منصور عباس يوضح تصريحاته حول النكبة الفلسطينية بعد ردود فعل وتحفظات من الخصوم والزملاء


الناصرة- “القدس العربي”: تواصل كلمة رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس في المؤتمر العام للقائمة والذي عقد يوم السبت الماضي في مدينة الطيبة داخل أراضي 48، إثارة ردود فعل وأصداء واسعة في الجانبين العربي واليهودي في إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بدعوته من جهة للاعتراف بدولة فلسطين التي يعترف بها العالم، وفيما يتعلق أيضا بتصريحات لاحقة له حول النكبة وما تخللها.

وكان رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو وعدد من قادة الائتلاف والمعارضة، قد حملوا على منصور عباس وعلى فكرة الدولة الفلسطينية، مشددين على رفضهم إقامتها أو الاعتراف بها.

وعلى خلفية هذه الأصداء، استضافت القناة 12 العبرية قبل أيام منصور عباس، فسألته عما قاله قبل سنوات حول النكبة الفلسطينية، واقتبست بعض أقواله ووجّهت له السؤال: “الأرض احتلت على يد عصابات صهيونية وتم طرد السكان وبقي من بقي، فهل توقفت عن الاعتقاد بذلك؟”.

في إجابته بالعبرية، حاول عباس تخفيف وطأة العاصفة التي ثارت عليه في الجانب الإسرائيلي لمجرد قوله إن الدولة الفلسطينية معترف بها من قبل العالم، ودعوته أمريكا وإسرائيل للاعتراف بها أيضا. وفي جوابه قال: “كل واحد منا يمر بمسيرة تغّير ويبلور رؤية سليمة، وأنا أنظر للمستقبل لا للماضي فقط. اليوم ما كنت أقول ذلك ولا أعتقد به”.

ردود فعل جديدة

ضمن ردود الفعل الواسعة في الجانب العربي داخل أراضي 48، نشر الشيخ كمال الخطيب، نائب رئيس الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا، منشورا في صفحته بعنوان “أول الرقص حَنجَلة” قال فيه إنه “في أوج المجازر وحرب الإبادة التي أوقعتها حكومة وجيش إسرائيل بأهلنا في غـزة، والتي شاهدها العالم كله، سُئل منصور عباس من قبل الإعلام الإسرائيلي عن تلك المجازر، فقال إنه لا يعلم إن كان حقيقة قد ارتُكبت هناك مجازر وحرب إبادة. والآن يعود منصور عباس وبأثر رجعي لينفي وقوع مجازر ونكبة بشعبنا الفلسـطيني عام 1948 على يد المنظمات الصهـيونية رغم أن كبار الباحثين الإسرائيليين قد كتبوا تقارير مصوّرة عن ذلك”.

الشيخ الخطيب المواظب على مهاجمة منصور عباس ومواقفه، أضاف: “فإذا كان منصور عباس رئيس الموحدة ينفي وقوع مجازر وإبادة حاضرًا في غـزة، وينفي وقوعها سابقًا في العام 1948، فهل مستقبلًا سنسمع منصور عباس يقول بأن الفلسطينيين هم من اعتدوا على الإسرائيليين في عام 1948، وأن الفلسطينيين هم محتلون ومغتصبون؟”.

كما تساءل :”وهل سنسمع منصور يومًا يُحمّل مسؤولية ما حصل لليهود من محارق في ألمانيا سنة 1945 للفلسطينيين، ولذلك فعلوا ما فعلوه في شعبنا سنة 1948؟”.

خطيب الذي طالما عارض فكرة المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، خلص للقول: “مسيرة الانحراف تبدأ من ملم واحد وتنتهي بكارثة، كما يقول المثل الشعبي الفلسطيني: أول الرقص حنجلة. نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا”.

على خلفية كل ذلك، انتقد النائب عن “الموحدة” وليد طه من كفرقاسم  تصريح زميله منصور عباس، فقال في حديث لراديو “الناس” الذي يبث من الناصرة، اليوم الأربعاء، إنه لا يمكن لأحد أن ينسف أو يغيّر الرواية التاريخية الفلسطينية. معتبرا أن تصريح عباس غير موفّق، ولكنه لا يؤثّر على موقف الموحدة التاريخي والمبدئي.

بين حسن الظن أو سوء الظن

وفي ضوء ردود الفعل داخل حركته وخارجها، نشر منصور عباس منشورا طويلا، حاول فيه تقليص الأضرار السياسية وربما الانتخابية اللاحقة به وبقائمته، وقال: “كل كلمة قلتها في حياتي السياسية، قلتها وقلبي مطمئن بالإيمان والولاء والانتماء وعندي وضوح في الرؤية وثقة في الهوية ويقين بعدالة القضية ووعي بواقع أليم”.

وبعد تلميحه للحاجة للمناورة في البيان والتصريح والذي بسببه يتهمه البعض بازدواجية المواقف بين ما يقوله بالعربية وما يقوله بالعبرية، تابع عباس مشددا على جوهر رؤيته السياسية: “ولعلّ حبّي وخوفي واستشعاري بالخطر الشديد وشعوري بمظالم الناس، يدفعني إلى أقصى مدى في استماتتي لإنجاح المشروع السياسي من خلال نهج الشراكة والتأثير، حتى نستطيع استبدال هذه الحكومة العنصرية الفاشية بحكومة أخرى، أقلّ سوءًا وأكثر إيجابية، يكون لنا فيها دور فعلي نحقق فيه الخير لمجتمعنا وشعبنا، للعرب ولليهود أيضًا”.

كما قال عباس إنه “يشهد مؤخرًا تشويه موقفي في ثلاث مسائل رئيسية متكررة:

أولًا يهودية الدولة هي أمر واقع مفروض ولسنا من اختاره، بل هو خيار الأغلبية اليهودية وليس مطلبًا لنا، واضطرت الأحزاب العربية للقبول به عمليّا، وإلا سيتمّ شطبها في الانتخابات البرلمانية والمحليّة. في المقابل، مطلبنا ونهجنا وأولويتنا أن نركز على تعزيز مكانتنا وتحصيل حقوقنا القومية والمدنية، وممارسة دورنا السياسي في الحكم وليس في التمثيل البرلماني في المعارضة فقط، والعمل على تحصيل المصالح ودرء المفاسد عن مجتمعنا وشعبنا، وموقفنا في موضوع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني والاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل معروف ومشهور”.

ثانيا موقفنا في الخدمة المدنية ينسجم مع الموقف العام لمجتمعنا العربي، وليس كما يفتري علينا الخصوم. وهي مشروع خدمة ومبادرة تطوعية عربية غير عسكرية أو أمنية أو قومية وغير إلزامية وتكون في إدارة عربية وتلبي احتياجات مجتمعنا العربي ولا تربط الحقوق والمساواة بالواجبات والخدمة. وطلبنا أن يكون الموقف فيها وحدويا ونرفض الخدمة القومية المدنية بإطارها الحالي. وخوفنا أن يتم فرضها على شبابنا إذا لم نبادر بذلك، كما بادرت لذلك لجنة المتابعة والرؤساء قبل عامين ولم تكمل العمل بعد.

ثالثا ادعاء انكار النكبة والتهجير والرواية الفلسطينية هو افتراء آخر وتزييف وتزوير للكلام ومضمونه وتأويله عند من يسيء الظنّ. عندما أواجه من قبل اليمين بتصريحات لي، تشهد لي بصدقية انتمائي وهويتي وروايتي وأقول إنني اليوم وتحديدًا منذ طرح نهج الشراكة والتأثير في السنوات الأخيرة، أصيغ تصريحاتي وأفكاري واجتهادي السياسي بشكل آخر. هذا لا يعني أنني أنكر النكبة والتهجير والرواية الفلسطينية.

