منع استقرار المنطقة هو تعريف إسرائيل للأمن!


لم تكن غارات إسرائيل الثماني الأخيرة على مطار أبو الضهور العسكري في محافظة إدلب مجرد ضربة استباقية ضد منشأة سورية أو رسالة عسكرية إلى الحليف التركي لدمشق. كان تعرّض المطار الذي كان خارج الخدمة لسنوات لقصف مدرجه وحظائر الطيران فيه للتدمير، في الواقع، نقطة كشف لتناقض بين مشروعين يتنازعان المنطقة اليوم: مشروع عالمي يسعى، بصعوبة بالغة، إلى إنتاج حد أدنى من الاستقرار الإقليمي، ومشروع إسرائيلي يسعى لزيادة اضطرابات المنطقة وإبقاء دولها ضعيفة وخاضعة للقوة العسكرية الإسرائيلية.
التبرير الإسرائيلي للغارات هو أن دمشق كانت على وشك السماح بانتشار تركي في المطار، وهو ما اعتبرته تهديدا وتغييرا في «الوضع القائم» الذي قامت على إنتاجه بعد سقوط نظام بشار الأسد. رغم نفي تركيا وجود قوات لها في المطار، فقد حذر المبعوث الأمريكي توم براك من أنها كان يمكن أن تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وسوريا وتركيا، وجددت واشنطن، بعد القصف، مسعاها لإنشاء آلية لفض الاشتباك بين الأطراف الثلاثة.
حسب الأنباء الواردة فإن نتنياهو رفض التنسيق ضمن هذه الآلية، وهو ما يعيد التأكيد على أن مفهوم الأمن الذي تتبناه حكومة إسرائيل لا يقوم في الحقيقة على بناء نظام إقليمي مستقر بل على استمرارية عدم الاستقرار وتوقف الازدهار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وبالتالي، امتناع الأوضاع الطبيعية في المنطقة أي بمعنى أدق، على ضمان حرية الحركة الإسرائيلية في ضرب أي استقرار!
ينتظم سعي إسرائيل في تعطيل إعادة بناء القدرات العسكرية السورية منذ سقوط نظام الأسد، واستمرار التوغلات والمداهمات داخل القنيطرة ودرعا وحتى ريف دمشق، ضمن القوس الإقليمي الأوسع الذي ابتدأ من غزة التي لم تتوقف حرب الإبادة عليها منذ 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023، ولبنان، الذي يتواصل الضغط العسكري الإسرائيلي عليه، رغم دخوله مفاوضات شاقة لإقرار وقف إطلاق النار، كما ينتظم ذلك ضمن الخطّ الأوسع الذي أدت إليه الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وهو ما ساهم في خلق أشكال واسعة من التوتّرات في الخليج العربي والعراق واليمن بل وصلت آثار من هذا التوتر العسكري حد قصف مسيّرة لميناء مصري واستهداف لسفينة إيرانية في بحر قزوين.
تستبدل هذه الاستراتيجية الإسرائيلية الحرب الإقليمية الشاملة بحروب تكتفي بنشر الإرهاب المقسّط والموزع على ساحات متعددة. تبقى غزة تحت النار، فيما تتتابع فصول التطهير العرقي والاستيطان وتنسيق عمليات الإجرام الفرديّ والشرطيّ والعسكري، ويظلّ التلويح بتصعيد أكبر في لبنان، وتبقى سوريا مهددة يوميا بالتوغلات والضربات بشكل يمنعها من استعادة الحد الأدنى من السيادة والقدرة العسكرية. تسمح هذه الاستراتيجية الإسرائيلية بمواصلة تغيير الوقائع من دون الوصول إلى دفع أثمان الحرب الشاملة.
بلغ التوحّش الإسرائيلي مبلغا بشكل أثّر على حماتها الأمريكيين وسياساتهم، فإدارة الرئيس دونالد ترامب تريد ضبط الوضع السوري، والحفاظ على علاقاتها الوثيقة بتركيا، وتجنب انفجار جديد يضاعف اضطرابات المنطقة الملتهبة أصلا. جاء إعلان الاستياء الأمريكي من قصف المطار ليكشف أن التباين لا يتعلق بالتكتيكات فحسب، بل بالمآل الذي تطمح واشنطن لمآلات الوضع الإقليمي.
المفارقة أن إسرائيل تبرر أفعالها دائما بالأمن، فتسعى إلى إبقاء على جوار تديره دول ضعيفة، حدودها متحركة، وسياداتها منتهكة، ومجتمعاتها تعيش تحت وطأة شعور قاتل بأن لا شيء يحميها من إسرائيل، وبذلك تقوم «دولة إسرائيل» بإنتاج البيئة التي تضمن بقاء الأمن مستحيلا. المنطق الذي يسكن حكام اسرائيل اليوم، على ما يظهر، هو أنها قادرة على استغلال أي رد شعبي، أو رسمي، على انتهاكاتها، لتبرير مزيد من العدوان، والتوسع، والإرهاب، في دائرة شيطانية لا تتوقف.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *