للبحر حضور متواتر في السرد العربي والعالمي، إذ كان موضوعا أثيرا في العديد من الأعمال التي رسخت في الذاكرة الأدبية، من حنا مينا إلى همنغواي، مرورا بجوزيف كونراد. وقد مثل البحر في كثير من الروايات فضاء للحرية والانعتاق من القيود الاجتماعية والاقتصادية والدينية، ورمزا لإعادة بناء الإنسان والتحرر من الاغتراب والاستلاب، حتى اقترن أحيانا بفكرة الولادة الجديدة.
ومع انتشار الهجرة غير النظامية عبر قوارب الموت، أو ما يسمى بـ«الحرقة»، اكتسب البحر دلالة أخرى، ليصبح رمزا للموت ومقبرة لآلاف الشباب الحالمين بحياة أفضل. إلا أن الكاتب العراقي جمال حيدر، في روايته الجديدة «شايف البحر»، الصادرة عن دار لندن في 255 صفحة، لا يكتفي بسرد رحلة «حرقة» تقليدية، بل يحولها إلى تجربة إنسانية ورحلة وجودية تتجاوز حدود المكان. فعلى الرغم من أنه لا ينتمي جغرافيا إلى فضاء الحكاية، فإنه يقترب منه بحس إنساني لافت. والبحر في الرواية ليس مجرد مساحة زرقاء تفصل تونس عن أوروبا، بل امتحان وجودي قاس يخوضه يوسف بن سالم، الشخصية الرئيسية، وهو خريج فلسفة ضاقت به سبل العيش في تونس، فقرر البحث عن حياة جديدة في أوروبا، ليكتشف أن أخطر الحدود ليست تلك التي ترسمها الدول، بل تلك التي تفصل الإنسان عن ذاته.
الحرقة من حدث اجتماعي إلى سؤال وجودي
تسعى الرواية غالبا إلى تصوير الواقع الإنساني والاجتماعي لذلك ينطلق جمال حيدر في هذا العمل من ظاهرة اجتماعية واقعية وهي الهجرة غير النظامية، مختاراً لأحداثها موقعاً جغرافياً وهو تونس، ليس لأنّ شبابها يرمون بأنفسهم في التهلكة عندما يسافرون بهذه الطريقة حالمين بمستقبل أفضل، وليس لأن تونس أصبحت منطقة عبور لكل شباب وعوائل أفارقة جنوب الصحراء الذين يمثلون الآن إحراجاً كبيراً للسلطة وللمجتمع التونسي، بل لأنّ الكاتب عاش في تونس لفترة ولامس هذه المأساة يقول: «زرت تونس وتعرفت على قصص الحراقة ولامست مشاعر الفقد، التي تكتنف عوائل الذين رحلوا، كل هذا كان بمثابة ومضة توهجت في قلبي لأنقلها في رواية تختصر معاناة الإنسان الباحث عن الأمان والطمأنينة».
يتابع صاحب «بائعة الجوز» متجاوزاً السرد التوثيقي وبلغة شعرية مكثفة، حياة يوسف بن سالم الذي يقطن منطقة حلق الواد المتخرج من قسم الفلسفة، تضطره ظروف البطالة والتهميش إلى العمل على قارب صيد يرثه من والده ليعيل والدته، وبسبب يأسه من تغيير وضعيته، يقرر يوسف مهما كلّفه الأمر السفر إلى أوروبا، وكانت «ناتالي» الفتاة الأوروبية القادمة من بروكسل الذريعة لتحقيق حلمه. فبعد قصة حب عاشها معها في تونس، يقرر الالتحاق، إذ اعتبرها «قارب نجاته» لعله يجد حياة أفضل تشبع فراغه الروحي والمادي. وبطريقة تعدد الأصوات، حيث إنّ كل شخصية كانت تقدم جانباً من جوانب شخصية يوسف، من خلال تعاملها معه، ينجح جمال حيدر في تقديم بورتريه عن يوسف بن سالم يجعله يختلف عن كثير من «الحراقة» الذين يعرفهم المجتمع التونسي، فهو مثقف نوعي وقارئ نهم للكتب، ويمتاز بذائقة رفيعة في الموسيقى والرسم، ويحمل أفكاراً فلسفية عن الحياة والموت والحب والجسد، بالأحرى إنّه شخصية إنسانية قبل أن يكون مهاجراً، فهو ليس مجرد شاب يريد الوصول إلى أوروبا، بل إنسان يحمل أحلاماً وثقافة وأسئلة عن الحياة والمستقبل، فهو يمثل جيلاً من الشباب التونسي الذي يعيش سيرة قلق ويشعر بضيق الأفق ليجعل من البحر طريقاً أخيراً للنجاة لا مغامرة بدافع الترف، شخصية غير سطحية تتطور مع الأحداث. فبعد أهوال البحر يصبح أكثر وعياً بقيمة الحياة، لهذا فالهجرة عبر قوارب الموت لم تكن مجرد انتصار بسيط، وإنّما تجربة قاسية تغير شخصيته ونظرته للحياة، ما يجعل القارئ يتعاطف معه ويحبّه من خلال التركيز على خوفه وأمله ومعاناته بعيداً عن الأحكام الأخلاقية المباشرة أو تصويره كبطل.
يوسف بن سالم كان في «شايف البحر» رمزاً للشاب العربي الباحث عن الكرامة والأمل، وليس رمزاً تونسياً فحسب، إنّه رمز لكل الشباب العربي والافريقي الذي يحلم بحياة كريمة لتتحول الهجرة عبر البحر إلى سؤال وجودي، ويتحول البحر في هذه الرواية إلى شخصية أساسية في مسار السرد.
البحر كمرحلة تطهير وتحول
كل قارئ لـ «شايف البحر»، سيلاحظ أنّها رواية بحرية مائية من العتبة إلى المضمون، فالبحر ليس مجرد خلفية يؤدي دور المكان، وإنّما ساهم بشكل فعال في صنع الأحداث والتأثير في الشخصيات، فهو شاهد على أحلامهم ويستمع إلى ما في داخلهم، إذ نرى يوسف بن سالم في كثير من المواضع يتحدث مع البحر ويُناجيه، لكن البحر كما يقدمه جمال حيدر خصم قاس، بعد أن يهاجر يوسف في قارب ينطلق من سواحل مدينة صفاقس مع مجموعة أخرى من التونسيين والأفارقة، ليعيش مغامرة مخيفة مع أمواج البحر، متخذاً من تقنيات السينما والكتابة المشهدية وسيلة لشد القارئ، خالقا ثنائية «قلم / كاميرا» ساعياً إلى خلق إقامة حوار وتداخل بين الخطاب السينمائي، والخطاب القصصي، بما أنّ الكاتب قد سبر أغوار هذا الفنّ وعمل فيه لسنوات طويلة، فتجد نفسك مع مشهد يحبس الأنفاس، عندما يواجه يوسف الموت في لجة البحر، ليتحول البحر من مجرد مساحة زرقاء إلى لحظة وجودية يرى فيها يوسف حياته تمر أمامه كشريط سينمائي: الطفولة، حلق الواد، صورة الأم، وتونس التي يقول عنها «هذه البلاد التي أحبّها حدّ الموت وأكرهها حدّ الموت»، وبتوظيف القصص القرآني وقصة يوسف بالذات، نتأكد أن التسمية لم تكن اعتباطية، يُنتشل يوسف بعد أن رأى الموت يقترب منه ويلامسه وبدا يستسلم له، كما انتُشل سيدنا يوسف من قاع البئر، ليجد نفسه على شواطئ صقلية جاهلاً مصير كلّ من كان معه في القارب، فهل سيختار له الكاتب مصير سيدنا يوسف، وهل سينجح يوسف في تحقيق حلمه أم سيختار له جمال حيدر مصيراً مغايراً؟
أوروبا الموعودة أم الخيبة المؤجلة؟
لا يمثل غرق القارب وجهل مصير الركاب الذين كانوا يستقلونه حادثة سردية فقط، بل لحظة انهيار اليقين القديم عند يوسف بن سالم، فالبحر بالإضافة إلى رمزيته التي رأيناها هو أيضا صانع للتحول الذي سيعيشه يوسف، فرغم نجاحه في الوصول إلى أوروبا، ونجاحه في العيش مع ناتالي في «بروكسل» العاصمة البلجيكية، إلا أنّه يصطدم بالخواء الروحي، فلم تعد أوروبا كما يراها في بداية الرواية فضاء للخلاص، وأنّ أوروبا ستمنحه حياة كريمة وفرصة لتحقيق ذاته، وإنّما يرى أوروبا، كما يريد له جمال حيدر أن يراها فضاء للاغتراب، عندها يشعر يوسف بالوحدة، وكثيراً ما بدأ يحن إلى أمّه وتونس، خاصة مع تحول أوروبا إلى مكان للصعوبات، فالحصول على عمل، أو الإقامة أو الاندماج ليس أمراً سهلاً، كما كان يتخيل، إذ يكتشف أنّ النجاح يتطلب تضحيات كبيرة، وأنّ الهجرة لا تمحو معاناة الإنسان، وهنا يحاول جمال حيدر أن يضاعف من حدة هذه المعاناة، بجعل يوسف وهو على شاطئ صقلية وقد نجا من موت محتوم إلى شم روائح جثث «الحراقة» التي يقذفها البحر، مشهد مكثف ورمزي أراد من خلاله الكاتب التأكيد على فشل التجربة، يضاف إلى ذلك موت والدته «صالحة» الذي يمثل في الرواية المنعطف الكبير بالمعنى الدرامي. فالأمّ هنا تتجاوز الأم البيولوجية لتصبح رمزاً للوطن، وحين يفقدها يوسف يفقد جزءاً كبيراً من ذاته، ما تدفعه إلى صراع مباشر مع الهوية. فالمهاجر يعيش بين ثقافتين، لكنه يظل يحمل حنينه إلى وطنه، على الرغم من كل الأسباب التي دفعته إلى مغادرته، فجمال حيدر باختياره لهذا الموقف من يوسف، لا يهاجم أوروبا في حد ذاتها، وإنّما ينتقد الوهم الذي يصنعه بعض الشباب حولها، فالرواية تؤكد أنّ المشكلة لا تنتهي بمجرد الوصول إلى الضفة الأخرى، بل تبدأ مرحلة جديدة من الصراع مع الغربة والقوانين والعمل والعزلة، ليكشف يوسف أنّ ما فقده في الطريق أكثر مما كسبه في النهاية.
فيروز الصوت الذي يرافق الرحلة
وعلى الرغم من هذه المعاناة التّي قدمها حيدر في هذه الرواية، من خلال وضع يوسف في امتحان قاس مع الحياة قبل وبعد الهجرة، إلا أنّ الرواية لم تكن بهذه السوداوية، إذّ خلق الكاتب فيها إيقاعاً يتجاوز اللغة الشعرية إلى الإيقاع الموسيقي المتمثل في حضور فيروز اللافت، ابتداءً من العنوان، وصولاً إلى تفاصيل السرد، وفي محطات مهمة من الأحداث. وفي الحقيقة لا يستطيع أي قارئ لهذه الرواية إلا أنْ يستجليَ ذلك الحضور اللافت، لغاية أغنية «الأوضة المنسية» المكثفة بالدلالات الرمزية، فالأوضة المنسية يمكن أنْ تكون الذاكرة، ويمكن أن تكون رمزاً للوطن الذي يغادره الإنسان، لكنّه يبقى ساكناً في وجدانه، ويمكن أنْ تكون أيضاً رمزا لفقد الأحلام وتغيّر الحياة، ثم أخيراً هي رمز الهوية، فهي تمثل الجذور الأولى للإنسان والابتعاد عن هذه الجذور هو ابتعاد عن الذات، وبالتالي فاختيارها في نهاية رحلة يوسف الذي يغادر بروكسل عائداً مخفوراً إلى أرض الوطن ليس اعتباطياً، وهذا ما يجعلنا نقرّ بأنّ حضور فيروز ليس كفنانة، وإنّما جعل صوتها عنصراً بنائياً يرافق السرد، وأنّ ذلك الصوت ظل يرافق رحلة يوسف منذ الحلم الأول، وبهذا يصبح صوت فيروز رمزاً للذاكرة والحنين والإنسانية، في مواجهة البحر والاغتراب، لتغدو الموسيقى في الرواية ليست خلفية للأحداث، بل شخصية رمزية توازي حضور البحر.
في النهاية نقول، إنّ «شايف البحر» رواية شحذ فيها جمال حيدر كل أفكاره الفلسفية عن الحياة والموت والوطن والجسد وصراع الحضارات، وجمعت بين أجناس متعددة بين الموسيقى والتوثيق والقصص الديني والشعر والسينما وأدب الرحلة، فهي ليست رواية عن الهجرة السرية في قوارب الموت فحسب، بل رواية تتجاوز حدود الحكاية إلى وضع أسئلة الإنسان الكبرى: ما الوطن، ما المنفى، وهل تكفي الضفة الأخرى لتحقيق الخلاص؟ لذلك تنتهي الرواية تاركة القارئ أمام حقيقة مؤلمة مفادها، أنّ الإنسان قد يعْبر البحر لكنّه لا يستطيع أنْ يعبر بسهولة ذاكرته، ولا الهروب من أسئلته، وأن ّالخلاص ليس في تغيير المكان، بل في استعادة الكرامة والمعنى.
* كاتبة وناقدة تونسية