ثمة خطأ صغير نرتكبه كلما قلنا إننا نشتاق إلى مدينة، فنحن في الغالب لا نشتاق إلى المكان الذي تشير إليه الخريطة، بل إلى زمن كان قد اتخذ من ذلك المكان هيئة له. لهذا، يعود الإنسان بعد عشرين عاما إلى شارع يعرفه جيدا، فيجد الأرصفة في مواضعها والبيوت ما تزال متجاورة، لكنه يشعر بغربة لا يستطيع تفسيرها، لأن الشيء الذي جاء يبحث عنه لم يكن حجرا ولا شجرة ولا بابا، كان زمنا كاملا اختبأ في هيئة مدينة ثم مضى.
وبغداد من المدن التي يصعب فصلها عن أزمنتها، ربما لأنها عاشت من الحيوات أكثر مما ينبغي لمدينة واحدة. حين رسم المنصور مدينته المدورة في القرن الثامن، لم يكن يعرف أنه يمنح زمنا كاملا شكله الهندسي، وأن المدينة التي أرادها مركزا للخلافة ستكبر بعد ذلك خارج أسوارها حتى يصبح شكلها الأول مجرد ذكرى في كتب التاريخ. كانت بغداد تتغير فيما يحتفظ كل عصر منها بصورة يعتقد أنها صورتها النهائية، ثم يأتي عصر آخر فيزيحها قليلا ويضيف إلى وجهها ملامحه، حتى أصبحت المدينة أشبه بوجه عائلة قديمة يمكن أن ترى فيه شبها بأشخاص ماتوا منذ زمن بعيد.
ولعل الغرب عرف هذه المشكلة قبل أن يصل إلى بغداد نفسها، فقد وصل إليها بخيال سبق السفن والرحالة بقرون. كانت «ألف ليلة وليلة» قد أنجزت مدينة كاملة في المخيلة الأوروبية، حتى أصبح القادم من باريس أو لندن يحمل بغداد في رأسه قبل أن يراها بعينيه. وعندما وصل بعض الرحالة والمستشرقين إليها، كان عليه أن يوفق بين مدينة قرأ عنها في الليالي ومدينة حقيقية يساوم أهلها على الأسعار ويشتكون من الحر والغبار. كان يبحث عن هارون الرشيد في الأزقة التي مر بها الناس إلى أعمالهم، ويرى في الأسواق بقايا الشرق الساحر، بينما كان البغدادي يعبر السوق نفسه لأنه يحتاج إلى شراء شيء للبيت.
وهذه المسافة بين من ينظر إلى المدينة ومن يعيش فيها هي المسافة التي تهم الأنثروبولوجيا أكثر من جمال العمارة. فالمدينة بالنسبة إلى زائرها منظر يمكن وصفه، أما بالنسبة إلى ساكنها فهي نظام كامل من العادات التي يؤديها من دون أن ينتبه إليها. يعرف البغدادي متى يصبح الحر جزءا من المزاج، ويفهم من نبرة البائع إن كان باب المساومة على السعر ما يزال مفتوحا، ويستطيع أن يلتقط من جملة عابرة أصل المتكلم أو الحي الذي عاش فيه، ثم يعود إلى بيته من طريق ربما لا يعرف أسماء شوارعه الرسمية لأنه حفظها بطريقة أكثر قدما من الخرائط.
لهذا لا أظن أن البغدادي يمكن تعريفه بمسقط رأسه. بغداد نفسها لم تكن في يوم من الأيام مدينة أبناء سلالة واحدة، بل صنعت شخصيتها من الذين وفدوا إليها ثم تركوا فيها شيئا وأخذوا منها شيئا آخر. جاءها العراقي من مدينة بعيدة وهو يحمل لهجته وذاكرة بيته الأول، ثم أقام فيها حتى تغير إيقاع كلامه وطريقة غضبه ونكاته وحتى طريقته في الشكوى. بعد سنوات لا يعود السؤال عن المكان الذي ولد فيه كافيا لفهمه، لأن المدن الكبيرة لا تطلب من سكانها أن يتخلوا عن أصولهم، لكنها تضيف إليهم طبقة جديدة يصعب نزعها.
وربما لهذا يمتلك الفرد البغدادي تلك العلاقة الملتبسة مع مدينته، فهو كثير الشكوى منها لكنه لا يحتمل أن يصفها الغريب بالسوء، يسخر من خرابها كما لو كان يسخر من نفسه، ثم يستشيط إذا جاءت السخرية من خارجها. هذه ليست مفارقة في الطبع بقدر ما هي علاقة اجتماعية قديمة بالمكان، فالمدينة هنا لا تؤدي وظيفة السكن وحده، بل تدخل في تعريف الإنسان لنفسه حتى يصبح نقدها امتيازا داخليا يشبه حق أفراد العائلة في الشجار داخل البيت.
ويخبرنا علم الاجتماع أن المدينة ليست أبنيتها بقدر ما هي شبكة العلاقات التي نشأت داخلها، ولهذا يكون اختفاء مقهى أحيانا أكثر إيلاما من سقوط بناية أجمل منه. لم يكن المقهى مهما بسبب كراسيه، بل لأن رجلا اعتاد أن يجلس فيه كل عصر ثلاثين عاما، ولأن أصدقاء عرفوا أن العثور عليه لا يحتاج إلى موعد، ولأن الطريق إليه دخل في البرنامج الصامت لحياة مجموعة كاملة من البشر. عندما يختفي المكان لا نخسر جدرانه، بل ينهار جزء صغير من النظام الذي كانت حياتنا تعرف نفسها من خلاله.
أتذكر بغداد طفولتي فأفهم الآن أنني لا أتذكر مدينة بالمعنى الدقيق، بل أتذكر ترتيبا مؤقتا للعالم كان موجودا في سنوات بعينها. كانت البيوت مأهولة بأشخاص لم يكونوا قد رحلوا بعد، وكانت بعض الشوارع تبدو أطول لأن قدمي كانتا أصغر، وكان الصيف يستغرق دهرا لأن الطفل لا يعرف أن السنوات ستتعلم الركض لاحقا. لو عدت اليوم إلى الموضع نفسه فلن أجد تلك المدينة، حتى لو بقي البيت في مكانه، لأن جزءا أساسيا من هندستها كان عمري أنا.
وهنا يبدأ الزمن في كشف سلطته الحقيقية على المكان. نحن نظن أن المدينة ثابتة وأن الأعمار هي التي تمر خلالها، لكن سنوات قليلة تكفي لقلب المعادلة، فنكتشف أن المدينة نفسها كانت حالة زمنية مؤقتة. الجيل الذي عرف بغداد في منتصف القرن الماضي يحمل في رأسه مدينة لا يستطيع الجيل الجديد الوصول إليها مهما حفظ صورها، والذي عاش ثمانينياتها يحتفظ بأصوات وروائح وتفاصيل لا تظهر في الوثائق، وحتى السنوات القاسية التي تمنينا نهايتها تتحول بعد زمن طويل إلى مستودع حنين لأن أشخاصا أحببناهم كانوا ما يزالون أحياء فيها.
ولهذا لا توجد بغداد واحدة ضاعت ثم بقي الناس يبحثون عنها، توجد آلاف المدن التي حملت الاسم نفسه ثم اختفت واحدة بعد الأخرى. لكل إنسان بغداد سرية لا تتطابق تماما مع بغداد جاره، لأن الذاكرة لا تحفظ المكان كما هو، بل تحفظ النسخة التي مر بها العمر. قد يقف رجلان أمام البيت نفسه فيرى أحدهما طفولته ويرى الآخر سنوات حرب، ويكون الحجر محايدا تماما أمام المعنيين اللذين وضعهما الزمن فيه.
ولعل أقسى أشكال الغربة لا يحدث عندما نغادر مدننا، بل عندما تبقى أجسادنا فيها ويغادر الزمن الذي كان يجعلها مألوفة. يستطيع الإنسان أن يسكن البيت نفسه أربعين عاما ثم يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنه صار غريبا عن الحي، لأن الوجوه التي كانت تمنحه معنى اختفت، ولأن أسماء المحلات تبدلت، ولأن الأطفال الذين كانوا يركضون أمامه أصبحوا رجالا لا يعرف أبناءهم. عندها يفهم أن الوطن ليس مساحة فقط، وأن الانتماء نفسه يحتاج إلى زمن يسانده.
نحن نحب أن نعتقد أننا نملك المدن لأن لنا فيها بيوتا وعناوين وذكريات، لكن العلاقة ربما كانت معكوسة منذ البداية. لم تكن بغداد خلفية لحياتنا كما تصورنا، كانت الهيئة التي اتخذها الزمن عندما أراد أن يصبح مرئيا لنا. وضع دجلة في المنتصف، ومد الجسور بين ضفتيه، وبنى حول أعمارنا البيوت والشوارع، ثم أخذ يغير المشهد قطعة بعد أخرى بينما كنا منشغلين بالعيش.
لهذا أظن أننا لسنا سكان المكان بالمعنى الذي نتصوره، نحن أثاث الزمن الذي يعيد ترتيبنا كلما انتقل من حقبة إلى أخرى. يكبر بعضنا، يرحل بعضنا، وتبقى أشياء قليلة في مواضعها لتوهم القادمين بأن المدينة هي التي بقيت. أما المدينة نفسها فليست سوى إكسسوار الزمن العظيم، يبدل هيئتها كلما احتاج إلى مشهد جديد، ثم يتركنا في آخر العمر واقفين أمام شارع نعرف كل شيء فيه، ولا نعرفه.