ويتساءل عباس: “ألا يمكن أن تكون الصياغة الأخرى والاجتهاد السياسي الآخر تعبير عن حقيقة النكبة وتستفيد من التجربة التاريخية بشكل دقيق وحكيم وتطرح رؤية عملية للمستقبل وتمكن من امتلاك القدرة على التأثير لمعالجة المظالم والجروح التي ورثناها من نكبتنا المستمرة، وأن نمنع التهجير الجديد بأشكاله، وننطلق من الرواية التاريخية لكتابة رواية المستقبل الواعد والتي نسعى أن تكون رواية تمكين لمجتمعنا ومحافظة على وجودنا وهويتنا واستفادة من دروس روايتنا الفلسطينية لمنع النكبات القادمة وفتح أفق لحل منصف وتسوية سياسية تمكن الشعبين الفلسطيني واليهودي من العيش بسلام في دولتين مستقلتين وتنهي الاحتلال والصراع؟”.

ويخلص منصور عباس للقول: “أخيرا أدرك أن القبول بهذا التفسير للادعاءات الثلاثة، يحتاج إلى حسن ظنّ وقليل من الإنصاف والحكمة والمسؤولية، وهذا مفقود عند الخصوم السياسيين جميعا. همّهم وديدنهم تشويه الشخص والنهج وإفشاله ولو على حساب مصلحة شعبنا ومجتمعنا كما حدث معنا في الحكومة السابقة. مصلحتنا العليا استبدال هذه الحكومة العنصرية ولو بأكل الميتة ودفع الكلفة الشخصية، فضرورة رفع الظلم وإزالته، ودرء المفاسد وتقليلها وجلب المنافع وتكثيرها، تحتاج منا سلوك السبل الممكنة لتحقيق ذلك. والله من وراء القصد”.

عندما يصبح التصريح أثقل من صاحبه

ويقول الناشط في الموحدة محمد دهامشة من بلدة كفركنا لـ”القدس العربي” إنه من مؤيدي النائب منصور عباس، وإن هذه نقطة يقولها بوضوح حتى لا يُفهم كلامه على أنه هجوم على شخصه أو على مشروعه السياسي. بل على العكس، تأييده له هو تحديدًا ما يجعله يشعر أن من حقه أن أعاتبه عندما يختلف معه.

ويضيف: “تصريحه الأخير حول أحداث عام 1948، وما رافقها من تهجير واقتلاع للشعب الفلسطيني، كان بالنسبة لي صادمًا ومقلقًا. ليس لأنني أرفض حقه في أن تكون له قراءة سياسية أو تاريخية مختلفة، فهذا حقه، وإنما لأن هناك قضايا تتجاوز الخلاف السياسي، وتمس ذاكرة شعب وعائلات وقرى وأجداد. نحن، كفلسطينيين من الداخل لا نتعامل مع عام 1948 كصفحة في كتاب تاريخ. خلف كل قرية مهجّرة قصة، وخلف كل عائلة ذاكرة، وخلف كل اسم مكان وحكاية ما زالت حاضرة في بيوتنا. وأنا كمؤيد لمنصور عباس لا أعتقد أن الاختلاف معه في موقف واحد يعني التخلي عنه أو إنكار ما قدمه سياسيًا. لكن التأييد لا يعني أن نصمت، كما أن النقد لا يعني الخصومة”.

واختتم دهامشة بالقول: “كنت أتمنى من منصور عباس أن يكون أكثر حذرًا في الحديث عن هذه الصفحة الحساسة من تاريخ شعبه، وأن يضع في حسابه أن كلماته لا تُسمع فقط في قاعات السياسة، بل تصل إلى قلوب أناس يحملون هذه الذاكرة في بيوتهم. منصور عباس، نحن نؤيدك، وقد نختلف معك، وسنظل نناقشك باحترام لكن هناك أشياء لا نريد أن نخسرها ونحن نبحث عن طريقنا في السياسة… وأولها ذاكرتنا. لذلك كان هذا التصريح بالنسبة لي، أثقل من صاحبه”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *