آيات


دونك هذه الرّسالة يا صغيرتي. افتحيها إن شئت، أو لا تفعلي، أو افتحيها، فهي على أيّ حال قد كتبت بلسان لم تتقنيه بعد.
أو لا تفعلي، فلعلّك تعقلين بعض ما فيها من كلمات. وأنا يا عزيزتي أخشى من وقع الكلمات على قلبك الصّغير وأخجل حين أرى أثرها على وجنتيك.
أتعجبين من أمري؟ أجل، هكذا أنا أبوك، خجول كتوم، قلّما أبوح. وإن فعلت فسرعان ما أختفي خلف السّطور.
أنا يا صغيرتي ما تُحرّك قلبيَ النّوائب، وتهزّه نظرة عَتب منك وتعتصره اعتصارا.
آه يا بنيّتي، لو تعلمين قدر عطفي وشفقتي عليك حين أرى الحزن يعتريك إن أنا أبديت غضبا عليك، أو أشحت بوجهي عنك، أو حرمتك اهتمامي.
سامحيني يا عزيزتي، فقد أثخنتني الهموم. فأنا الذي ما بلوت بلاء خالد، مثله أمسيت وليس في جسدي موضع شبر إلّا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح أو رمية سهم، ممّا يرمي به الدّهر أحدنا، فيترك فيه من الجراح ما لا يندمل ولا يمحو آثاره الزّمان.
آياتُ اعذريني، وبالله عليك لا تحزني، فانّي أحبّك. فأنت تعنين لي الكثير… فوق ما تتخيّلين.
لقد انتظرتك كثيرا يا حبيبتي. ودعوت الله كثيرا وتضرّعت وتوسّلت إليه حتّى وهبك لي. فكيف لا أحبّك!
لعلّك لا تعلمين يا عزيزتي أنّي كنت أقصد ذلك المسجد الصّغير في الحيّ العتيق، فآوي إلى سُدّة فيه كي أخلو إلى نفسي وأدعو. كان ناظر المسجد يتّخذ من السدّة مستراحا له. فإذا رأى أحدا فيها غضب وهمهم وما زال به حتّى ينزل. وإذا رآني أطرق برأسه، ثم انصرف وتركني وشأني. وكأنّه رقّ لحالي، أو كأنّه أُلقي في روعه أن إليك عنه، إنّه يناجيني.
كنت أجلس في ركن خفيّ حذو نافذة تطلّ على زقاق تعلّقت بجدرانه فوانيسُ هرمة، انحنى أحدها حتّى اقترب من النّافذة، فهو يسترق منها النّظر، وهي لا تمنعه كي لا تحجب ضياءه عن المكان. وكنت أمدّ يديّ حتّى ينعكس ضوء ذلك الفانوس على كفّيَّ فلا يجاوزهما إلى سائر جسدي، ثمّ أدعو، فأرى في شعاع الضّوء دعائي صاعدا إلى السّماء، أو بُشر الإجابة نازلة الى الأرض فأتلقّفُها براحتيّ.
كنت أدعو وأدعو… وأنتظر… فلا تأتين. فأدعوا وأناجي.. يا رب، لقد فعلت كذا وكذا ابتغاء مرضاتك، وما تركت مأثورا من الدعاء إلا ودعوتك به، ولا موضعا يُتقبّل فيه الرجاء إلا ورجوتك فيه ولا عملا يُتقرّب به إليك إلا واجتهدت فيه ما استطعت.
وأنتظر… فلا تأتين.
كنت أسيح في الشوارع يلهج لساني بالدعاء، وأرسل بصري إلى السماء فلا أنظر إلى الأرض إلّا بالقدر الذي أتّقي به عثرة في الطريق أو نظرة يخال صاحبها أنّي مجذوب أو أنّي قد جننت.
دعوت ودعوت حتّى استجاب اللّه لي، فأتيتِ، فشكرت الله ثمّ دعوته، فوهبني أخا لك. أتذكرين يا عزيزتي حين اصطحبتك معي إلى الجامع في يوم مولده؟ أنا وضعتك بين يديّ، وأنت أسندت رأسك إليّ، وأسلمت نفسك للنّعاس. والإمام يخطب ويحدث عن نعمة الأولاد والذرية الصالحة. والنّاس ينصتون وقلوبهم وجلة. وكذلك كنت أفعل. غير أنّي كنت أعي صوتا يخصّني من دونهم بالخطاب. يقول لي، أرأيت. أظننت أنّي قليتُك. أتذكر دعاءك ذاك في يومك ذاك. أظننت أنّي ما سمعتك. ويداك الممدودتان إلى السّماء. أظننت أنّي ما رأيتك. أنظر إلى ابنتك تلك التي بين يديك. واذكر صغيرك ذاك الذي أبصر النور لتوه. أرأيت كيف أجبتُك.
أجل، رأيت سبحانك.
ولن أحدّثكِ عن دموعي يا عزيزتي، فلعلّك وجدت بعض دفئها على جبينك، إذ انسابت فلم يعد لي عليها سلطان. ولعلّ بعضها بلّل شيئا من خُصيلات شعرك فرسم بها على وجهك ملامح البنت الحيرى تشفق على أبيها من تِلكُم الحال.
أنا مذ ذاك يا عزيزتي، لا أراك أنت وأخاك تمشيان أمامي إلّا ورأيت دعائي يمشي على الأرض، بعد أن ملأت به أرجاء السّماء. وأذكر صديقيَ ذاك الذي كان يقول لي مشفقا حين يراني وقد أنهكتني الحياة، تزوّج، فإنك إن فعلت ورزقك الله بذريّة طيّبة، تنسيك متاعبَ الدنيا ابتسامةُ طفلك يلقاك بها عند الباب. وقد كان.
آيات، افتحي الرسالة يا صغيرتي فما عدت أبالي، أو مزّقيها إن شئت، وخذي عنّي هذه الكلمات، فما عاد لي حاجة لأن أختفي خلف السّطور. اعلمي يا عزيزتي أنّي ما بلغت شيئا في هذه الدّنيا إلّا بما فتح اللّهُ لي ولوالديّ من الدّعاء. وأنّي ما كُفيت خَطبا من خُطوبها إلا بما فتح اللّهُ لي ولوالديّ من الدّعاء. وأنّي لن أَضِنَّ به عليكِ ما حييت. فلا تَضِنّي به على نفسك.
واعلمي أنّ الله رحيم، وأنّكِ آيات من رحمته.
فكيف لا أحبّك!

شاعر عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *