ترامب لا يزال قادرا على تحديد النقاش العالمي بتغريدة ولكن التحدي لإهاناته وأوامره بدأ


لندن-“القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا لكبير مراسلي البيت الأبيض بيتر بيكر، قال فيه إن أسلوب الرئيس ترامب أصبح سيناريو مألوفا يتكرر، فهو يطرح مطالبه، وحين لا يلبي الطرف الآخر رغباته، يلجأ إلى التصعيد مطلقا تهديدات رنانة بفرض عقوبات مدمرة، فيرضخ الطرف الآخر في النهاية.

لكن يبدو أن مارك كارني، رئيس وزراء كندا، لم يقرأ هذا السيناريو، فقد رفض الرضوخ لإنذار ترامب التجاري، حتى وإن كان الثمن مواجهة رسوم جمركية انتقامية، مما أدى إلى تغيير مسار “السردية” السائدة حول ولاية الرئيس الثانية. وبدلا من الاستسلام، يختبر كارني ما إذا كان التحدي استراتيجية مجدية في مواجهة ترامب.

ويعلق بيكر أن عهد الاستسلام الذي طبع عودة ترامب إلى السلطة بدأ، على ما يبدو، بالأفول، إذ يظهر قادة العالم والمؤسسات المحلية، في بعض الحالات على الأقل، استعدادا أقل للانصياع لإرادة ترامب.

فقد رفض القادة الأوروبيون الانضمام إلى حربه ضد إيران، ورفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطته بشأن غزة، كما أجبرته دول الخليج العربية على التخلي عن خطط لفرض رسوم عبور في مضيق هرمز.

وتقوم الجامعات وشركات المحاماة برفض توجيهاته بدلا من الموافقة عليها والامتثال لها، كما تتمرد أسواق السندات على سياساته المالية. وحتى شبكة “إي بي سي”، التي اعتبر دفعها مبلغ 16 مليون دولار لتسوية دعوى قضائية رفعها ترامب مثالا مبكرا على الرضوخ للرئيس، اكتشفت أن تلك التسوية لم تجلب لها السلام، وهي تقاضي إدارته الآن بسبب تهديدها بسحب تراخيص البث الخاصة بالشبكة.

إلا أن هذا لا يعني التقليل من شأن ترامب، فرغم أن أرقام استطلاعات الرأي الخاصة به تقترب من أدنى مستوياتها التاريخية، فإنه لا يزال الشخصية الأكثر هيمنة على الكوكب، ويستطيع تغيير قواعد النقاش العالمي بمجرد نزوة عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يخشى ممارسة السلطة بأساليب لم يلجأ إليها أسلافه.

وقد ينجح في نهاية المطاف في إخضاع كندا وإسرائيل لإرادته، سواء بقوة شخصيته أو عبر الرسوم الجمركية أو بوسائل أخرى.

وقد ينجح في نهاية المطاف في إخضاع كندا وإسرائيل لإرادته، سواء بقوة شخصيته أو عبر الرسوم الجمركية أو بوسائل أخرى.

ومنحته المحكمة العليا الفرصة تلو الأخرى لاستخدام سلطته التنفيذية كما يشاء، سواء كان ذلك بالسيطرة على الوكالات المستقلة، أو بناء قاعة الاحتفالات التي طالما رغب فيها، أو محاولة تقييد التصويت عبر البريد.

وفي كل مرة يتوقع فيها أحدهم أن يبدأ الجمهوريون في الكونغرس أخيرا في إظهار شيء من الاستقلالية، فإنهم يثبتون خطأ تلك التوقعات. ورغم أنهم قاوموا ضغوطه في بعض الحالات مؤخرا، فإن مصادقة مجلس الشيوخ على تعيين “تود بلانش” في منصب النائب العام أوضحت أنه لا يزال يهيمن على الجناح الجمهوري في الكونغرس.

لكن حتى داخل الحزب الجمهوري، ثمة مؤشرات مقلقة بالنسبة للرئيس. فعلى الرغم من نجاحه في معاقبة العديد من المشرعين الجمهوريين البارزين الذين اعتبرهم غير موالين له، وذلك عبر حشد قاعدته الجماهيرية “ماغا”، أو “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، لهزيمتهم في الانتخابات التمهيدية للحزب هذا العام، فإن ناخبي الحزب الجمهوري رفضوا المرشحين الذين دعمهم ترامب في 10 سباقات انتخابية، منها ستة في شهر آب/أغسطس وحده. وتظهر استطلاعات الرأي تراجعا في مستوى تأييده بين الجمهوريين.

