يردين ميخائيلي وينيف كوفوفيتش وجاكي خوري
كانت المهمة التي طلب من الجنود تنفيذها غير مألوفة من البداية، حتى قبل تصاعد الأحداث واستخدام السلاح. وصفت بأنها “عملية منسقة” في منطقة خان يونس. المنسقون: جنود من الجيش الإسرائيلي يخدمون في قطاع غزة، وأفراد من مليشيا فلسطينية مسلحة تعارض حماس؛ لكن كلمة “تنسيق” بدت مضللة في هذا السياق. لم يكن الجنود يعرفون الوضع الذي دخلوا إليه، ولم يعرفوا إلا لاحقاً أنهم يشهدون تفعيل آلية تحكيم إثر نزاع داخلي في إحدى المليشيات العاملة في قطاع غزة.
قال مقاتل مطلع على الحادثة لصحيفة “هآرتس”: “أحد أفراد العشيرة الذين كنا معهم فتح النار، على ما يبدو بالخطأ، على زوجة أحد أفراد العشيرة المسلحين. حدد الثمن أمام أنظارنا وعلى الأرض، وفم إطلاق النار على ساقيه. تقبل الجميع الأمر وكأنه حكم مشروع. كنا نقف هناك في حالة صدمة تامة”.
هذه الحادثة التي وقعت في وقت سابق من هذه السنة ليست إلا نتيجة ثانوية للتعاون بين الجيش الإسرائيلي والمليشيات في قطاع غزة. ومن مظاهر طمس الحدود أيضاً ظاهرة تجول أفراد المليشيات بحرية في المواقع الكثيرة التي أقامها هناك الجيش الإسرائيلي، حسب شهادات جمعتها “هآرتس”. وقال ضابط خدم في قطاع غزة بأنه شاهد “الكثير من أفراد المليشيات” بعد زيارته لتلك المواقع.
ينظم المسلحون مظاهرات استعراضية، ويصورونها وينشرونها في الفيسبوك لأغراض دعائية ولتجنيد نشطاء جدد.
من جانبهم، يقدم الجيش الإسرائيلي و”الشاباك” الدعم للمليشيات بسبب معارضتها لحماس، وهناك صلة وثيقة بين الطرفين، وتنسيق يقوم على المصالح المشتركة. “ما المشكلة في ذلك؟”، “هذا جيد”، قال نتنياهو في السنة الماضية. وقالت مصادر في غزة إن الجيش الإسرائيلي قدم لعناصر المليشيات دعماً نارياً مدفعياً ومرافقة بمسيرات عندما شنت عمليات ضد التنظيم الإرهابي، في الأراضي المحدودة التي ما زال يسيطر عليها.
ولكن المليشيات لا تستخدم فقط ضد نشطاء حماس، بل أيضاً ضد سكان غزة الذين يحاولون البقاء على قيد الحياة في القطاع. وحسب معلومات جمعتها الأمم المتحدة، فقد عمل المسلحون بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي في طرد سكان غزة من بيوتهم. ووصف ضابط في سلاح الجو ما شاهده عندما تتبع المليشيات بمساعدة طائرة استطلاع وهجوم مسيرة، بمرافقة عنصر من “الشاباك”: “رأيناهم يصلون في شاحنتين أو ثلاث شاحنات صغيرة تشبه بدرجة كبيرة سيارات حماس. كانوا يركضون ويطلقون النار على الناس. لقد دخلوا إلى مبنى ونهبوا كل ما وقع تحت أيديهم وخرجوا بأكوام من المعدات، وبعد ذلك أحرقوا البيت”.
في الأشهر الأخيرة، تابعت “هآرتس” مشروع المليشيات الذي ترعاه إسرائيل. سبق أن تناولت وسائل الإعلام المحلية والدولية عملياتها. ولكن رسم الخرائط استناداً إلى صور الأقمار الصناعية وتحليل الشبكات والمحادثات مع فلسطينيين داخل القطاع والمعلومات التي جمعتها الأمم المتحدة وتصريحات المليشيات نفسها وشهادات مقاتلين وقادة في الجيش الإسرائيلي، تكشف عمق هذا التعاون. كل ذلك يؤدي إلى استنتاج واضح، وهو أن المليشيات الفلسطينية المسلحة أصبحت الذراع التنفيذية للجيش الإسرائيلي و”الشاباك” داخل القطاع.
لهذا المشروع جوانب سياسية أيضاً. تقول إسرائيل إنها تربط أي تقدم في خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة بنزع سلاح حماس، في حين ترى حماس بالمليشيات تهديداً وتطالب بحلها كشرط لنزع سلاحها.
في غضون ذلك وعلى أرض الواقع، تدق أجراس الإنذار. فبعد بدء مشروع المليشيات صرح جنود لـ “هآرتس” بأن الديناميكية التي ظهرت تثير الخوف من وقوع أحداث تشبه مذبحة صبرا وشاتيلا. وأكد ضابط في سلاح الجو تحدث مع “هآرتس”: “انظروا كيف ترسل إسرائيل والجيش الإسرائيلي و”الشاباك” مليشيات مسلحة ومدربة لتنفيذ جرائم حرب، وأنا الذي من المفروض أن أحميهم أثناء العمليات كي لا يصابوا بأذى”.
لقد صنع مشروع المليشيات في غزة تاريخاً بالفعل. فحتى في المراحل الأولى للحرب، جاء في التقارير أن إسرائيل كانت تفكر في تشغيل العشائر بديلاً لحكم حماس بسبب معارضة الحكومة لإدخال السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة.
في حزيران 2025 اعترف نتنياهو علناً بأنه “بناء على نصيحة مسؤولين أمنيين، قمنا بتشغيل عشائر في غزة تعارض حماس”. جاء رد نتنياهو على مزاعم بأن الحكومة سلحت “مجرمين مرتبطين بداعش” في إشارة إلى رجال ياسر أبو شباب، الذي كان يقود مليشيا في منطقة رفح، وكان يصدر تصريحات متكررة لوسائل الإعلام العالمية. عندما أصيب، أفادت التقارير بأنه نقل إلى إسرائيل لتلقي العلاج.
ياسر أبو شباب لم يعد على قيد الحياة، لكن مشروع المليشيات الذي ارتبط باسمه ما زال يتطور وينمو، بل وأكثر من ذلك منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025. مع ذلك، انقسم القطاع إلى قسمين، حيث خضع أكثر من نصفه لسيطرة الجيش الإسرائيلي، في حين خضع النصف الآخر لسيطرة حماس. وهناك خمس جماعات مسلحة بارزة تطلق على نفسها أسماء مثل “القوات الشعبية الفلسطينية”، “آلية مكافحة الإرهاب الفلسطينية”. تظهر أفلام الفيديو التي ينشرها أحياناً عشرات المسلحين، حسب مصادر في قطاع غزة، يصل عدد أعضاء هذه الجماعات إلى المئات. ولكل منها منطقة نشاط محددة في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي. ويبدو أن المليشيات تنشط أيضاً في منطقة سادسة حددتها “هآرتس”، وتنتشر هذه المليشيات في بيت حانون، الشجاعية، دير البلح، خان يونس، ورفح.
ويتيح قرب قواعد المليشيات من خط الفصل بين الجيش الإسرائيلي وحماس – الخط الأصفر – لها شن عمليات بسهولة في المناطق التي تسيطر عليها حماس. وتلقي مصادر في قطاع غزة وتصريحات المليشيات نفسها ومنشورات متواصلة في وسائل الإعلام الضوء على عملياتها، وتشير هذه المصادر إلى وقوع معارك واشتباكات بين أعضاء المليشيات وأعضاء حماس في عدة مواقع في القطاع خلال الأشهر القليلة الماضية. وأفاد أعضاء المليشيات بقتل أعضاء من حماس في رفح. وجاءت أنباء عن مواجهات نتج عنها ضحايا في خان يونس، وفي منطقة مخيمات وسط القطاع. ويتفاخر أعضاء المليشيات بالاستيلاء على سلاح لأعضاء حماس، وهددوا بملاحقة أعضاء المنظمة.
وحسب الجنود الذين تحدثوا مع “هآرتس” فإن أعضاء المليشيات يشاركون في عمليات الجيش الإسرائيلي. وقال ضابط في سلاح الجو إن الجيش الإسرائيلي يرسل المسلحين إلى عمق مناطق سيطرة حماس، إلى مناطق يصعب الوصول إليها، وذلك لجمع طائرات مسيرة تستخدم للتهريب: “كانت التعليمات: أحضروا لي الطائرة المسيرة وخذوا كل ما فيها – لا يهم إذا كانت سلاحاً أو مخدرات، هم يأخذون كل شيء”.
قائد مليشيا في دير البلح أكد تعاونه مع الجيش الإسرائيلي في تهجير سكان غزة. وقال في فيلم فيديو نشره في أيار: “هذه رسالة ننقلها من الطرف الإسرائيلي – أخلوا المكان”. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في نفس الشهر بالحصول على تقارير تفيد بأن قوات المليشيات أمرت سكان غزة بالإخلاء، وأن عائلات النازحين قالت إنها حصلت أيضاً على مكالمات هاتفية من مهجرين قالوا إنهم من القوات الإسرائيلية، يأمرونها بالمغادرة في غضون فترة قصيرة.
في حزيران، أفادت الأمم المتحدة بأن نازحين قدموا شهادات تفيد بأنهم هربوا بعد أن “تقدمت القوات الإسرائيلية – بمساعدة فلسطينيين مسلحين – نحو مناطقهم السكنية وهي تلقي القنابل من الجو”. وليس واضحاً بالتحديد أين نفذت المليشيات عمليات تهجير لسكان غزة، لكن في الأشهر الأخيرة تم إخلاء سكان غزة الذين يعيشون في منطقة الخط الأصفر من بيوتهم، بالتزامن مع عمليات الجيش الإسرائيلي لتوسيع منطقة سيطرته على حساب الأراضي التي تسيطر عليها حماس.
تظهر فيديوهات كثيرة، التي تنشرها المليشيات، مسلحين يركبون سيارات، وغارات، وتدريباً عسكرياً واستعراضات ومسيرات مسلحة واستعراضات عسكرية وتهديدات – كلها تهدف إلى تحدي حماس. وقالت مصادر في حماس للصحيفة بأن هذه المليشيات ما دامت تملك السلاح وتحصل على الدعم، فلن تتنازل عن سلاحها الدفاعي لأنها ستصبح هدفاً للمليشيات.
في نهاية الشهر الماضي، أعلن مجلس السلام، الهيئة التي أنشأها الرئيس ترامب للتعامل مع غزة، عن اتفاق يهدف إلى تنفيذ المرحلة الثانية في خطة السلام. وتربط المادة 8 والمادة 10 في الاتفاق بصراحة بين نزع سلاح حماس وانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة ونزع سلاح المليشيات، لكن نتنياهو أعلن بأن إسرائيل ترفض وثيقة “مجلس السلام”، وفي غضون ذلك أصدرت ثماني دول عربية وإسلامية بياناً أدانت فيه قرار نتنياهو، وزار جاريد كوشنر، صهر ترامب، إسرائيل قبل أسبوع للدفع قدماً بالجهود الدبلوماسية.
في الوقت الذي يبحث فيه مبعوثو الرئيس الأمريكي عن حلول، لا يساور المؤسسة الأمنية أو الميدان أي شك في هوية الشركاء بشأن المسار الذي انتهجته إسرائيل. وأشار مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي في تصريحاتهم للصحيفة بأن الشخصيات الرئيسية في المليشيات ليست قادة سياسيين أو بديل شرعي لحماس، بل هم زعماء عصابات سابقة وتجار مخدرات استغلوا الفوضى في قطاع غزة والفراغ الحكومي لتحقيق مكاسب شخصية.
وأشارت مصادر في قطاع غزة إلى أن بعض أعضاء المليشيات هم أعضاء سابقون في جهاز الأمن التابع للسلطة الفلسطينية. ونشر أحد قادة المليشيات، شوقي أبو نصيرة، فيلم فيديو أوضح فيه موقفه: “لقد بقيت في الميدان وتعرضت لهجمات حماس مثل غيري، قتل ابني وابنتي وتم تدمير بيتي. من المهم أن أدافع عن نفسي وعن الشعب الفلسطيني وعن كرامتي”. وأكد أبو نصيرة أن رجاله ينسقون أمنياً وعسكرياً مع إسرائيل، واتهم حماس بالترويج لمصالح إيران. “لقد اتخذت قرار تحرير الأرض من حماس. إذا قيل إن هذا هو سبب تعاوني، فأنا أتعاون معهم”.
“هم ببساطة يكرهون حماس ويحصلون على الكثير من المزايا والنفوذ من إسرائيل، وهذا يكفي للطرفين”، قال ضابط في سلاح الجو. وينظر كثيرون في المؤسسة الأمنية إلى قرار السماح لهم بحمل السلاح ووضع مناطق في قطاع غزة تحت سيطرتهم بأنه مقامرة محفوفة بالأخطار. وسألت صحيفة “هآرتس” الجيش الإسرائيلي عن توصياته للقيادة السياسية بشأن موضوع المليشيات، وكيف يعمل على تقليص الأخطار التي يتعرض لها الجنود، وكيف يعمل على منع قتل الأبرياء في غزة، وما هو موقف المستشار القانوني في الجيش، فحوّل الجيش الإسرائيلي الأمر إلى “الشاباك” الذي لم يقدم أي رد.
تظهر صور للأقمار الصناعية وأفلام الفيديو من الميدان توسعاً ملحوظاً في مجمع مليشيا أبو شباب في شرق رفح، الذي يضم ترسانة معدات حديثة، النادرة في قطاع غزة. وتستعرض المليشيا أعمالها باستخدام أدوات هندسية ثقيلة وتعبيد منطقة نشاطات جديدة وعربات جديدة مجهزة بمكيفات من نوع “تورنيدو”. وتظهر أيضاً ملعباً مغطى بالعشب الصناعي ومسجداً ومحل بقالة ومحلاً للملابس. وقد تم تصوير المليشيات في الشجاعية وهي توزع دراجات هوائية ملونة على الأطفال. وحسب مصادر في الجيش الإسرائيلي، فإن بعض هذه المعدات مستوردة من إسرائيل.
وقال ضابط رفيع إن “استخدامهم يمثل قيداً عملياتياً أكثر مما هو ضرورة تكتيكية. نحن في نهاية المطاف بحاجة إلى كيان محلي يمكنه فرض النظام في المناطق التي تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي وتنفيذ مهمات في المناطق التي يتمتعون فيها بميزة نسبية على مقاتلينا”. مع ذلك، فإن موقف الجيش الإسرائيلي من المليشيات ثانوي، لأن القرار بشأن مستقبلها يعتمد على مدى الضغط الذي سيستخدمه ترامب على إسرائيل، وعلى استعداد نتنياهو للتقدم في المسار السياسي.
هآرتس 27/8/2026