لم تكن تكتب سيرة نجمة عالمية أو انتصار كامل، وإنما سيرة إنسانة بقيت تتغير. ولعل عبارتها الأقصر والأشد التصاقا بحياتها هي: «أنا بعيدة عن الكمال». هكذا يصبح «هذه أنا» أقل شبها بعنوان مذكرات، وأكثر شبها بكلمات امرأة توقفت أخيرا عن أداء دور البطولة والنجاة، وقالت قبل رحيلها: هذه حياتي كما كانت، وهذه أنا كما صرت.
كاتب يمني