ويقول نورم آيزن، المحامي السابق في إدارة أوباما ومؤسس مجموعة “صندوق المدافعين عن الديمقراطية” التي تخوض معارك قضائية متعددة ضد ترامب: “أعتقد أن الأسابيع الأخيرة مثلت نوعا من نقطة التحول، إذ تقف القوى المؤيدة للديمقراطية وغيرها في وجهه، سواء داخل البلاد أو خارجها، بعزم وقوة أوسع نطاقا بكثير”. وقال: “لقد كان ترامب أسوأ عدو لنفسه”. وبطبيعة الحال، يرفض ترامب ومستشاروه هذا التقييم، مشيرين إلى قدرته المستمرة على توجيه مسار الأحداث.

فقد أملى على الشركات الخاصة كيفية اتخاذ قراراتها وعلى الجامعات كيفية التدريس، وجعل برامج التنوع مثيرة للجدل لدرجة أن أصحاب العمل في جميع أنحاء البلاد تخلوا عنها. كما أفرغ الوكالات الفدرالية من مضمونها دون الرجوع إلى الكونغرس، وسيطر على مركز كينيدي، واستخدم سلطة الحكومة لملاحقة خصومه.

وخلال ذلك، نجح في الضغط على الآخرين للامتثال لرغباته؛ إذ سعت شركات المحاماة والجامعات والمؤسسات الإعلامية وأباطرة التكنولوجيا جاهدين إلى إظهار الولاء، فقاموا بتغيير سياساتهم لتلائمه أو وافقوا على صفقات بملايين الدولارات طالب هو بإبرامها.

وعلق جاكوب وايزبرغ، الذي رصد ظاهرة الخضوع في كتاب جديد يصدر الشهر المقبل بعنوان “نماذج في الجبن”، بأن موازين الحوافز بدأت تنقلب، وأن الرضوخ لترامب قد يؤدي الآن إلى رد فعل عكسي مكلف.

وأضاف وايزبرغ قائلا: “لقد ارتفعت تكلفة الاستسلام”، مستشهدا بموجة الانتقادات التي واجهتها جامعة ييل عندما بدأت التفاوض مع إدارة ترامب.

وبالمثل، توجد مؤشرات على حدوث ذلك خارج الولايات المتحدة أيضا، لا سيما في أوروبا، وبدرجة أقل في الشرق الأوسط. فعندما تولى ترامب الرئاسة مرة أخرى العام الماضي، رضخ حلفاء الناتو لضغوطه ووافقوا على زيادة الإنفاق العسكري؛ أما الآن، فقد أصبحوا أكثر مقاومة لمطالبه على اختلاف توجهاتهم السياسية، بدءا من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ووصولا إلى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

وظهر هذا التحدي بداية العام الحالي عندما سعى ترامب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند، التي تعد جزءا من الدنمارك، عضو الناتو، بل لوح ترامب بإمكانية استخدام القوة العسكرية للسيطرة على تلك الجزيرة الشاسعة، مما أثار احتمال نشوب صراع داخلي بين أعضاء الحلف.

وبدلا من محاولة استرضائه، كما فعلوا في الماضي، عبّر القادة الأوروبيون عن معارضتهم الشديدة لترامب، حتى إن بعضهم أرسل عددا قليلا من القوات إلى غرينلاند لإجراء مناورات عسكرية كرسالة واضحة بهذا الشأن.

ويعيد الصدام مع كندا الكثير من تفاصيل هذا التاريخ إلى الواجهة، فقد واصل الجانبان التصعيد في الأيام الأخيرة. وفي خطاب أعلن فيه عن تعليق المحادثات الأسبوع الماضي، قال كارني إنه طالما حذر من أن “أمريكا تحاول كسر شوكتنا لتتمكن من السيطرة علينا، وقد تعهدت بأن ذلك لن يحدث أبدا”. وانتقد ترامب يوم الثلاثاء كارني، واصفا إياه بأنه “رئيس وزراء ضعيف وغير فعال”، وهدد بتغيير اسم “بحيرة أونتاريو” إلى “بحيرة أمريكا”، نظرا لأننا “لا نتوقع إجراء الكثير من الأعمال التجارية مع أونتاريو بعد الآن”.

ومن جهتها، تراقب دول العالم الوضع عن كثب، إذ أشار جيرمي شابيرو، وهو مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية ويعمل حاليا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن القادة “باتوا يعتقدون في الغالب أن التراجع أمام عدوانية ترامب أو إهاناته لا يؤدي إلا إلى تشجيعه على طرح المزيد من المطالب”.

وأضاف شابيرو قائلا: “أعتقد أن كارني يضع نموذجا لكيفية الرد على تهديدات ترامب المستقبلية بفرض الرسوم الجمركية”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *