عميره هاس
ظهر ضابط الشرطة حازماً جداً عندما أمر كل الموجودين في بيت عائلة جبارين في قرية المنية جنوب بيت لحم، بإخلاء البيت والمنطقة المحيطة به يوم الجمعة. وأوضح أنه لا يشير فقط إلى عشرات النشطاء الإسرائيليين الموجودين في المجمع – معظمهم من اليهود المتدينين من حركة “أبناء إبراهيم” ومن “الشباب الديمقراطيين” – بل أيضاً إلى أصحاب البيت. وصرحت متحدثة باسم الشرطة لـ “هآرتس” بأن “الأمر كان خطأ بشرياً حدث بحسن نية. نحن نعتذر عن الألم النفسي الذي اصاب العائلة”.
وقد ارتكب هذا “الخطأ البشري” المقدم شاي كوهين، وهو ضابط رفيع في شعبة التحقيقات والاستخبارات في مركز شرطة “عصيون” في “بيتار عيليت”. وكان يتولى في السابق منصب نائب رئيس قسم جرائم القتل في قيادة المنطقة الوسطى للشرطة. ولم ترد الشرطة على سؤال “هآرتس” حول ما إذا كان كوهين قد تصرف بناء على أمر من مستوى أعلى – مسؤول في اللواء أو مسؤول في الأمن الجاري – أو أنه تصرف بمبادرة شخصية. في الوقت نفسه، أوضحت عائلة جبارين والنشطاء الإسرائيليون لكوهين خطأه، حيث لاحظوا على الفور بأن أمر “المنطقة العسكرية المغلقة”، الذي استند إليه، ينطبق على ببؤرة “مغين أبراهام”. منذ إقامتها في تموز 2025 على تلة تطل على البيت، تراقب البؤرة الاستيطانية البيت وأرض عائلة جبارين الزراعية، وتتمثل هذه المراقبة كالمعتاد في سلسلة المضايقات والتنمر والإصابة.
احتج النشطاء على أن الضابط بدلاً من إخلاء البؤرة الاستيطانية العنيفة، قام بطرد العائلة الفلسطينية باستخدام أمر كان من المفروض أن يحميها، وطبقه أيضاً على الإسرائيليين الذين جاءوا للتضامن معها
احتج النشطاء على أن الضابط بدلاً من إخلاء البؤرة الاستيطانية العنيفة، قام بطرد العائلة الفلسطينية باستخدام أمر كان من المفروض أن يحميها، وطبقه أيضاً على الإسرائيليين الذين جاءوا للتضامن معها. ورد كوهين بقوله: “أنا الذي أقرر من أطرده أولاً”. عندما قال له أحد أبناء العائلة، حسين جبارين (المواطن الأمريكي) بأن أمر المنطقة العسكرية المغلقة لا ينطبق على سكان البيت، رد عليه كوهين: “أمكتوب في بطاقتك أنك تعيش هنا؟”.
صدر أمر إخلاء مغين أبراهام بتوقيع الجنرال آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى، في 9 تشرين الثاني 2025، ويسري مفعوله حتى 31 كانون الأول 2026. عنوانه وغايته واضحة: “إعلان بشأن إغلاق منطقة (حظر دخول وإقامة الإسرائيليين، مغين أبراهام)”. ويوضح الأمر من هم الإسرائيليون: المسجلون في سجل الإقامة الإسرائيلي، أو الخاضعون لقانون العودة. يتذكر أحد سكان المنية محاولة واحدة من الإدارة المدنية لإخلاء البؤرة. في حين يتذكر آخر محاولتين. في كل الحالات، ما زالت البؤرة وسكانها على قمة التلة.
شارك شرطيان مسلحان وثماني مجندات في طرد عائلة جبارين بـ “حسن نية”، وقد شارك جنود مجهولون، يرتدون أقنعة (أحدهم على شكل جمجمة) ويحملون بنادق طويلة. وقفوا خلف الشرطي المسؤول على جانبيه، وأمروا جميع الموجودين بالمغادرة فوراً. وصرخ أحدهم باللغة العبرية: “أخلوا المكان، هذا تجمع غير قانوني”. على الفور بعد طردهم من بيتهم، وفي حين كانوا يسارعون لتجميع الأغنام لحملها في شاحنة صغيرة، اتصل أبناء العائلة مع المحامي روني بيلي، وهو من جمعية “يوجد حكم”، الذي اتصل بدوره مع مكتب المدعي العام العسكري. هناك وجدوا صعوبة في تصديق أن الفلسطينيين يتم طردهم أيضاً، لكنهم اقتنعوا بعد مشاهدة أفلام الفيديو. في غضون ساعتين، أبلغ المكتب بيلي بالسماح لأبناء العائلة بالعودة، وتم إرسال ضابط من قبل المدعي العام العسكري لتأمين عودتهم.
ثلاث سنوات من المضايقة
بدأت قرية المنية في التطور في أربعينيات القرن الماضي كامتداد لقرية سعير. تربط سكان القرية روابط عائلية، وأراضيهم متجاورة. يقع بيت عائلة جبارين على أرض تملكها العائلة، وتبعد تقريباً خمسين متراً عن جنوب مركز القرية. لقد أقيمت بؤرة “مغين أبراهام” في تموز 2025 على تلة تطل على بيت عائلة جبارين.
بالصدفة، قبل يومين فقط من إخلاء البيت من عائلة جبارين، الأربعاء، حدث خطأ آخر في نفس المكان بالضبط، هذه المرة من قبل القوات العسكرية وحدها: جرافة أغلقت مدخل قطعة الأرض والطريق المؤدية إلى بيت العائلة بالتراب والحجارة. كان يرافق الجرافة رجال يرتدون الزي العسكري ويسافرون في سيارة مع لوحة مدنية. في ذلك الحين، تم قطع المياه عن سكان المنزل بعد أن خرب شخص البنية التحتية لشبكة المياه من جديد. واضطرت العائلة إلى الاعتماد على إمداد الكهرباء غير المنتظم من مولدات كهربائية وألواح شمسية. وكان آخر تخريب لإمداد الكهرباء في كانون الثاني، الذي لم يتم إصلاحه بسبب عدم وجود المال المطلوب لتمديد كابل جديد. خلال يوم كامل، كان أبناء العائلة محاصرين في بيتهم، وهكذا أيضاً الأغنام الموجودة في الحظيرة. جهات فلسطينية وصحيفة “هآرتس” و”محادثة محلية” و”يوجد حكم”، جميعهم توجهوا إلى الجيش الإسرائيلي بشأن الإغلاق. في اليوم التالي، الخميس، جاءت جرافة وأزالت العائق الترابي.
وجاء الرد من الجيش الإسرائيلي: ” نتيجة خطأ في التقدير، حاصرت قوات الجيش الإسرائيلي البيت قرب بؤرة “مغين أبراهام” غير القانونية في لواء “عصيون”. وقد تم تنفيذ الحصار دون الحصول على التفويض المطلوب، وتم رفعه في صباح اليوم التالي. وعند معرفتنا عن الحادثة، سنقوم بالتحقيق فيها، وسيتم تشديد الإجراءات المتعلقة بها”. ورغم تشديد الإجراءات، ارتكب الجيش الإسرائيلي أو الشرطة، أو كلاهما، الخميس، خطأ آخر في اليوم التالي. فقد قرروا محاصرة البيت وإخلائه من سكانه.
يضاف إخلاء البيت قسراً وحصاره في الأسبوع الماضي إلى سلسلة هجمات المستوطنين على عائلة جبارين في السنوات الثلاث الأخيرة، وقد تم ذلك برعاية الجيش والشرطة، أو على الأقل بذريعة عجزهم. ونظراً للهجمات المتكررة التي تعرضت لها العائلة من قبل سكان الكثير من المستوطنات، فقد تقرر في نهاية 2023 نقل نساء وأطفال العائلة للعيش في مكان آخر في مركز القرية.
أقام أبناء العائلة سياجاً من الأسلاك الشائكة حول البيت وتوقفوا عن زراعة القمح والشعير في أرضهم، لأن الجرارات الإسرائيلية تأتي وتدوس المحاصيل. وفي مكان آخر في القرية، في تشرين الأول 2025 اعتدى إسرائيليون على محمود جبارين (50 سنة)، بالعصي وبأعقاب بندقية، ما تسبب بكسر أحد أضلاعه وكدمات في ظهره. وفي السنة الماضية أيضاً، اعتدى إسرائيليون من بؤرة استيطانية أخرى على ثلاثة من سكان المنية وضربوهم ضرباً مبرحاً، إلى درجة أن أحدهم ابن 30 ما زال يستخدم العكاز. ليست هذه سوى أمثلة على الاعتداءات التي نتج عنها إصابات خطيرة.
يقول أحمد جبارين، أستاذ هندسة المواد في جامعة القدس: “أنا وأخي قدمنا شكاوى في شرطة “بيتار عيليت” عدة مرات. وجلبنا للشرطة أفلام فيديو تظهر أشخاصاً يخربون أنابيب المياه وأسلاك الكهرباء. وطلبت منا الشرطة أسماء المعتدين، فقلنا بأننا لا نعرف أسماءهم. ولكن هذه هي صورهم، أنتم المحققون”.
مصدر في الجيش الإسرائيلي قال للصحيفة: “لقد تم إخراج العائلة من بيتها عن طريق الخطأ”. ووجه إصبع الاتهام للشرطي النقيب كوهين، الذي قال بأنه لم يفهم الأمر. وأوضح المصدر بأن الأمر صدر في أعقاب مشادات بين خمسين مستوطن جاءوا إلى بؤرة مغين أبراهام وبين سكان هذه البؤرة. ولكن هذه الصياغة تتضمن ثلاث مغالطات. أولاً، هذا أمر ساري المفعول منذ أشهر، وليس نتيجة مشادات طارئة. ثانياً، لم يأت النشطاء الإسرائيليون إلى بؤرة “مغين أبراهام” الموجودة على قمة التلة، بل إلى بيت عائلة جبارين. ثالثاً، لم تكن هناك أي مشادات بين النشطاء وسكان البؤرة.
هآرتس 26/8/2026